قد تكون مقالة قصيرة كالتي كتبها المحامي أمنون رفائيل في صحيفة “يديعوت أحرونوت” نموذجية في المساءلة حول إخفاق الساسة والجنرالات في الحرب على لبنان،
فهو يستخدم الخيال السياسي كي يتوصل إلى ما يريده لكن من الجهة الأخرى يقول مثلاً، تصوروا لو أن الحرب التي شنتها الدولة العبرية على لبنان في الصيف الماضي حققت أهدافها، وهي على التوالي، تحرير الأسيرين في اليوم الأول من الحرب، والتدمير التام لمؤسسات حزب الله في شتى المواقع، وأخيراً وقوع السيد حسن نصر الله في الأسر؟
بالطبع كان المشهد سيختلف تماماً، لكن الفشل يتيم.. والنجاح متعدد الآباء، وفي هذه الحرب الفاشلة باعتراف من شنوها، تهرب الآباء سواء كانوا من الساسة أو العسكر من تحمل أعباء الهزيمة، ولأن المحامي أمنون رفائيل يوجه كلامه إلى لجنة “فينوغراد” التي تولت أمر التحقيق في تلك الحرب، ونتائجها، فإنه يطالب اللجنة بمشاركته في خياله السياسي، بحيث تنقلب المعادلة رأساً على عقب، ويقدم الغار لأولمرت وعصابته بدلاً من التقريع والإدانة.
الحروب عندما تقع، لا تقبل إعادة إنتاجها وفقاً لأي خيال سواء كان سياسياً أو علمياً أو عسكرياً، لأنها كالرصاصة التي لا تعود إلى البندقية أو المسدس الذي أطلقها.
ما حدث إذن.. قد حدث بكامل تفاصيله وانتهى الأمر إلى فشل مزدوج سياسي وعسكري، لكن الفشل الثالث الذي لا يتطرق إليه المحامي أمنون، هو في نوازع الحرب ذاتها، ولماذا وقعت؟ وهل كان هناك من المبررات ما يكفي حتى لإقناع الجنود بها؟
لقد غاب عن تلك الحرب، التي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة العدوان السافر، المعادل الموضوعي لما طرح باعتباره سبباً كافياً لتبرير حرب مدمرة.. فأسر جنديين ليس معادلاً موضوعياً يمكن الاقتناع به لشن حرب بهذا الحجم، إذن لا بد من أسباب أخرى، كانت تتنامى لكن وراء الكواليس وكل ما كانت تحتاج إليه هو ذريعة حتى لو كانت أسر جنديين فقط!
وما نشر حتى الآن حول تلك الحرب يجزم بأنها كانت ستحدث حتى لو لم يؤسر الجنديان، ولن تعدم أية دولة أو مؤسسة عسكرية الذريعة لشن حرب من هذا الطراز.
إن الكتابات عن الحرب على لبنان لم تتوقف بعد، كما أن لجان التحقيق لم تتوصل إلى ما يغلق الملفات، فالاستقالات، وتبادل الاتهامات تتواصل رغم أن الحرب قد انتهت ميدانياً وإن كانت أوزارها لا تزال.
إن خيال المحامي أمنون السياسي، وهواجسه القضائية، هي وليدة إحساس بدأ يتحول إلى مناخ مبثوث في الدولة العبرية ومؤسساتها. هذا الإحساس يفتضح سايكولوجيا النصر الدائم.
فقد أوهمت الانتصارات السريعة والمتعاقبة جنرالات الدولة العبرية بأن هناك ما يشبه بوليصة التأمين العسكرية، بل التاريخية لديمومة الظفر، وأن أي حرب تشنها تل أبيب على عاصمة عربية أو عدة عواصم مجتمعة هي حرب ظافرة منذ ربع الساعة الأولى.
الحرب على لبنان، أحدثت خللاً جذرياً في هذه المتوالية، وقد يكون هذا هو السبب في حالة الإرباك، ومعاودة النظر بالمسلمات السياسية والعسكرية التي رسختها الحروب الخمس التي شنتها الدولة العبرية في نصف قرن.
والأمر لا يحتاج إلى خيال سياسي أو إلى إعادة إنتاج الحرب وفقاً لهوى تاريخي أو إيديولوجي، لأن ذلك بمثابة إضاعة الوقت ومضاعفة الإرباك.
والأهم من لجنة فينوغراد، وخيال المحامين السياسيين هو اعتراف الدولة العبرية أمام نفسها أولاً بأن وهم الانتصار الدائم، هو من إفراز سايكولوجيا متورمة ونرجسية عسكرية لا تصحو إلا بضربة موجعة في الرأس
الدار العراقية
حروب الخيال السياسي .....خيري منصور
