هيئة علماء المسلمين في العراق

الخطر الايراني ومداه الحقيقي!-أ.د. سامي الصقار
الخطر الايراني ومداه الحقيقي!-أ.د. سامي الصقار الخطر الايراني ومداه الحقيقي!-أ.د. سامي الصقار

الخطر الايراني ومداه الحقيقي!-أ.د. سامي الصقار

نشرت عزيزتنا القدس العربي يوم 5/2/2007، مقالا بقلم السيد محمد صادق الحسيني بعنوان الخطر الايراني.. فخ امريكي تضمن الحديث عن اهمية ايران كحليف للعرب، واهمية الجوار العربي لايران، وهذان امران لا يختلف فيهما اثنان سواء من العرب، ام من الايرانيين. كما ان الخلاف بين الجانبين لا يخدم سوي مصالح المستعمر الجديد، الولايات المتحدة وربيبتها (بل ربتها) اسرائيل. وان تحذيرات السيد الحسيني للطرفين من الوقوع في الفخ، يستحق عليها كل الشكر والتقدير، فانه ناصح امين، جزاه الله كل خير.
انا لا اريد ان اخوض في الحديث عما يسود الشرق العربي من اتهامات لايران ومواقفها بالنسبة لاحداث العراق، بل واحداث فلسطين ولبنان ايضا، لان ما يقع، من احداث هو نتيجة لما افرزته الظروف التي مرت بها المنطقة، ثم عقدتها التدخلات الاجنبية، اما الذي اريد تناوله، فهو مواقف ايران في الماضي القريب والبعيد تجاه العراق خاصة، وقبل الدخول في الموضوع، اود ان اؤكد للقراء بانني لست من المعادين لايران قط، وانما انا اتعاطف معها، بل احبها، اذ سبقت لي الخدمة الدبلوماسية فيها في العهد الملكي (في العراق)، فقد كنت قنصلا لمدة عام في المحمرة (خرمشهر)، وسكرتيراً للسفارة العراقية في طهران لمدة سنتين، بل ترأست السفارة لمدة عام بعد نقل السفير اللواء بهاء الدين نوري (رحمه الله) الي الاردن، ووصول السفير الجديد (عبد الامير الازري). وانني اعد تلك السنوات الثلاث من امتع سنوات خدمتي الدبلوماسية التي استمرت 23 عاما.
كذلك اود التأكيد بانني لم اكن بعثيا قط، بل علي العكس، فانني فقدت منصبي كسفير للعراق في يوغوسلافيا وبلغاريا (في آن واحد) بعد شهرين فقط من انتقال الحكم الي ايدي البعثيين في تموز (يوليو) 1968، ولم اعرف حتي هذه اللحظة اسباب احالتي علي التقاعد (ولم اصل آنذاك الحد الادني لسن الاحالة علي التقاعد، اي ان احالتي لم تكن قانونية)، ثم ان تعييني في السلك الدبلوماسي لم يكن لاعتبارات سياسية معينة، لكي احاسب علي مواقف الجهة السياسية التي كانت وراء تعييني، وانما كنت (دبلوماسيا محترفا) دخلت السلك من اسفل درجاته بعد اجتيازي عدة امتحانات وتقديمي اطروحة، وصعدت السلم بالتدريج (دون قفزات). ولذلك فان ظهر للقراء ما يبدو من كلامي، وكأنه تعاطف مع البعث ليس سببه عقائدياً، وانما هو الحرص علي ذكر الحقيقة.
واعود الان الي الموضوع، وابدأه بمقولة تتردد علي الدوام، مفادها بأن لايران مطامع في بعض البلاد العربية، والعراق خاصة. وتستند هذه المقولة علي بعض الحقائق التاريخية التي تجلت في احتلال الصفويين للعراق اكثر من مرة، ولانهم تركوا وراءهم (بعد ان اخرجهم العثمانيون) ذكريات مؤلمة يُشتم منها بعض التعصب الطائفي.
