هيئة علماء المسلمين في العراق

بوادر الهزيمة في الأفق ....... د. فوزي الأسمر
بوادر الهزيمة في الأفق ....... د. فوزي الأسمر  بوادر الهزيمة في الأفق ....... د. فوزي الأسمر

بوادر الهزيمة في الأفق ....... د. فوزي الأسمر

القرار الذي اتخذته حكومة توني بلير قبل أيام بعزمها على بدء سحب قواتها من العراق، لم يأت من فراغ، ولم يأت لأن بلير حقق الأهداف التي حملته على التعلق بالموقف الأمريكي وقبول المشاركة في غزو العراق. لقد جاء هذا القرار بسبب الواقع على أرض العراق، وبسبب المقاومة العراقية الباسلة ضد الاحتلال، والخسائر التي لحقت، ولا تزال تلحق بالغزاة، وجراء المعارضة الشعبية والدولية لهذا الغزو.
بمعنى آخر، فإن فشل العدوان على العراق أخذ يتجسد أكثر فأكثر الآن، رغم كل المحاولات المستمية التي تقوم بها إدارة بوش، ومن يدعمها من المحافظين الجدد، لكي يبدو أنهم ينتصرون في العراق.
فالقرار البريطاني هذا يأتي في أعقاب الهزيمة النكراء التي لحقت بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية قبل أشهر، حيث خسر الأغلبية التي كانت له في مجلسي الشيوخ والنواب، وبدأ الانقسام واضحاً في صفوف قيادة هذا الحزب بالنسبة للحرب في العراق.
كما يأتي بسبب موقف حزب العمال البريطاني من هذه الحرب، لدرجة أن رئيس البرلمان، جاك سيترو، الذي كان وزيراً للخارجية إبان العدوان على العراق صرح بأنه “في الوقت المناسب يتحتم على بريطانيا أن تحقق بأسباب حرب العراق، ويجب التحقيق مع الجميع بمن فيهم رئيس الوزراء بلير، وأنا نفسي على استعداد لذلك”.
صحيح أنه سبقت بريطانيا دول أخرى سحبت قواتها أو بعضا منها من العراق، أهمها كانت إسبانيا التي شاركت في وضع العراقيل أمام منع العدوان خصوصاً في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أن قرار بريطانيا له وقع خاص.
فبلير كان شريكاً، وليس فقط مؤيداً، كان مخططاً وليس موافقاً فقط، وها هو يعترف ضمناً بهزيمته، الشيء الذي ينعكس سلباً على جورج بوش والمحافظين الجدد والمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه الذي يعترف فيه بلير ضمناً بهزيمته في العراق، تستمر إدارة بوش بالغطرسة المعهودة، مدعية أن الأمور في العراق تسير على ما يرام، وأن الخطة الأمنية التي وضعها بوش لبغداد تتحقق بنجاح، على الرغم من سقوط تسع مروحيات خلال أقل من شهرين، على أيدي المقاومة العراقية، وعلى الرغم من عدد القتلى المتزايد من الجنود الأمريكيين والتفجيرات المستمرة في الشوارع والأسواق العامة.
وفي الوقت الذي تظهر فيه كل استطلاعات الرأي العام الأمريكية أن أغلبية الشعب الأمريكي مناهضة للحرب، وتطالب بإعادة ابنائها من الوحول العراقية التي أدخلهم فيها جورج بوش، يقول نائبه ديك تشيني في كلمة ألقاها أمام مجموعة من الجنود الأمريكيين، خلال زيارته الخاطفة إلى جزيرة غوام الأمريكية في المحيط الهادي، وهو في طريقه إلى استراليا “إن الشعب الأمريكي لن يدعم سياسة الانسحاب من العراق”، فهل يعيش تشيني في كوكب آخر؟
وحاولت الإدارة الأمريكية التخفيف من حدة القرار البريطاني، عن طريق تصريحات تعتبر استخفافاً بعقلية الشعب الأمريكي، فقد فسر تشيني قرار بلير بأنه “تأكيد على أن الأمور تجري بشكل جيد في بعض مناطق العراق”.
وقد أثنى على ذلك بيان صدر عن مكتب نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، يقول إن “خفض القوات البريطانية جاء منسجماً مع توجه الحكومة في تولي مسؤولية الأمن في المحافظة مع بقاء الحاجة إلى مساعدة القوات البريطانية في الأوقات الضرورية”. بمعنى أن المالكي يريد أن يأكل الكعكة ويحتفظ بها في الوقت نفسه.
والبعد الآخر لقرار بلير هذا، يعود إلى الاستراتيجية الأمريكية بالنسبة لإيران، فإدارة بوش تقود اليوم حملة مركزة ضد طهران، وتحاول أن تهيئ الرأي العام المحلي والعالمي لتوجيه ضربة عسكرية، ويبدو أن الاستراتيجيين البريطانيين واعون لهذه الحركة الأمريكية، ويعرفون أيضاً أنه سيكون من الصعب منع بوش وهو رئيس حرب يريد أن يسترجع بعضاً من نفوذه الذي خسره بارتكاب حماقة خوض مثل هذه الحرب، تماماً كما فعل بالنسبة للعدوان على العراق، وهو على استعداد لأن يزيف الأمور لكي ينفذ مبتغاه، وهذه الخطوة من وجهة نظرهم لا تتماشى والمصالح البريطانية والعسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
كما أن قرار بلير سار في اتجاه المشاعر الدولية بالنسبة للحرب في العراق، ومحاولة منه “لإنقاذ ما يمكن إنقاذه” بعد أن تبين أن حليفه بوش ليس فقط لا يريد أن ينهي هذه الحرب، بل قرر تصعيدها عن طريق إرسال مزيد من الجنود ومحاولته الحصول على مزيد من الأموال لتغطية نفقات هذه الحرب.
وموقف الرأي العام العالمي يظهر جلياً في صور الملايين التي تخرج في مظاهرات غاضبة ضد الحرب وتلك التي تستقبل المسؤولين الأمريكيين بالشعارات المعادية للحرب. كان آخرها مظاهرات استراليا ضد ديك تشيني الذي ذهب للمطالبة بزيادة عدد القوات الأسترالية في العراق.
لقد قررت الدنمارك سحب قواتها من العراق بعد قرار بلير، وهناك اتجاه لدى غيرها من الدول المشاركة في احتلال العراق بعدم تمديد وجود قواتها هناك، على الرغم من جولة تشيني وغيره من المسؤولين الأمريكيين الذين يطالبون ليس فقط بتمديد فترة الوجود العسكري في العراق، بل أيضاً زيادة عدد هذه القوات.
فهل سيكون القرار البريطاني فاتحة طريق لإنهاء احتلال العراق؟


واع

أضف تعليق