هيئة علماء المسلمين في العراق

على بريطانيا الاعتذار للعراقيين وتعويضهم ... محمد عارف
على بريطانيا الاعتذار للعراقيين وتعويضهم ... محمد عارف على بريطانيا الاعتذار للعراقيين وتعويضهم ... محمد عارف

على بريطانيا الاعتذار للعراقيين وتعويضهم ... محمد عارف

حكمة اليوم من البصرة: \"اضحكْ قبل ما تسمع النكتة\". وليس كأهل البصرة من يضحك قبل أن يسمع بنكتة إعلان بريطانيا سحب قواتها من مدينتهم. فالبصريون يتفرجون منذ شهور على عملية إخلاء البريطانيين قواعدهم في المدينة ونقلها إلى المطار، ويتساءلون ما إذا كان ذلك نذيراً بالهجوم الأميركي على إيران؟ فمفاتيح لندن في البصرة بيد طهران، والدخول بين الاثنتين كالدخول في بحر الظلمات. فكلتاهما ماهرة في استخدام أساليب "البازار" في السياسة، ولكلتيهما مؤسسة دينية بالغة السطوة والثراء. وقد تساعد على معرفة ما يجري في البصرة نصيحة بطل الروايات البوليسية شرلوك هولمز: "عندما تكون قد استبعدتَ المستحيلَ، فالباقي مهما كان لا يُصَدّقُ فإنه الحقيقة".
أول المستحيلات التي ينبغي استبعادها هو ادّعاء رئيس الوزراء البريطاني أنه سيبدأ هذا الشهر سحب قواته في جنوب العراق، لأن "الموقف مختلف تماماً في البصرة عن بغداد". في البصرة، كما يقول "لا يوجد مسلحون سُنة، أو مركز لجماعة القاعدة، وليس هناك سوى القليل من العنف الطائفي بين الشيعة والسُّنة".
إذا كان هذا صحيحاً فلماذا يسحب قواته من العراق، بدلاً من إعادة توجيهها إلى مناطق أخرى كبغداد مثلاً، حيث الحاجة إليها شديدة؟ يطرح هذا السؤال مايكل وليامز، رئيس "البرنامج الأطلسي" في "المعهد الملكي للقوات المسلحة المتحدة" في لندن. أسئلة خطيرة أخرى يطرحها المراقبون العسكريون عن توفير الحماية لطريق تموين القوات الأميركية من الكويت إلى بغداد، والذي يمر عبر محافظة البصرة، وعن الفراغ الذي يتركه الانسحاب البريطاني وتملؤه الجماعات المسلحة التي ستحول نشاطاتها من بغداد إلى الجنوب؟
توني بلير الذي يعتبره كثير من المعلقين البريطانيين "كذاباً بالسليقة"، جاهز للإجابة عن هذه الأسئلة بأجوبة من نوع: "ينبغي أن نكون فخورين جداً بما فعلنا". في يوم تصريحه هذا كان عدد قتلى الجيش البريطاني قد ارتفع إلى 132. واعتبر كلايف جونز، المحاضر في شؤون الشرق الأوسط في "جامعة ليدز"، تصريحات الزعيم البريطاني "نموذجاً كلاسيكياً للإعلان عن النصر من أجل الهروب".