كما ان الصفويين كانوا يتجاورون علي الحدود العراقية بحجة وجود مناطق يملكونها عبر الحدود، ويماطلون في تحديد الحدود بين العراق وايران. وكانوا في كل مرة يصلون مع العثمانيين الي اتفاق حول خط الحدود، ولكنهم سرعان ما ينقضونه.. واخيرا تمكنت الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر من عقد معاهدة (ارض روم) التي حددت الحدود بالتفصيل، وكان الوسيطان في ذلك هم الروس والانكليز، وبموجب تلك المعاهدة وافق العثمانيون علي ان يكون خط الحدود في الجنوب مطابقا لخط الشاطيء الشرقي لشط العرب (عندما يكون النهر في حالة المد ـ اي الحد الاعلي). ويستمر الخط في الاتجاه شمالا مارا بنقاط موصوفة وصفا دقيقا بصورة فنية هندسية لا تقبل الجدل، وقد تضمنها تقرير (درويش باشا) رئيس الوفد العثماني الذي شارك في المباحثات. ومعني ذلك ان شط العرب بكامله، بشاطئيه هو داخل ضمن ارض العراق التي تمارس فوقها حكومته اعمال السيادة، ومنها ان السفن التي تقصد ايران تمر بمياه عراقية، ولذلك ينبغي عليها ـ حسب الاعراف الدولية ـ ان ترفع العلم العراقي الي جانب علم دولتها، وان يتولي المرشد البحري العراقي قيادتها من ساعة دخولها الشط عند (الفاو) واثناء رسوها في الموانيء العراقية والايرانية علي السواء، وان الرسوم المقررة علي تلك السفن هي ايراد يخص العراق وحده، اذ هي ثمن للخدمات المقدمة لها، بما في ذلك حفر (سد الفاو) عند فم شط العرب، وانارة الممرات المائية، وتحديد مواقعها بالعوامات، بدءا من عشرات الكيلومترات داخل الخليج.
وعندما تأسست الدولة العراقية في اعقاب الحرب العالمية الاولي، اعلنت اعترافها بذلك الخط، وطالبت ايران بتحديد موعد لرسمه علي ارض الواقع، منعا للاحتكاك، ولكن الجانب الايراني عمد الي المماطلة والتسويف، ثم اعرب عن رغبته في الحصول علي قطعة من ماء شط العرب، تحاذي ميناء (عبادان) الايراني، وذلك لتمكين ناقلات النفط من الرسو ورفع العلم الايراني، والسماح لموظفي الحدود الايرانيين بالصعود اليها، ونظرا لرغبة العراق في تعزيز صلاته بالجار المسلم، استجاب للطلب، شريطة رسم خط الحدود علي الارض وفقا لما تقرر في العهد العثماني. وهنا ايضا استمرت المماطلة حتي سنة 1937 عندما طالبت ايران بقطعة مماثلة من شط العرب بمحاذاة ميناء خرمشهر (المحمرة). وهنا ايضا وافقت الحكومة العراقية، لدعم ما يسمي (ميثاق سعد آباد) الذي عقد انذاك بين العراق وايران وتركيا وافغانستان، شريطة المباشرة برسم خط الحدود علي الارض.. ولكن شيئا من ذلك لم يحصل، وبقي الحال علي ما كان عليه، بل ان نغمة جديدة ظهرت الي الوجود تنادي بان شط العرب هو نهر مشترك بين العراق وايران، وان خط الحدود يمر بوسطه، واخترعوا له اسما فارسيا. وهذه النغمة تبناها الشاه الذي استخدم بعض الاكراد وسيلة لتحقيق اهدافه، اذ صار يساند حركة التمرد في شمال العراق بشكل سافر، ويوسط الوسطاء لابلاغ العراق باستعداده للتخلي عن ذلك الموقف اذا وافقت الحكومة العراقية علي قبول خط الوسط لرسم الحدود. وقد تدخلت في الامر بعض الاوساط العربية (حقنا للدماء ـ دماء العرب والاكراد) عند انعقاد قمة من رؤساء دول منظمة اوبك (النفطية) في الجزائر سنة 1975، مما اضطر صدام حسين الي الاستجابة، ومصافحة الشاه في حفل حظي بمهرجان اعلامي كبير. وهنا ايضا اشترط العراق لتنفيذ الاتفاق الجديد ان يتم رسم الحدود علي الارض من شمال المحمرة حتي التقائها بالحدود التركية في الشمال. وكل الذي حصل في هذا الشأن هو ان دعامة اسمنتية وحيدة (يتيمة) زرعت علي الارض تشير الي نقطة بدء الحدود علي اليابسة. وراوغ الشاه ايضا، ولم تستأنف عملية التخطيط حتي انتهاء حكمه.
