هيئة علماء المسلمين في العراق

جدولة الانسحاب البريطاني تعزل بوش-توفيق المديني
جدولة الانسحاب البريطاني تعزل بوش-توفيق المديني جدولة الانسحاب البريطاني تعزل بوش-توفيق المديني

جدولة الانسحاب البريطاني تعزل بوش-توفيق المديني

أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يوم الاربعاء 21 فبراير/شباط الماضي عن المرحلة الأولى من جدولة انسحاب القوات البريطانية من بلاد الرافدين. وبموجب هذا القرار سينسحب 1600 جندي من أصل 7200 جندي بريطاني متمركزين في العراق خلال الأسابيع المقبلة. وسيتبعه انسحاب ثان يعادل الأول في عدد الجنود حتى نهاية السنة الحالية. ويعتبر القرار البريطاني بالانسحاب من العراق، الأكثر أهمية، الذي لا يمكن للإدارة الأمريكية أن تتعامل معه بالتجاهل أو التهوين من أمره، كما فعلت في السابق، بشأن قرارات سابقة، مماثلة أو أبعد شأواً، اتخذتها إسبانيا عقب وصول خوسيه لويس ثاباتيرو إلى رئاسة حكومتها، أو إيطاليا بعد أن خلف اليساري رومانو برودي اليميني سيلفيو بيرلوسكوني.

ويُعد القرار البريطاني الأسوأ في توقيته السياسي والميداني للرئيس بوش، بوصفه تعبيرا قويا عن الإخفاق الذي منيت به سياسته العراقية، إضافة إلى حالة التأزم والانسداد الذي بلغته. فبلير الذي فضل حل الخلاص الفردي، هو آخر حليف كان يُتوقع منه أن “يخذل” الرئيس بوش.

وما أن أعلن بلير عن قراره، حتى سارع نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني الذي كان في زيارة لأستراليا الأسبوع الماضي، إلى القول: “إن واشنطن وحليفتها استراليا لا يمكنهما ببساطة الموافقة على فكرة الانسحاب من العراق قبل إنجاز المهمة، إن البلدان الحرة لا يمكنها تجاهل ما يحصل في بلدان مثل أفغانستان أو العراق أو في أي بؤرة أخرى للإرهابيين”. وأضاف: “الخيار الوحيد لأمننا وبقائنا هو الهجوم ومواجهة التهديد مباشرة وبصبر وبشكل منهجي حتى ندمر العدو”.

لا شك في أن قرار توني بلير بجدولة الانسحاب من العراق، يشكل سلاحا قويا للأغلبية الديمقراطية في الكونجرس، التي تخوض معركة قوية ضد سياسات البيت الأبيض العراقية، إذ يعد أعضاء ديمقراطيون بارزون في مجلس الشيوخ اقتراحا لبدء سحب القوات الأمريكية من خلال إعادة صياغة التفويض الذي منحه الكونجرس إلى القادة الميدانيين هناك بالإلتزام بالمهمة المقلصة. هذا الاقتراح تمت صياغته شراكة بين السيناتور الديمقراطي كارل ليفين رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ والسيناتور جوزيف بيدن رئيس لجنة العلاقات الخارجية فيه، وبمباركة زعيم الأغلبية الديمقراطية هاري ريد.

القرار البريطاني لم يكن مفاجئاً. فمنذ ثلاثة أشهر، كانت قيادات الجيوش البريطانية تضغط على بلير بتخفيض عدد القوات البريطانية في العراق، من أجل تعزيز تواجد القوات البريطانية المتمركزة في افغانستان البالغ تعدادها 5000 جندي، والتي تخوض منذ صيف 2006 حرباً ضروساً ضد حركة طالبان في جنوب شرق أفغانستان. ويبلغ مجموع القوات البريطانية العاملة في 15 بلدا حوالي 24000 جندي.

إضافة إلى ذلك، يشعر الجيش البريطاني بأن الرأي العام لا يدعمه في حربه على العراق، بعكس حربه في أفغانستان التي يعتبرها أكثر شرعية. فقد ازداد قلق الشارع البريطاني من موجة الإرهاب التي عادت تؤرق مضاجع المواطنين في الأسواق وأماكن العمل والمؤسسات الحكومية بعد أن ضربت مثنى وثلاث مواقع تزدحم بالعامة، ألم يسجل انفجار طرد بريدي في إدارة تراخيص سوق السيارات البريطانية (جنوب ويلز) يوم 7 فبراير/شباط ،2007 ثالث هجوم من نوعه خلال الشهر المذكور؟

أبعد من المبررات العسكرية، يشكل القرار البريطاني بالانسحاب الجزئي، في حد ذاته رسالة سياسية من بلير إلى مواطنيه مفادها: آن الآوان للقيام بانقلاب استراتيجي يسمح بعودة الجنود البريطانيين إلى البلد. حتى وإن أخذ هذا الانسحاب بضع سنوات، فإن الأهم هو أنه تجاوز نقطة اللاعودة. بهذه المبادرة، وقبل الدخول في السنة الخامسة من الحرب، تطغى الهموم السياسية الداخلية على تفكير بلير. إذ يخشى حزب العمال من التعرض لخسارة كبيرة في الانتخابات المحلية والإقليمية التي ستجرى في مايو/ايار المقبل، لا سيما في اسكتلندا.

وسجل خليفة بلير جولدون براون، حسب استطلاع للرأي نشر يوم الثلاثاء الماضي، أسوأ نتيجة تعرض لها زعيم حزب عمالي منذ ربع قرن. ويأمل بلير أن يسمح له الانسحاب الأول من العراق، بترك السلطة في أحسن الظروف، في نهاية يونيو/حزيران أو بداية يوليو/تموز المقبل.

إن أهمية القرار البريطاني تكمن في أنه وجه ضربة موجعة للاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على الانفرادية بقيادة العالم، باعتبارها حقا محفوظا لها، أو الأحادية القطبية التي شكلت منذ الحرب الأمريكية على العراق معضلة دولية، بل أصبحت عبئا ثقيلا على أمريكا ذاتها وعلى العالم، الأمر الذي جعل عدة دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، تطالب بالتخلي عنها لجهة العودة إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

لقد وصل نظام القطبية الأحادية إلى مأزقه المحتوم في معالجة قضايا العالم المعاصر ما بعد نهاية الحرب الباردة، تكشف عن ذلك الأزمة العراقية التي عرّت عجز استراتيجية بوش عن تحقيق الحسم العسكري، الذي بات من المستحيلات، وهو ما دفع روسيا وفرنسا إلى المطالبة بعقد مؤتمر دولي لحل الأزمة العراقية، بوصفه الحل الوحيد الممكن لمنع العراق من الغوص في الحرب الأهلية على طريق تقسيمه، وبالتالي بلقنة بلدان المنطقة. ولعل توني بلير اقتنع مؤخرا بعدم الركض وراء سراب الحسم العسكري في العراق، وهو ماجعله ينفضّ عن صديقه بوش ليتركه وحيدا معزولا في صحراء التيه العراقية.


- الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق