هيئة علماء المسلمين في العراق

القرضاوي: الرعيل الأول من الصحابة سجل لهم التاريخ مواقفهم بأحرف من نور
القرضاوي: الرعيل الأول من الصحابة سجل لهم التاريخ مواقفهم بأحرف من نور القرضاوي: الرعيل الأول من الصحابة سجل لهم التاريخ مواقفهم بأحرف من نور

القرضاوي: الرعيل الأول من الصحابة سجل لهم التاريخ مواقفهم بأحرف من نور

في سلسلة خطبه عن الصحابة الكرام، خاصة المبشرين بالجنة، كانت خطبة فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي للجمعة أمس بجامع عمر بن الخطاب، متحدثا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد اعتبره واحدا من تلاميذ المدرسة المحمدية، من الرعيل الاول من الذين بهم يقتدي فيهتدي ، من الذين اثنى عليهم القرآن في سوره، وأثنى عليهم الرسول في أحاديثه، وسجل لهم التاريخ بطولاتهم وروائع مواقفهم، بأحرف من نور وعدّد شمائله وصفاته، وما تولى من مهام في دولة الإسلام، وصلته بالصحابة ومن تولى أمرهم، وخياراته وحياته.
واختار فضيلته في خطبته الاولى صحابيا من الصحابة الكرام ومن ضمن العشرة المبشرين بالجنة. ومن الستة اصحاب الشورى الذين رشحوا للخلافة ومن السابقين الاولين من المهاجرين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن الذين شهدوا بدرا وقال الله في شأنهم «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وهو من الثابتين الذين شهدوا معركة أحد ولم يفروا منها ودافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الذين شهدوا معركة الخندق، غزوة الأحزاب وفتح مكة وهو الصحابي سعد بن أبي وقاص.

قال: اسم ابيه مالك وكنيته أبي وقاص «سعد بن أبي وقاص» أحد الذين سبقوا الى الإسلام حتى قال: ظللت مدة وأنا أرى نفسي ثلث الإسلام، كان لا يرى إلا الرسول وأبا بكر، لان الذين دخلوا الاسلام كانوا دخلوه سراً، ولم يكن بعضهم يعرف بعضا، أسلم وعمره سبع عشرة سنة، وهو قرشي زَهري، من بني زهرة، ومنهم آمنة بنت وهب أم رسول الله، فهم أخوال النبي، حمل العبء مع السابقين الاولين حتى قال لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله وما لنا طعام إلا ورق الشجر، وقت محاصرة قريش لهم.


أول من رمى بسهم

وأضاف: حينما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اول من رمى بسهم في سبيل الاسلام بعثه رسول الله في سرية تحت إمرة عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب، فهاجمهم المشركون فحماهم سعد بسهامه، وكان راميا هدافا، يرمي السهم فلا يكاد يخطئ، وشهد بدرا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود: شهدت بدرا انا وسعد وعمار بن ياسر، فجاء سعد بأسيرين ولم نجيء أنا وعمار بشيء، وشارك في أُحد، وكان من الذين حموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي ينفض جعبته «كنانته» كان يناوله السهام ويقول له: ارم فداك ابي وأمي يا سعد، وكان يقول أنا الذي جمع الرسول له أبوين، ولم يجمع ذلك لأحد إلا لسعد، وقد دعا الرسول له في أُحد وقال: اللهم استجب لسعد دعاءه، فكان مجاب الدعوة، لا يدعو دعوة إلا فتحت له أبواب السماء وإذا دعا على شخص انتظر المصيبة تنزل به.


في الخندق

وعن شهود سعد لغزوة الخندق قال فضيلته:

في غزوة الأحزاب التي جاءت فيها قريش وغطفان واحابيشهما تهاجم المدينة، تهاجم الرسول واصحابه في عقر دارهم، كان له بلاء حسن، وقد قال النبي في ليلة، وقد اصابه الأرق وطار منه النوم: يا ليت رجلا من اصحابي يحرسني الليلة، قالت عائشة فما كاد يقول هذا حتى سمعنا صوتا فقال من؟ فقال أنا سعد يا رسول الله، جئت لأحرسك الليلة فحرس الرسول، وسهر عليه.

وعن شدته قال:

قالوا الاشداء من الصحابة اربعة: عمر وعلي والزبير وسعد، أقوياء، وظهرت هذه في المشاهد والغزوات كلها، ففي غزوة الخندق ناوله الرسول سهما لا نصل له، فرمى به أحد المشركين في جبهته، فوقع على الأرض فانكشفت عورته، فضحك النبي حتى بدت نواجزه.. وتابع: وشهد فتح مكة مع رسول الله، وبعد الفتح اصابه مرض شديد، فعاده النبي فدعا له ووضع يده على صدره وقال: اللهم اشف سعدا، قال سعد في أواخر حياته، فوالله مازلت أجد برد يده عليه الصلاة والسلام على صدري حتى اليوم.

وحين دعا النبي صلى الله عليه وسلم قال له سعد: يا رسول الله اني رجل عندي مال كثير وليس لي إلا ابنة واحدة، وأنا اريد أن اوصي بمالي، أفأوصي بمالي كله يا رسول الله قال: لا، قال أفبالثلثين؟ قال: لا، قال: أفبالشطر «نصف» قال: لا، قال أفبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، انك إن تذر ورثتك اغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.. وكان هذا اصلا في تحديد الوصية بالثلث.. الإنسان يوصي في أواخر حياته بما شاء من ماله بعد موته في حدود الثلث، وألا يوصي لوارث لأن الورثة لهم نصيبهم الذي قدره الله في كتابه إلا ان يجيز ذلك بقية الورثة فهذا حقهم ثم قال سعد: يا رسول الله إني اخاف أن اموت هنا في مكة في أرض هاجرت منها، فلا يثبت لي ثواب الهجرة، فقال له يا سعد لعلك ان تبقى فينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون، اللهم امض لاصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، وبعدها عاش سعد حتى سنة 55 من الهجرة. أي بعد 45 من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورزقه الله عددا من البنين: عامرا وعمر ومصعبا، ودعا الله تعالى: اللهم أجل موتي حتى يكبر أولادي، فعاش سنين حتى كبروا.


من أهل الجنة

وأضاف: يروي عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهم جلساء معه: يطلع عليكم الآن رجل من اهل الجنة فما هي إلا لحظات حتى قدم من الباب الذي اشار اليه الرسول رجل فإذا هو سعد بن أبي وقاص، وفي غزوة أُحد قال: تلاقيت انا وعبدالله بن جحش فقال: تعال ندعو الله، «وعبدالله شقيق زينب بنت جحش أم المؤمنين زوج النبي» فدعا سعد فقال: اللهم إنا لاقو العدو غدا، فلقني عدوا شديدا بأسه شديدا حربه، يقاتلني وأقاتله، اللهم فارزقني الظفر عليه حتى آخذ سيفه وسلبه».

وقال عبدالله بن جحش: اللهم إنا لاقو العدو غدا، اللهم فلاقني عدوا شديدا حرده شديدا بأسه فأقاتله ويقتلني وأقاتله ويقاتلني فيقتلني ويجدع أنفي وأذني فألقاك يا رب فتقول فيم هذا يا عبدالله؟ فاقول يا رب فيك وفي رسولك، فتقول صدقت، وفي اليوم التالي لقي سعد عدو الله فقاتل وقتل وأخذ السلب والسيف من أعدائه، وقاتل عبدالله بن جحش وقتل، قال سعد: لقد رأيت انفه وأذنه وإنه لمعلق في خيط «في أُحد كان هناك تمثيل من المشركين بجثث المسلمين» فكانت دعوة عبدالله، كان اصدق مني في دعوته، طلب الجنة وطلبت النصر، وهي إحدى الحسنيين «هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين».. النصر حسنى والشهادة في سبيل الله حسنى كل منهما طلب إحدى الحسنيين.


عون للخلفاء

قال: بعد رسول الله عاش سعد مشيرا وعونا للخلفاء لابي بكر ولعمر حتى كانت حرب فارس انتصر المسلمون أولا في فارس ثم حدثت بعض المعارك: الجسر وغيرها.