كان العراقيون يتوقعون من الحكومة الاسلامية الجديدة في ايران، ان تتخذ موقفا يختلف عن مواقف الحكومات السابقة، خاصة وان الامام الخميني قد عاش ضيفا في العراق 14 عاما تحميه الحكومة العراقية من عملاء الشاه المندسين لقتله او خطفه، ولذلك كان هروب الشاه مبعث سرور للعراقيين جميعا، اذ كان عنصري النزعة، ذا عقلية استعمارية متغطرسا مصابا بداء العظمة، وينسي ان والده كان مجرد جندي بسيط في الجيش (القاجاري) ثم ان مطالبته بالسيادة علي سواحل الخليج غربا وشرقا، وعلي ما فيه من جزر (بما فيها دولة البحرين)، لا ينساه العرب جميعا، وحمله هذا الموقف علي التدخل في الاضطرابات التي احدثها الشيوعيون في سلطنة عمان. وان انسي لا انسي انه قدم احتجاجا شديد اللهجة الي العراق سنة 1955 لانه فتح فنصلية في الكويت بدون موافقته!! وهذا امر يفضح بجلاء مطامعه الاقليمية. اما مطالبته بالبحرين فقد كانت اكثر صراحة. وفوق ذلك فانه تواطأ مع المستعمر البريطاني، قبل مغادرته الخليج، علي تسلم ثلاث جزر تقع في المياه الاقليمية لدولة الامارات العربية المتحدة، وكانت علي الدوام جزءا من مشيخات الخليج. في الحقيقة ان الساحل الشرقي للخليج كان علي الدوام جزءا من المشيخات سالفة الذكر، ولكن بريطانيا بتواطئها مع (الشاهات)، كانت تتنازل لهم عن تلك الاراضي حتي صار الساحل الشرقي ـ الذي تقطنه قبائل عربية معروفة تسمي محليا (الهولة) ـ ملكا لايران، ثم لحقتها تلك الجزر قبل يومين فقط من مغادرة الانكليز للمنطقة.
هذا وقد كان الشاه من اخلص الحكام الموالين للاستعمار الامريكي، كما انه كان من اصدقاء اسرائيل، وان انسي لا انسي، انه عندما احتفل بذكري الالفين للملك الفارسي (كورش) الذي اسقط دولة بابل الثانية، وسمح لليهود الاسري في بابل، بالعودة الي فلسطين، واعانهم علي اعادة بناء الهيكل، اقول: انه دعا فرقة السمفونية الاسرائيلية للعزف في ذلك الاحتفال العالمي الذي انفق عليه 25 مليون جنيه استرليني، اذ كان يأمل حضور رؤساء الدول، فأقام لهم (قرب خرائب برسوبوليس عاصمة كورش) مخيمات مجهزة بجميع وسائل الاقامة المتوفرة في قصورهم، ولم يحضر منهم احد، وذهبت الرياح بتلك المخيمات.
ومشيخات الخليج سرها جدا سقوط الشاه الذي كان يتعاظم ويمنح نفسه حق وراثة الاستعمار البريطاني، وكانت هذه المشيخات تأمل من الحكومة الاسلامية ان تعيد الحق الي اهله، وتتصرف وفق الشريعة الاسلامية التي تحرم اغتصاب ممتلكات الغير (حتي لو كان اصحابها من غير المسلمين).
والذي حصل انها عمدت الي تغيير هوية تلك الجزر، اذ جاءت باعداد كبيرة من الايرانيين (من القومية الفارسية)، واسكنتهم في الجزر المذكورة آنفا، وزادت علي ذلك انها اسست جامعة في واحدة منها، وشجعت علي الالتحاق بها بمنح طلابها واساتذتها امتيازات مجزية.
