هيئة علماء المسلمين في العراق

حركة التفافية فاشلة!.... كاظم محمد
حركة التفافية فاشلة!.... كاظم محمد حركة التفافية فاشلة!.... كاظم محمد

حركة التفافية فاشلة!.... كاظم محمد

لا اعتقد ان بعض القوى الدولية ستقع في الفخ الأميركي من اجتماع بغداد المقرر عقده في العاشر من هذا الشهر، رغم ترحيب اغلبية الذين سيحضرون بهذا الاجتماع. مع تعمق المأزق الأميركي في العراق، وزيادة الضغوط الدولية والداخلية على ادارة الحرب في واشنطن، وبسبب من الكوارث الانسانية والاجتماعية التي سببها غزو العراق واحتلاله، وما ترتب عليه من تعريض المنطقة والعالم لمخاطر جسيمة، ومع انسداد افق خيارات وبدائل هذه الادارة لمعالجة الوضع العراقي، إبتداءً بعمليتها السياسية وانتهاءً بخططها الأمنية المتوالية، فأن دعوات وأوامر الادارة الاميركية بعقد المؤتمرات الاقليمية لإضفاء الشرعية وتكريس حكومة المنطقة الخضراء وتسويقها عربيا وإقليميا، ولتحقيق انجازٍ معين، لم تنقطع طوال هذه السنين .

لقد دعت (الحكومة العراقية) كما يٌدعى الى عقد اجتماع دولي في بغداد، ستحضره دول الجوار زائدا مصر، إضافة الى اميركا ومسؤولين من الدول دائمة العضوية في مجلس الامن ومنظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية، وهدف الاجتماع هو استكشاف سبل مساعدة العراق للخروج من ازمته الراهنة، وقد لوحظ اصرار المسؤولين العراقيين ومعهم الاميركان على تسمية هذا الاجتماع بالمؤتمر الدولي حول العراق، والذي تمت مباركته من امين عام الامم المتحدة .


ان خلفيات هذه الدعوة لعقد مثل هكذا اجتماع في بغداد، ترتبط بشكل تام بالوضع الذي وجدت الادارة الاميركية نفسها فيه بعد سلسلة من الهزائم السياسية والعسكرية، وبعد ان بدا ان الضغوط والانتقادات الحادة التي تتعرض لها هذه الادارة داخليآ وخارجيا، بدأت تتسع وتحاصرها .

لقد حاولت ادارة بوش اهمال وتجاوز مقترحات بيكر-هاملتون، كخارطة طريق للخروج الاميركي المشرف من العراق، وفعل عكسها، برفض الحوار مع سورية وايران وزيادة عديد قواتها بأكثر من 20000 عسكري اميركي، واعلانها عن خطة امنية جديدة، بنت عليها آمالا واسعة كما يبدو .

ان الاسابيع الماضية، وخاصة بعد طرح توصيات بيكر- هاملتون، ترافقت مع سعي الديمقراطيين المحدود داخل الكونغرس الاميركي لتقيد حركة بوش العسكرية وتشكيل ضغط سياسي على توجهاته في العراق، بما يخدم المصالح الجوهرية والاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة والعالم، وترافق ذلك مع تصعيدا دوليا صريحا وواضحا ضد سياسات بوش وفريقه الحاكم، فقد ابدت فرنسا وروسيا واليابان مواقف سياسية تعبر عن عدم القبول بنهج هذه الادارة، داعية بنفس الوقت الى انسحاب اميركي من العراق، وكان ابرز هذه المواقف هو الموقف الروسي الاخير في ميونخ والذي شن فيه الرئيس الروسي هجومه على السياسة الاميركية ونهجها .

لقد سبق لروسيا وفرنسا ودول اخرى، ان دعت الى خروج القوات الاميركية من العراق، وكذلك ارفقت دعوتها بضرورة عقد مؤتمرٍ دولي لحل المسألة العراقية وتحت اشرافٍ أممي، وكذلك فأن العديد من أعمدة السياسة المتقاعدين، والذين يمتلكون تأثيرا في الحياة الفكرية والسياسة الاميركية، عبروا عن رأيهم بهذه الادارة ونظرتهم للخروج من هذا المأزق المتفاقم، الذي يؤشر لهزيمة استراتيجية اميركية ونهاية للنفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، اذا ما استمرت هذه الادارة بسياساتها المعروفة .


ففي مقالته المنشورة في صحيفة (الهيرالد تريبيون الدولية) قال كسينجر "ان القوة العسكرية لا يمكن ان تحقق الاستقرار في العراق، وهذا يتحقق بالحوار البناء فقط. ودعى الى عقد مؤتمر دولي حول العراق تشارك فيه الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن، والدول المجاورة والدول الاسلامية الكبرى، ويكون هذا المؤتمر الاطار الضروري للحوار مع ايران وسورية". ووصف كسينجر سلوك بلاده في العراق " بالأرعن".


وفي نفس السياق قالت اولبرايت "بان العراق اسوأ كارثة في السياسة الخارجية الاميركية، وان المؤتمر الدولي اصبح ضروريأ لحل النزاع".