قل ابوعبيدة الثقفي وأصيب المثنى بن حارثة البطل المعروف، واستشهد بعد ذلك من اثر جراحه وخاف المسلمون أن يذهب ما فتحوه من بلاد الفرس، وعزم عمر رضي الله عنه أن يذهب بنفسه ليقود الجيوش ويحارب الأكاسرة، وجيوشهم، ووافق الصحابة على ذلك إلا واحدا منهم هو عبدالرحمن بن عوف قال يا أمير المؤمنين لا أرى أن تذهب بنفسك فإذا كسرت أصابت المسلمين كسرة شديدة، ولكن تبقى هنا، لو كسر من كسر من المسلمين يأوي إليك ابعث أحد أصحابك، وهنا وافق عمر على ألا يذهب بنفسه، وذهب أحد اصحابه، فقال من ترشح يا عبدالرحمن، قال قد وجدته يا أمير المؤمنين، إنه الأسد في براثنه، إنه سعد بن أبي وقاص، قال أصبت، وأرسل سعدا لملاقاة الفرس في أعظم المعارك في إحدى المعارك الحاسمة في التاريخ الإسلامي، انها معركة القادسية التي فتحت الباب على مصراعيه بعد ذلك لفتح المدائن وجلولاء الذين يسمونه فتح الفتوح، وفتح المدن الأخرى نهاوند وغيرها.. ودانت بلاد الفرس للإسلام وذهب الأكاسرة، وذهبت عبادة النار وذهبت المجوسية وانتشرت لا إله إلا الله محمد رسول الله في بلاد فارس، وكان ذلك بفضل الله تعالى وبفضل سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأبطال المؤمنين.


في إمارة الكوفة

وذكر د. القرضاوي أن عمر ولاه إمارة الكوفة قال:

عمر رضي الله عنه في عهده خط مدينتين: البصرة والكوفة، وذهب إلى الصحابة ليسكنوا هاتين المدينتين، وأمر سعدا على أهل الكوفة وظل فيهم عدة سنين، ثم جاء من يشكوه إلى سيدنا عمر ويدعو عليه دعاوى باطلة، حتى قالوا إنه لا يحسن الصلاة فأرسل إليه عمر، فأرسل اليه يقول: يا أمير المؤمنين إني أصلي بهم صلاة رسول الله أطيل في الركعتين الاوليين، واخفف في الركعتين الآخريين، لا الوا أن أصلي بهم ما رأيت رسول الله يصلي، قال هذا هو الظن بك يا أبا إسحق.. ثم أرسل سيدنا عمر أناسا يسألون عنه أهل الكوفة، كان عمر يتحرى، هذا صاحب رسول الله، لكن من سياسة عمر أن يتحرى ويحاول أن يعرف كل شيء بنفسه، فأرسل رسلا يسألون الناس عن سعد حتى يرى هذه الشكوى: هي مكيدة أم حقيقية؟ قال فسألوا عنه الناس في كل مكان، والناس يثنون عليه خيرا، كما هو الظن بمثل هذا الصحابي، إلا رجلا من بني عبس يقال له أبو سعده، قال أما إذا ناشدتمونا بالله فإنه رجل لا يقضي بالسوية ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية وبلغ ذلك سعدا رضي الله عنه فقال: اللهم إن كان هذا الرجل كاذبا فاعم بصره وأطل عمره وعرضه للفتن، وفعلا: طال عمر الرجل وعمى وكان يمشي في السكك وهو أعمى وشيخ كبير يعاكس الإماء والفتيات في الطريق فيقول الناس له: أعمى وفي هذا العمر وتعاكس الإماء؟ فقال شيخ كبير مفتون: أصابته دعوة سعد بن أبي وقاص.

وروى فضيلته عن سعد أنه حينما اصيب عمر رضي الله عنه، ضربه أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله رشح عمر ستة من كبار الصحابة ليختاروا احدا منهم خليفة له، سموا الستة اصحاب الشورى كان منهم سعد بن أبي وقاص، لكن أربعة منهم تنازلوا عن هذا الترشيح: طلحة والزبير وسعد وعبدالرحمن بن عوف، عبدالرحمن عزل نفسه، وهؤلاء الثلاثة تنازلوا، وبقي التنافس بين عثمان وعلي.. كان سعد مرشحا للخلافة وهو أهل لها، وقال عمر إن اصابها سعد فبها، وإلا فليستعن به الخليفة من بعدي، فإني لم أعزله عن الكوفة من ضعف ولا خيانة فقد عزل عمر سعدا ورده عثمان بعد ذلك إلى إمارة الكوفة.

وذكر القرضاوي أنه حين ولي معاوية إمارة المؤمنين دخل عليه سعد يوما وسلم عليه لم يقل له يا أمير المؤمنين: السلام عليك يا معاوية، فقال لو شئت أن تقول غيرها لقلت، فقال: أنا من المؤمنين ونحن لم نؤمرك، والله لو عرض عليّ ما أنت فيه على أن اسفك قطرة دم مسلم ما فعلت.

الدوحة- الشرق

أضف تعليق