واعود الان الي موضوع الحدود العراقية التي عاني العراق الكثير من المشاكل بسبب عدم تثبيتها علي الارض، وظن المسؤولون العراقيون ان العهد الجديد سيبادر الي انجاز تلك المهمة، لانه عهد اسلامي هدفه تعزيز علاقات الاخاء وروابط الجوار مع الاقطار الاسلامية، والعراق، منها خاصة، بسبب وجود العتبات المقدسة فيه، ولجوء الامام الخميني اليه مدة طويلة ـ كما اسلفنا ـ لقي خلالها كرم الضيافة والحماية، حتي ان الحكومة العراقية سهلت تهريب خطب الامام الخميني، المسجلة علي الاقراص، الي ايران، وقد كانت تلك التسجيلات هي التي عززت الروح الثورية ضد الشاه، ونشرت مبادئها في كل مكان، مما ضمن لها النجاح. اقول كان العراقيون يؤملون حل مشاكل الحدود المزمنة، ولكن ما حصل هو العكس تماما، فقوات الحدود الايرانية، كانت تتعمد التوغل في الاراضي العراقية، وتشجع تهريب الاسلحة الي بعض العناصر المعادية للحكومة التي حاولت التفاهم مع السلطات الايرانية، ولم تجد سوي الصدود، وتجاهل اتفاق الجزائر الذي اكتفت منه فقط بفرض سيادتها علي نصف شط العرب الي جانب ممارسة اختراق خط التقسيم وخط الحدود نفسها، وقد بلغت الاختراقات اعدادا تقدر بالمئات، حسب التقرير المفصل الذي قدمه العراق في اجتماع منظمة المؤتمر الاسلامي الذي عقد في الطائف، ولم تحضره ايران (علي ما اظن).
وبمرور الايام استفحل الخطب ـ مع الاسف الشديد ـ وتفاقمت شدة الاختراقات للحدود العراقية بشكل لم يعد بالامكان السكوت عنه، وعندها وقعت الحرب العراقية ـ الايرانية المحزنة، والتي خسر فيها الطرفان عدة ملايين من الشباب، علاوة علي الخسائر المادية الجسيمة التي لم تسلم منها كثير من المدن العراقية والايرانية، ولا سيما بغداد وطهران. ثم استجاب العراق لدعوة وقف القتال، علي امل اقامة علاقات سلام وطيدة، ولم يوفق، ثم حصل ما حصل من امر الكويت، والعدوان الثلاثيني علي العراق، وتبعته الاضطرابات في جنوب العراق وشماله، وقد استهدفت الجيش العراقي العائد من المعركة، وكانت الشائعات تشير الي الايدي الايرانية فيها، ثم جاء الحصار الجائر الذي استغرق 13 عاما، وانهك العراق من كل الوجوه، مما مهد السبيل الي العدوان الامريكي الجديد في سنة 2003، والذي اكمل المهمة بتدمير ما بقي قائما ثم كان ـ كما قال الشاعر العربي:
قد كان ما كان مما لست اذكره
فظن شرا (وهي في الاصل خيرا) ولا تسأل عن الخبر
حتي وصلنا الي الكارثة التي يمر بها العراق اليوم، والتي يؤكد كثير من المراقبين علي ضلوع ايران فيما يشهده العراق من مآس يعجز المرء عن وصف قسوتها ومدي خطورتها. وقد ادرك خطورة هذا التدخل الكاتب العراقي السيد كاظم محمد، فصرح بذلك في مقاله المنشور في القدس العربي ليوم 5/2/2007 بعنوان ايها الوطنيون كفوا عن النفخ في بوق الطائفية المقيتة اذ قال لقد كان ولا يزال التدخل الايراني ونفوذه داخل العراق، عاملا من عوامل الفتنة الطائفية فيه، ومعيقا مؤثرا في وجه شمول المقاومة والمناهضة الوطنية للاحتلال لرقعتها الجغرافية في بعض مناطق اخري من الوطن، وذلك بسبب سيطرة امتدادات ايران السياسية وميليشياتها المدعومة من بعض مراكز القوي الايرانية وبقوة ماديا وعسكريا، والتي تخضع لتأثيرات وحسابات المواجهة وعدمها بين ايران والولايات المتحدة، اضافة لحسابات التخادم النفعية الفئوية مع الاحتلال الذي يغطي افعال سياساتها الطائفية، كما هي خدمة للدور المسيس لتأثير بعض المرجعيات الدينية في تخدير العامة، وفي تسيير ودفع التوجهات السياسية لحكومة الاحتلال الخ.. .
