ولابد من التذكر قبل الاستطراد في ذكر المحنة. . إن العراق عندما كان في سبعينات القرن الماضي واحة أمن وبركة، لم يكن فيه من يتضايق من وجود خمسة ملايين مصري ولا ملايين من السودانيين والأردنيين والفلسطينيين وعرب آخرين.
من يتابع شؤون العراقيين الذين اضطرتهم ظروفهم إلى مغادرة ديارهم العراقية نحو ديارهم العربية يجد عجباً. . فثمة حملة مثيرة مقززة ضد وجود هؤلاء الذين سيستمر نزوحهم الذي بدأ واضحا ملموسا منذ العام 1991 عقب الجهود الأمريكية الهادفة إلى منع لقمة الغذاء وحبة الدواء من الوصول إلى العراقيين عقابا لهم على وطنيتهم وعروبتهم المتأججة، وحتى ظهور القتل البيني الذي تمنت أمريكا حصوله منذ قرابة عقدين فحققته عقب الغزو وجعلته واقعا مأساويا يكتوي كل عراقي بناره.
ومنذ ذلك الحين سافر بعضهم على متن مراكب شراعية استهلكت أعمارها، يحوزها ويقودها من يجوز وصفهم بقراصنة العصر، في رحلات لا هدف لها، فوجد قسم من هذا البعض مكانا للإقامة المجانية في قيعان البحار والمحيطات في واحدة من أمر كوارث الزمان.
ولابد من التذكر قبل الاستطراد في ذكر المحنة. . إن العراق عندما كان في سبعينات القرن الماضي واحة أمن وبركة، لم يكن فيه من يتضايق من وجود خمسة ملايين مصري ولا ملايين من السودانيين والأردنيين والفلسطينيين وعرب آخرين، بل سعى لإنشاء قرى زراعية تجلب عشرات الألوف من الأسر الفلاحية المغربية وغيرهم، كل هذا الاهتمام ودول عربية أخرى كانت وما تزال تفضل العمالة القادمة من شرق آسيا مفضلة إياها على بني قومها.
وإزاء هذا الحشد العربي الضخم التي كانت بلاد الرافدين تزهو وتفخر به، كانت التشريعات الرسمية والعرفية في بلادنا تجعل العربي القادم صاحب الدار، ونحن العراقيين ضيوفاً، والويل للعراقي الذي تُرفع ضده قضية قضائية من قبل وافد مصري مثلا، فالعراقي الخاسر على الأغلب الأعم حتى ولو كان هو صاحب الحق، فهكذا تقتضي أعراف الضيافة العراقية والتشريعات الوضعية ذات الحس القومي، ناهيك عن عوامل العيب التي كان المجتمع العراقي يصبها على رأس ذلك العراقي الذي يُظَن أنه لم يحسن معاملة الضيوف. وما زال الكثير من الأخوة المصريين يعترفون أن(لحم كتافهم من خير العراق)لذا فإنهم يقفون إلى جانب كل عراقي تقطعت به السبل وتطلع إلى عون في بلد الكنانة، فهم ينصرونه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
اليوم وقد تغيرت الظروف وصار العراقي يهرع إلى مدن الأشقاء ليحتمي بهم من رمضاء مدنه، فيجد نفسه في بعض أغلب الأحيان كالمستجير من الرمضاء بالنار. . وكانت تلك النار خامدة هامدة تحت رماد من الكتمان كثيف، إلى أن أججها الإعلام المغرض الموجَّه، ليُظْهِر أن هناك مشكلة عراقية في مدن العرب، وان لا تكافل عربي ولا أواصر أخوة ولا هم يحزنون.
لقد صور هذا الإعلام العراقيين في المدن العربية الشقيقة وكأنهم يخطفون اللقمة من أفواه الأولاد في تلك المدن، ويزاحمونهم على السكن، وربما على أسِرَّة النوم. . وتصاعدت الصيحات والنداءات الداعية الى إتخاذ إجراءات رسمية في كل الأقطار الشقيقة بدون استثناء تأمينا للحماية من التدفق العراقي. . والهدف هو حماية النسيج الاجتماعي والرفاه المعيشي لأبناء تلك الأقطار خوفا من الوافدين العراقيين . . فالعراقي حسب الصورة التي رسمها ذلك الإعلام، إما متسول مشرد يمارس الجريمة وما تتضمن من رذيلة، وإما ثري يتسبب بذخه وتبذيره في ارتفاع تكاليف الحياة في البلد المضيف. وفي كلا الحالين فهو مرفوض مرفوض مرفوض. . . يا وطني
الناس معادن، وتظهر طبيعة معادنهم عند الاختبار، ومع أن وجود العراقيين بين ظهرانيي أشقائهم ليس اختبارا بمعنى الكلمة، ولكن الجوقة المأجورة التي تريد أن تكرس الفرقة بين العرب جعلت منها محنة وإختبار أو ما يشبه ذلك. . حتى صار العراقي يتساءل:أليست كل:
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمنِ إلى مصر فتطوانِ
ثم ألم نكن يوم ذاك نقول:
فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان
المصيبة أن هذه الترنيمة التي كانت تميمة قومية مقدسة وجرعة تربية كريمة رضعناها ممزوجة بحليب الأمهات الطيبات، لم تكن وليدة أزمنة الشعارات والعنجهيات الفارغة التي أوصلتنا الى ما نحن فيه من سوء حال. . وإنما كانت وليدة عصور خَبِرَت العروبة الحقة فوجدتها ملجأنا الوحيد وحصننا المنيع. . فما بالنا اليوم نَعُدُّ كل ذلك الميراث الخالد وهما ًوسراباً يحاول البعض طرده من خيالاته ليحس بالراحة. . ولا نريد أن نقول:
تنبهوا و استفيقوا أيها العرب فقد طغا الخطب حتى غاصت الركب
هل كان ذلك كله وما يترتب عليه من فرقة وتنافر ومآس، حصل لكي لا نبدوا من دعاة الشعارات والتأجيج وإثارة الكراهية واللاسامية؟ فالمحكمة الجنائية الدولية بالمرصاد لكل من يُتهم بمثل هذه التهم حمانا الله وإياكم من شرورها وشرور أنفسنا.
ميدل ايست اونلاين
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
العراقي في محنته: ألم تعد بلاد العُرب أوطاني؟! ... حسن عبيد عيسى