اما بريجينسكي، مستشار الامن القومي الاسبق فكان من اوائل المنتقدين لسياسة بوش في العراق، ومن الداعين لتعاون دولي حول العراق .


من المعروف ان المؤتمرات الدولية، وخاصة تلك التي تعقد لمعالجة ازمة دولية او اقليمية مستعصية، تجري الدعوة لها، بعد ان تكون الاطراف الدولية المؤثرة قد توصلت الى قناعة بان حل هذه المعضلة بات من الصعوبة في مكان، ان تضطلع بها جهة واحدة او دولة واحدة، وان الاتفاق على عقد هذا المؤتمر يتم وفق ضوابط وشروط تجد مقوماتها في القانون الدولي الذي تتبناه هيئة الامم المتحدة، وتشرف على تطبيقه، وان للدول والجهات المشاركة نفس المستوى في تحمل مسؤولية النقاش والقرار، وان هذه القرارت ملزمة التطبيق والتوثيق عند الهيئة الدولية (منظمة الامم المتحدة)، ولذلك نشهد بأن اسرائيل وعلى مدى عقود ترفض المؤتمرات الدولية حول القضية الفلسطينية، وتفضل خيارات التفاوض الثنائي وباشراف اميركي احادي الجانب.

فبأي خانةِ يصنف الاجتماع القادم في بغداد؟ فإذا عدنا قليلا الى الوراء، نلاحظ ان اطراف حكومة الاحتلال في بغداد وخاصة المجلس الاعلى والحزبين الكرديين وحزب الدعوة، كانوا يرفضون وبشدة مسألة عقد مؤتمر دولي حول العراق وبإشراف الامم المتحدة، حيث وكما هي مبررات رفض اسرائيل بعقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية، ولخشيتها من المجتمع الدولي، فان هذه الاطراف ترفض وتخشى من عقد المؤتمر الدولي حول القضية العراقية، بتبرير ان ذلك يخل بسيادة العراق، وان في العراق حكومة (منتخبة) تستطيع ادارة ومعالجة شؤون بلدها، وان ادارة بوش قد تحصنت وراء هذا التبريرات للظفر بالكعكة العراقية غير منقوصة .

وبالتأكيد فان هذه الاطراف العراقية تنطلق من مصالحها ومكاسبها ومغانمها التي حصلت عليها نتيجة لأصطفافها مع الاحتلال وتمكينها من ان تلعب دورا سلطويا لا يخرج عن الترسيم السياسي للمحتل ومصالحه واهدافه .

واليوم إذ تدعي هذه الاطراف عبر حكومتها، بأنها تدعو لمؤتمرٍ دولي، فإنها تكشف تناقضها وتؤكد انصياعها وتوافقها مع الداعي الحقيقي لهذا الاجتماع واهدافه المطلوبة .

ان ادارة البوش الداعية لهذا الاجتماع في بغداد، تحاول التناغم والظهور بمظهر المستجيب لمقترحات وتوصيات بيكر-هاملتون، ودعوات النخب الفكرية والسياسية الاميركية المعارضة لنهج بوش في السياسة الدولية لتقلص الضغوط التي تتعرض لها، وتهدف بنفس الوقت للألتفاف على الدعوات الدولية بجدولة الانسحاب لاميركي وعقد مؤتمر دولي حقيقي بأشراف الامم المتحدة، ينظم عملية الانسحاب ويساعد في تشكيل حكومة عراقية مؤقتة تساعدها قوات اممية لحفظ النظام حتى يتسنى اعادة تشكيل الجيش العراقي وقوى الامن، للتمهيد لأجراء انتخابات وباشراف دولي تسمح بقيام حكومة دائمية، تستطيع النهوض بمهمات البناء والتفاوض على الحقوق القانونية والاعتبارية للشعب العراقي مع الدول المحتلة والدول التي ساعدت على احتلال العراق .

ان (المؤتمر الدولي) اصبح خيارا، تريده اميركا بمواصفات واطر سياسية محددة، تبغي ادارة بوش من خلاله التغيير وتأمل في انجازٍ ينبع من نفس مستنقع عمليتها السياسية، يتوائم مع نسق توجهها الاساسي في الاحتفاظ بالعراق كمحمية سياسية ونفطية، ويسهل عليها (تدويل ) نتائج وتداعيات احتلالها، ومشاركة وتحميل وتوزيع مسؤولية الجرائم الكبرى التي تقترف بحق الشعب العراقي بسبب هذا الاحتلال على دولٍ اخرى، والإفلات من الالتزامات القانونية ومطالبها اللاحقة.


وبذلك فهي لا تريد من دول العالم المشاركة وتحمل المسؤولية في ايجاد الحلول الحقيقة للقضية العراقية، على اساس من عدم الفصل بين موضوعة الاحتلال وعدم شرعيته وقانونية كل ما نتج عنه، وواقع الأزمة الطاحنة التي يعيشها العراق، بل ان ادارة بوش وتوابعها من العراقيين، تريد جر القوى الدولية النافذة الى معادلة جديدة ترمي الى الخروج بموقف موحد لدعم العملية السياسية والتغيرات المقبلة، التي ستولد من نفس رحمها، والتي يرسم لها بعناية مع بعض القوىالعراقية المتخادمة معها.