ولكن الاستاذ كاظم محمد لا يظن بأن ايران ـ وان نجحت الان في استخدام الورقة العراقية بالاعتماد علي احزابها ونفوذها داخل العراق ـ فانها لن تنجح علي المدي البعيد، لان ارض العراق مثلما هي مقبرة لمشروع طغمة الحرب الامريكية وامتداداتها الاقليمية، فان العراق سيكون ايضا منطلقا لخسارة الاستراتيجية الايرانية، بسبب قصور سياستها المعلنة والمتناقضة في معاداة السياسة الامريكية والاسرائيلية من جهة، ومن الجهة الاخري دورها وموقفها تجاه القضية العراقية، بل وحتي الافغانية، ثم يقول السيد كاظم لقد جرّت ايران لنفس المستنقع، لتكون احزابها السياسية وميليشياتها التي دربتها، ونفوذها المخابراتي والمرجعي الديني الموالي لها، واسمها، وما يمثله من استدلال مذهبي في مواجهة القوي العراقية المناهضة والمقاومة للاحتلال. وبنفس الوقت الذي تقوم فيه هذه الميليشيات (اي التي دربتها ايران) ومن وراءها بقتل وتهجير الشيعي والسني علي حد سواء .
اكتفي بهذا القدر من المقال القيم الذي دبجه قلم الاستاذ كاظم محمد، وهنا يبدو لي (مما ورد في المقال من بعض الاشارات) انه ـ حفظه الله ورعاه ـ (شيعي المذهب)، فهو كما هو معروف عن شيعة العراق من العرب الخلص ان لا ولاء لهم غير ولائهم لهذا الوطن العريق العزيز، وقد برهنوا علي ذلك بكل صراحة وتأكيد، اذ لم يعرف عن اي احد منهم (ومنهم يتألف الجيش العراقي بأغلب رجاله) أي عمل خياني ينم عن دوافع مذهبية، طيلة السنوات الطويلة للحرب العراقية ـ الايرانية، وكفي. فجذور القومية العربية عندهم عميقة لا تقوي علي اقتلاعها اي نزعات اخري. ويكفيهم فخراً انهم كانوا عماد الثورة العراقية الكبري سنة 1920 التي افزعت الانكليز واجبرتهم علي تأسيس الدولة العراقية، والتخلّي عن مشروعهم في الحاق العراق بالهند كاحدي المستعمرات، فمثل هؤلاء العراقيين الابطال لا يمكنهم التخلي عن الصرح العظيم الذي أسسوه، ليكون فريسة للمطامع والمساومات من اية جهة كانت.
هذا وهناك سبب لم يشر اليه الاستاذ الحسيني عن حساسية العراقيين تجاه ايران، وهي حساسية لها جذور عميقة في التاريخ، اذ كانت ايران منذ القدم، مصدرا (او معبرا علي الاقل) للعدوان علي العراق، وقد كان (كورش) آنف الذكر هو الذي دمر بابل وقضي علي دولتها وانتصر لليهود. وقبله كان (العبلاميون) وغزوهم للعراق، ويكفي انهم اغتصبوا سهول (ما هي اليوم خوزستان او عربستان) واقاموا فيها عاصمتهم (سوسة)، وهي (اي خوزستان) امتداد لسهول العراق، ونهر (كارون او قارون)، ما هو الا جزء من شبكة انهار العراق، ولذلك صارت خوزستان ـ بعد الاسلام ـ اقليما عراقيا، ويشهد علي ذلك ان الحجاج عندما بني (واسط)، وسئل عن اسباب اختياره لموقعها، اجاب: لأنه يقع علي مسافة واحدة من كل من الامصار الثلاثة (البصرة والكوفة والاهواز). كما ان الخلفاء العباسيين كانوا يعدونها جزءا لا يتجزأ من الاقليم الذي يشكل قاعدة الخلافة، اي العراق.