وقارنت مارينا هايد، المعلقة السياسية في صحيفة "الغارديان" البريطانية، بين تجاهل بلير للفظائع التي تجري في العراق، وإنكار سعيد الصحاف، وزير الإعلام العراقي الأسبق دخول الدبابات الأميركية بغداد وهي في مدى النظر منه. "كلاهما كوميدي"، إلاّ أن الصحّاف أثبت أنه كان صادقاً في رأي مارينا هايد التي استعادت تصريحات مشهورة للصحاف أثارت في حينها موجة صاخبة من السخرية حول العالم: "لا تستعجلوا لأن خيبات أملكم ستكون هائلة". و"لن تحصدوا من هذه الحرب العدوانية التي تشنونها على العراق سوى اللعنة والهزيمة". و"سوف نستدرجهم، ونخدعهم، ونلقي بهم في المستنقع". و"لا يمكنهم محاصرة بلد يسكنه 26 مليون إنسان. المحاصِرون هم الذين سيجدون أنفسهم محاصَرين"!
انسحاب بريطانيا "بعد خراب البصرة"، كما يقول المثل العربي، لن يعفيها من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية عن غزو العراق. والبصرة موئل "الوطنية العراقية" منذ القِدم. وهذا ما سيفاجئ الغزاة والمتعاونين معهم الذين يعتقدون أن البصرة "شعلة الأمل" في إقامة نظام "كانتونات" يُقطع أوصال الدولة العراقية. ففي القرن الثامن للميلاد كان أبو عثمان الجاحظ، أشهر مفكري البصرة وعصر النهضة العربية الإسلامية، يفكر بما يسميه "العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء"، مستنتجاً "أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة. ومع الفطنة يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء".
واليوم يعترف تقرير "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أن "البصرة، التي كانت واحدة من أكثر مدن العراق ليبرالية وتحرراً من الأحقاد العرقية والمذهبية أصبحت قاعدة لجماعات إسلامية تستخدم ثروات النفط الهائلة في الجنوب لملء خزاناتها الحربية". وتحدث التقرير بلهجة حادة عن الأوضاع في جنوب العراق، حيث "تتعرض القواعد العسكرية البريطانية بانتظام لقصف مدافع الهاون، وتخوض يومياً معارك مسلحة ضد رجال المليشيات". وذكر التقرير أن "إقليم البصرة عانى أسوأ خسارة عانتها مناطق العراق منذ سقوط نظام صدّام حسين". بدلاً من أن تتحقق الوعود بأن تصبح "المنطقة مستقرةً متحدة يسودها القانون، وتحكمها حكومة تمثيلية، فإن جنوب العراق الآن مزعزع منشقٌ لا سلطة فيه للقانون، وخاضع لنظام لصوصي تتحكم فيه المليشيات". و"ليست هذه المليشيات خارج سيطرة الحكومة العراقية فقط، بل غالباً ما تكون خارج سيطرة زعمائها المفترضين في بغداد". فالموارد التي تحصل عليها من تهريب النفط تحقق لها "الاستقلالية الذاتية"، حسب تقرير "معهد واشنطن" الذي يذكر أن السيطرة في جنوب العراق بيد "عصابات مافيا سياسية إجرامية جيدة التسلح". ويمتد نفوذ هذه "المافيات" إلى قوات الجيش والشرطة العراقية التي دربتها قوات الاحتلال، لكنها لا تدين لها بالولاء.
ويلخص الوضع عنوان تقرير "الهزيمة البريطانية في العراق" الذي صدر من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في واشنطن. يذكر التقرير الذي أعدّه "أنتوني كوردسمان"، وهو من أبرز المحللين الأميركيين لشؤون العراق، أن "القوات المسلحة التي ساعدت بريطانيا على إنشائها في المنطقة ليست سوى امتداد للسيطرة الشيعية بوسائل أخرى". ويذكر كروسمان أن بريطانيا فقدت السيطرة على البصرة وضواحيها في النصف الثاني من عام 2005. وهذا غير صحيح في تقديري. لقد فقدت بريطانيا أي فرصة للسيطرة على البصرة يوم غزت البصرة. يدرك ذلك الدبلوماسي السابق "روي ستيوارت" الذي عيّنته وزارة الخارجية البريطانية معاون حاكم للاحتلال في محافظتي "ميسان" و"ذي قار" في عامي 2003- 2004. يذكر ستيوارت في كتابه المنشور بالإنجليزية بعنوان "مخاطر الاحتلال" أن "جنوب العراق كان تحت احتلال التحالف لكنه لم يكن تحت سيطرة التحالف". ويعترف بأن "معظم سكان الجنوب يعتقدون بأن الاحتلال غير شرعي"، ويشكو من عدم ثقة العراقيين بالمحتلين وإحجامهم عن العمل معهم، ويذكر كيف أدى رفض العراقيين التعاون مع الاحتلال إلى فشل مشاريع كلّفت مليارات الدولارات. ويبلغ عمق كراهية العراقيين للمحتلين أنهم يفضلون عليهم "الحكام الجدد" على رغم ذعرهم من أن "كثيراً من هؤلاء قضى عشرين سنة في العمل كعملاء سريين لإيران، ولا يملكون ثقافة ما خارج مدارسهم الدينية".
هذه هي الحقيقة التي بقيت في يد لندن بعد أن جرّبت المستحيل في احتلال العراق. وكل ما تفعله الآن هو التواطؤ مع واشنطن في الالتفاف على الحقيقة. وهل هناك التفاف أكثر التواءً من إعدام رئيس دولة عضو ومؤسس للأمم المتحدة، من دون إتاحة الفرصة للعراقيين وللعالم لسماع جزء واحد من المليون من شهادته عن أطول فترة حكم في تاريخ العراق؟ ينبغي على بريطانيا الاعتذار للعراقيين، وتعويضهم عن العذابات التي سببتها لهم، إذا أرادت أن تسترد مكانتها كبلد متحضر. هنا لا يمكن قطُّ القيام باستثناءات، كما يقول شرلوك هولمز: "فالاستثناء ينقض القاعدة".

الاتحاد الاماراتية

المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط

أضف تعليق