لذلك، وبالترافق مع (مؤتمرها الدولي) فأن ادارة الاحتلال بدأت بدعم وتنسيق الجهود مع بعض اطراف ( العملية السياسية)، وبشكل خاص حركة الوفاق الوطني بقيادة علاوي وتوابعها من مجموعة حميد مجيد ومجموعة الباججي، اضافة الى بعض الاطراف الشيعية، والتي بدأت تدرك بأن عناصر الوضع العراقي في طريقها للخروج عن السيطرة، والذي دفعها للبحث عن صيغ جديدة لتحالفات، تنأى بنفسها عن بعض نتائج (العملية السياسية ) وطائفية حكومتها، واتخاذها لمسميات جديدة، تأمل في الاتفاق مع جبهة التوافق والحزبين الكرديين، في احداث التغيير السلمي لسلطة المالكي واطرافها الطائفية، والذي سيخدم بلا شك الرغبة الاميركية في تقليص النفوذ الايراني، ويسهل الانسيابية في التفاهمات اللاحقة مع الوجوه الجديدة القديمة .

لا اعتقد ان بعض القوى الدولية ستقع في الفخ الأميركي من اجتماع بغداد المقرر عقده في العاشر من هذا الشهر، رغم ترحيب اغلبية الذين سيحضرون بهذا الاجتماع، فقد استبقت روسيا وفرنسا الاجتماع المقبل بالدعوة الى انسحاب اميركي من العراق، وجاء هذا على لسان وزيري خارجية البلدين قبل ايام قليلة، اما بعض الدول الاخرى فقد ربطت نجاح الاجتماع بتوفر النوايا الصادقة بالمصالحة الداخلية وتجاوز الطائفية، وبهذا الصدد كان تعليق نائب الرئيس السوري فاروق الشرع متميزا باعلانه موافقة بلاده على حضور الاجتماع، حيث قال " ان الكثير من نتائج المؤتمر يتوقف على ما تفكر به الادارة الاميركية، واضاف بأننا نقف الى مسافة واحدة من كل الاطراف العراقية "، وبهذا يكون الشرع قد أجمل طبيعة الدعوة وحدد اصحابها الحقيقين وغاياتهم ومدى الاستعداد للتعاون معهم، والذي يفترض ان يفتح بدوره ملفات اقليمية اخرى .

وتقول ايران انها لازالت تدرس الدعوى التي وصلتها بواسطة طرف ثالث، لمباحثات ايرانية اميركية حول الوضع الامني في العراق، وانها ستحضر اجتماع بغداد اذا كان فيه فائدة للعراق، ورغم التمنع الظاهري لأيران فانها ليس فقط ستحضر الاجتماع القادم، بل ستكون نشطةُ في استغلال هذا اللقاء لتعزيز دورها ولعب اوراقها المتاحة عراقيآ في مفاوضاتها القادمة مع الادارة الاميركية .

ان المبالغة المقصودة بالدور المقرر لسورية وايران في حل المعضلة العراقية وانهاء حالة العنف، هي كذبة اخرى، تغطي بها ادارة بوش على جوهرالمشكلة العراقية والمتمثل في الاحتلال، الذي اشاع الفوضى والتحاصص العرقي والطائفي واشعل وشجع الفتنة السياسية والاجتماعية، وكرس الارهاب اليومي بافضع صوره، وضرب اسس السلم الاهلي والوحدة الوطنية . وهوبنفس الوقت تعمية مقصودة لحركة الرفض الشعبية للاحتلال وللمقاومة العراقية الباسلة التي اوصلت المحتل الى مأزقه الحالي .

لذلك فأن مدخل التسوية في العراق، لصالح شعبه وقواه المقاومة والمناهضة لا يمرعبر المفاوضات الاميركية مع سورية وايران، كما يدعي تقرير بيكر –هاملتون، وهنري كسينجر في مقالته الاخيرة، بل غايته ان تتعاون هذه البلدان وتنسق مع قوى الاحتلال لضرب وتحييد حركة الرفض الشعبي والمقاومة المسلحة الموجهة ضد الاحتلال والمتعاونين معه، لتسوية الاوضاع لصالح اعادة الانتشارالسياسي والعسكري، والذي يوفر مخرجا اميركيا مشرفا، يحافظ من خلاله على جوهر المصالح الاميركية في العراق والمنطقة .

ان اجتماع بغداد القادم، او كما تسميه حكومة الاحتلال (المؤتمر الدولي) مصيره الفشل الأكيد اذا فصل بين مشكلة الاحتلال ونتائجه السياسية والاجتماعية وبين واقع الطحن اليومي الذي يعانيه الشعب العراقي، وهو مفيدٌ بقدر ما يفضح ادارة بوش وحكومته في بغداد لحركتهم المكشوفة في الألتفاف على الدعوات الصادقة لعقد مؤتمر دولي حقيقي وبأشراف اممي، يخلص العراق وشعبه من كوارث يومية .


ميدل ايست اونلاين

المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط

أضف تعليق