وفي العهد العباسي بدأت ايران شوطا جديدا من التحركات التي استهدفت العراق، بدءاً بمحاولات ابي مسلم الخراساني للسيطرة علي الحكم، ثم محاولات البرامكة. وفي عهد المعتصم ظهرت حركة لم تكتف بمحاولة اسقاط الخلافة، بل استهدفت تحطيم الاسلام كدين، واقصد بها حركة (بابك الخرمي) الذي ادعي حلول ارواح مقدسة فيه، ودعا الناس للايمان به، فصدقته جماعة سميت (الخرمية) الذين اتخذوا بلاد الروم قاعدة للعدوان علي بلاد الخلافة، بدعم من الدولة البيزنطية، وقد شغلت حركتهم الدولة العباسية 23 عاماً (201 ـ 223هـ). لكن المعتصم تمكن من دحرهم واسر (بابك)، ثم اعدمه في سامراء (الموسوعة الاسلامية ـ باللغة الانكليزية، وتاريخ الاسلام ـ حسن ابراهيم حسن ج 3/327). ثم ان حركة القرامطة في منطقة الخليج لم تكن بعيدة عن العامل الفارسي، ويشهد علي ذلك تعاطف الرحالة الفارسي (ناصري خسرو) معهم، مما يبدو بوضوح في نصوص رحلته المتعلقة بزيارته لعاصمتهم. ولا ننسي محاولاة الولاة (الصفارين) في زمن يعقوب بن الليث الصفار (ت 265 هـ) الذي منحته الخلافة حكم أقاليم فارس وخراسان وكرمان واصبهان، علاوة علي سجستان، ولكنه طمع في التوسع، فغزا (الاهواز) التي هي من اقاليم قاعدة الخلافة ـ كما اسلفنا ـ وذلك سنة 262هـ، مما اغضب الخليفة، وزاد علي ذلك انه امر بذكر اسمه الي جانب اسم الخليفة في خطبة الجمعة، وسك الدينار الذهب باسمه ـ وفعل مثل ذلك اخوه (عمرو) من بعده. ويبدو ان هدفهم كان تقويض سلطة الخلافة في منطقتهم (محمد علي حيدر ـ الدويلات الاسلامية في المشرق، ص 57 ـ 73)، اذ واصل يعقوب تحركه حتي (واسط) فدخلها، وقد تصدي له (الموفق) اخو الخليفة (المعتمد) فهزمه في معركة (دير الصاقول). وقد قام اخوه (عمرو) بمحاولة مماثلة ففشلت (ابن خلكان ـ طبعة احسان عباس ج 6/402 واعلام الزركلي ـ طبعة 4 ج5/84 ـ 85).
ثم ان القوات التي تحكمت بالخلافة فيما بعد كالبويهيين والسلاجقة، كان منطلقها من بلاد فارس ايضا، وبعدها وقعت الطامة الكبري يوم ظهر المغول الذين اتخذوا من ايران قاعدة وممرا الي العراق. ليس هذا فحسب، بل ان عددا من حكام الاقاليم الايرانية انضموا بقواتهم الي هولاكو، وساروا في ركابه في حملة القضاء علي الخلافة الاسلامية في بغداد. كما استوزر هولاكو شخصية ايرانية بارزة (نصير الدين الطوسي) احد العلماء البارزين في كثير من العلوم ولا سيما الفلك، انضم الي الحملة عند مرور هولاكو بايران ولازمه طيلة حياته، وعندما قرر التوجه الي بغداد، حاول بعض الناصحين منعه من غزو العراق، وحذروه من مغبة احتلال بغداد بوقوع كوارث طبيعية وما اشبه (لقدسية الخلفاء) وان من يفعل ذلك سيكون مصيره القتل. وقد استشار هولاكو نصير الدين الطوسي عن صحة تلك النصائح، فعمد الي تسفيهها، واكد لهولاكو بأنه سيكون هو الخليفة. وقال له: لو كان ما قبل صحيحا لحصلت الكوارث يوم قتل عدد من الصحابة والخلفاء، ومنهم بعض خلفاء بني العباس، ولم يقع شيء مما قاله الناصحون (العراق بين احتلالين ـ عباس العزاوي، ج1/151 ـ 152 و166 ـ 167).
ثم توجه الطوسي برفقة هولاكو الي بغداد، وبصحبته شخصية فارسية اخري باسم (علاء الدين عطا ملك). واثناء حصار بغداد، تولي نصير الدين نفسه تأمين اهلها ووعدهم بالسلامة من الأذي اذا خرجوا منها. كما أمن هولاكو الخليفة، وطالبه ان يخرج هو ووزراؤه والناس، فكان مصيرهم القتل اجمعين (العزاوي ص 168 و172 ـ 178). وقام الطوسي بتحرير رسالة علي لسان هولاكو لتهديد أهل (حلب)، وامعانا في الخداع استشهد فيها بآيات من القرآن الكريم (المصدر السابق ـ ص 216). كما قام بتحرير رسالة تهديد لسلطان خوارزم (خوارزمشاه) الذي لجأ الي تبريز (السابق ص 219). وفي سنة 662هـ/1264م، حضر الطوسي محاكمة احد رجال الدولة العباسية (اسمه احمد الباجسري) الذي اعدم وطيف برأسه علي الناس، واخذ احد رجال هولاكو (مرارته)، كما نهبت داره (السابق ص 247).
