ليس من شك في أن الحرب الأمريكية على العراق وغزوه واحتلاله ،2003 هي أضخم الحروب العسكرية في التاريخ المعاصر (منذ الحرب الأمريكية على فيتنام وسنوات الستينات والنصف الأول من السبعينات) في الحجم والضراوة والمدى والنتائج
؛ وهي أضخم حدث سياسي في الحقبة نفسها منذ انفراط “المعسكر الاشتراكي” وانهيار الاتحاد السوفييتي. فقد ترتبت عليها نتائج بالغة الأهمية والخطورة على صعيد العلاقات الدولية، إذ بمقدار ما أطلقت يد الولايات المتحدة النزعة الانفرادية في السياسة الدولية، بمقدار ما أدخلت السياسة الأمريكية في نفق التناقضات القاتلة التي قادتها إليها نزعة القوة العمياء تلك، وفي صدام صامت أو جهير مع قوى دولية أخرى أصابها من تلك السياسة كبير ضرر.
لقد شهدت العلاقات الأمريكية الأوروبية مثلاً حالات من التّلَبُّد والتعكير والتأزُّم بنتيجة إقدام إدارة بوش على خوض الحرب على العراق وصولاً بها (بالحرب) إلى غزوه واحتلاله. حتى في عزّ الخلاف السياسي على المسألة البوسنية، ونزوع واشنطن إلى الانفراد بإدارة الأزمة والحل، واختطافها التسوية من مفاوضات الضواحي الباريسية إلى “اتفاق دايتون”، كان في وسع تلك العلاقات تصحيح عثراتها سريعاً وإعادة بناء التفاهم الأمريكي الأوروبي على معظم قضايا العالم، بل والذهاب المشترك إلى حربين جديدتين تحت مظلة “منظمة حلف شمال الأطلسي ومباركة دولية، على نحو ما حصل في الحرب على يوغسلافيا (= صربيا) وعلى نظام سلوبودان ميلوسوفيتش، وفي الحرب على أفغانستان ونظام طالبان بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.
اختلف الأمر مع حرب العراق وغزوه. انهار التفاهم وذهب كل إلى خياره: أمريكا إلى القتل وأوروبا إلى النَّأي بنفسها عن الجريمة. وبين غزو العراق واحتلاله واللحظة الراهنة، جرّب الأمريكيون والأوروبيون رأب الصدع وإعادة بناء التفاهم أو التقليص من مساحة الاختلاف، وجرت محاولات عدة لاستعادة الثقة المتبادلة التي تصدّعت تماماً في ربيع العام 2003 مع غزو العراق واحتلاله، غير أن ذلك كله ما كان كافياً لطمأنة الأوروبيين إلى “شراكتهم” مع الأمريكيين في إدارة شؤون العالم على مقتضى المصالح المتوازنة. لقد بَدَتِ الولايات المتحدة في عيون الفرنسيين والألمان ومن ورائهم الروس في منتهى الصّلف والغطرسة واللامبالاة تجاه “حلفائها” ومواقفهم ومصالحهم، فيما بدا هؤلاء في عين إدارتها الحاكمة عديمي الفائدة وشديدي الثرثرة وسلبيين تماماً في مواجهة “الاستحقاقات” الأمنية الدولية الكبرى: الحرب على “الإرهاب” وعلى أسلحة الدمار الشامل لدى دول “محور الشر”.
عُوملت أوروبا وروسيا بكثير من الاحتقار الأمريكي قبيل الحرب وأثناءها وبعدها. لم تلْقِ إدارة بوش بالاً لمواقف هذه الدول في شأن خطير يتعلق بالأمن والسلام في العالم بحجم الحرب على العراق. ارتفع معدل الاحتقار أكثر حين رفض الأوروبيون والروس بشجاعة سياسية أو أدبية مجاراة الأمريكيين وتمكينهم من قرار دولي (من مجلس الأمن) يجيز، تحت الفصل السابع، استعمال القوة ضد العراق على مثال القرار ،678 الذي بَصَمَ عليه مندوبو فرانسوا ميتران وهيلموت كول وميخائيل جورباتشوف، واستعملته إدارة بوش لتدمير العراق في حرب الخليج الثانية (27 يناير/كانون الثاني 26 فبراير/شباط 1991). أصبح العقاب مضاعفاً في هذه الحال: لم يَعُدْ يكفي إدارة بوش رمي مواقف فرنسا وألمانيا وروسيا حول عدم شرعية الحرب في القمامة والذهاب إليها من دون تلك الدول، بل باتت (إدارة بوش) معنية بترجمة موقفها إلى إيذاء مباشر ل”الحلفاء”! إيذاء يبدأ من الحرب الاقتصادية الجزئية (التحريض على الأجبان والنبيذ من صنع فرنسي وعلى استيرادها) و”ينتهي” بحرب سياسية على روسيا (دعم التغيير السياسي المعادي لها في جوارها الجورجي والأوكراني).
ادعت الولايات المتحدة، في عهد محافظيها الجدد وإدارتهم الراهنة، بأنها خُذلت في الأوروبيين بالمواقف التي التزموها ضد سياستها حول العراق ونظام الرئيس الراحل صدام حسين، والتي أتت تمثل في نظرها شكلاً من نكران الجميل لما قامت به أمريكا تجاه أوروبا، مذكرة هذه الأخيرة بمحنتها مع النازية الهتلرية في أربعينات القرن الماضي وبالدور الأمريكي في تحرير أوروبا (فرنسا وألمانيا على نحو خاص) من النازية. يعرف الأوروبيون أن العبء الأكبر في معركة تحرير أوروبا من النازية إنما وَقَعَ على السوفييت وجيشهم الأحمر وشعبهم (أزيد من عشرين مليون قتيل) وليس على أمريكا التي لم تتدخل إلا في اللحظات الأخيرة بعد إرهاق السوفييت للجيش النازي، لكنهم يعرفون أكثر أنهم وقفوا مع الولايات المتحدة دون تحفظ في محنة 11 سبتمبر/أيلول ،2001 وخاضوا معها الحرب ضد “الإرهاب” متناسين تماماً أنها لم تكن معنيّة بما أصابهم من “إرهاب ثوري” في سنوات السبعينات والثمانينات مع جماعات مسلحة مثل “الألوية الحمراء” و”بادر ماينهوف” و”العمل المباشر” و”إيتا” وعمليات كارلوس و”الجماعة الإسلامية المسلحة” وغيرها.
تحاول أمريكا وأوروبا اليوم امتصاص ذيول الصدام السياسي بينهما بمناسبة النازلة العراقية. لكن المحاولة تلك إذ تصطدم بثقل موروث الخلاف الاستراتيجي بينهما في مسألة كبيرة بحجم الحرب على العراق واحتلاله، يزيدها أواراً ومأزقاً إمعان إدارة بوش في السياسة عينها التي قادت إلى ذلك الصدام قبل سنوات أربع: رفض الانسحاب من العراق .
واع
العراق في الجُرح الأمريكي - الأوروبي الذي لم يندمل ... د. عبدالإله بلقزيز