ولم يكتف نصير الدين بذلك، بل اغتنم الفرصة وطاف ببعض مدن العراق، ومنها واسط والبصرة، وجمع منها ومن غيرهما كميات كبيرة من الكتب النفيسة، ونقلها الي (مرصده الفلكي) في مدينة مراغة (نفسه المصدر 247)، حيث انشأ فيه مكتبة كبيرة تولي ادارتها المؤرخ البغدادي الكبير ابن الغوطي (المصدر نفسه ص 481). كما استعان في تأسيس ذلك المرصد وادارته بعدد كبير من علماء العراق الذين سلموا من المجزرة. ومبالغة في تفانيه في خدمة هولاكو، شهد الطوسي باسلام هولاكو الذي رفضت ابنة ملك الكرج (اي جورجيا الحالية) الزواج منه ما لم يعتنق الاسلام (المصدر نفسه ص 250). ثم رثاه عندما هلك الجزار سنة 672 هـ ـ بقصيدة بالفارسية (المصدر نفسه ص 253). واستمر الطوسي في خدمة المغول في عهد السلطان (أباقا خان) ابن هولاكو الذي اسند اليه امر التصرف بالمدارس وبالاوقاف الاسلامية حتي وفاته (المصدر نفسه ص 274 ـ 278).
ثم اقترنت ايران بأذهان العراقيين يوم ظهر الصفويون الذين غزوا العراق عدة مرات، ولولا تصدي العثمانيين لهم بقيادة بعض سلاطينهم (مثل سليمان القانوني ومراد الرابع)، لتمكنوا من ترسيخ الوجود الفارسي في العراق، وتكريسه اقليما ايرانيا. ومما زاد الأمر سوءا تنصل الصفويين والحكومات الايرانية التي اعقبتهم من عملية تثبيت الحدود العراقية ـ الايرانية علي الارض والامتناع عن القفز فوقها والتوغل في التراب العراقي، كلما سنحت الفرصة.
وهكذا فان هناك العديد من المبررات لخوف الخائفين من تدخل ايران في الشؤون العراقية، وسعيها لإلحاق العراق كولاية من ولاياتها. ثم ان سياسة الحكومات الايرانية تجاه عرب (عربستان ـ خوزستان) في مختلف العهود تبرر قلق العراقيين. وآمل ان تتاح لي الفرصة لتناول هذا الموضوع استكمالا لمقالي هذا. في الحقيقة لقد ارتبطت ايران في اذهان العراقيين بالمخاوف، لان غزو العراق منذ اقدم العصور كان مصدره الاراضي الايرانية. ولا يستثني من ذلك سوي حادثتين، هما حملة الاسكندر المقدوني التي جاءت من الشمال، والحملة البريطانية في الحرب العالمية الاولي الواردة من الجنوب (هذا اذا استثنينا العدوان الثلاثيني سنة 1991، والعدوان الراهن الذي بدأ سنة 2003). وقد نشأت لدي العراقيين حساسية تجاه كل ما هو وارد من الشرق، حتي ان العواصف الرملية الشديدة التي تهب علي العراق وتغمره بسحاب من الرمال الحمراء ومصدرها الصحراء الواقعة الي الغرب، يسمونها (الهواء الشرجي ـ اي الشرقي)، والشرق منها بريء!!
وفي الختام اود ان اؤكد ما سبق تأكيده من ان مصلحة العراق (بل والعرب عامة)، كما هو من مصلحة ايران ان تقوم بين الطرفين علاقات ود وتفاهم وتعاون، وهو ما حرصت عليه الحكومات العراقية منذ نشأتها واستمرارها في العهد الملكي خاصة، وكذلك ينبغي اقامة علاقات مماثلة مع كل من تركيا وباكستان، فالمصالح بين جميع هذه الاقطار متشابكة، وتربطها جذور ممتدة في اعماق التاريخ، علاوة علي وحدة الدين والانتماء الجغرافي لمنطقة واحدة تتسم بوحدة استراتيجية. وان هذه الدول كلها يتهددها السقوط في الفخ الامريكي اذا لم تتحد كلمتها وتسد الطريق علي المتصيدين في الماء العكر.


القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق