هيئة علماء المسلمين في العراق

النصر المستحيل في العراق.. محمد خليفة – الامارات
النصر المستحيل في العراق.. محمد خليفة – الامارات النصر المستحيل في العراق.. محمد خليفة – الامارات

النصر المستحيل في العراق.. محمد خليفة – الامارات

رغم مرور نحو أربع سنوات على غزو العراق، فإن الولايات المتحدة ما تزال مقتنعة بإمكانية الفوز في المعركة هناك، وما تزال تفعل كل ما بوسعها لتثبيت الأمن وإنشاء عراق جديد. لكن، لا شك أن زمن النصر قد فات، وأن الخسارة باتت ماثلة للعيان يراها القاصي والداني. وقد تكون هذه الحقيقة صعبة على الولايات المتحدة، إلاّ أن ذلك لا يمنع أن تعترف بها وتبادر إلى سحب قواتها من هذا البلد، لأن البقاء فيه يعني المزيد من الخسائر في الجنود والمعدّات. وعلى ما يبدو، فإن الولايات المتحدة لم تعتبر من أحداث التاريخ التي تؤكد استحالة كسب معركة على نطاق ضيّق، كما هو الحال في العراق الآن. ومن أجل كسب المعركة على نطاق ضيّق، يجب أولاً كسبها على نطاق واسع، ولكي تنجح الولايات المتحدة في العراق، عليها أن تحتل جميع الدول المحيطة به، وعليها أن تُخضع روسيا والصين.

ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ من خلال حرب عالمية، والإمبراطوريات عبر التاريخ كانت تخسر في الحروب المحدودة. وربما هذا هو الأمر الذي دفع الاسكندر المقدوني خلال فتوحاته في الشرق في القرن الرابع قبل الميلاد إلى الإصرار على فتح كل المدن والقلاع التي تعترض طريقه.

وقد استعصت مدينة صور الفينيقية عليه، وكانت عبارة عن جزيرة في البحر، فأمر بردم البحر وبناء جسر يصل إلى الجزيرة، ومن ثم حاصرها شهوراً طويلة وفتحها عنوة وقتل نحو ثلاثة آلاف من رجالها لكي لا يتركها خلفه وتنقض عليه نصره وفتوحاته.

وكذلك عندما قتل الملك الفارسي دارا بن دارا ودخل بلاد فارس، استعصت عليه مدينة فيروز آباد، وكانت قلعة حصينة وسط جبال شاهقة، فأمر بنهر هناك يدعى نهر برازة، وكان في مرتفع من الأرض أن يحوّل مجراه الهابط من الجبل إلى المدينة. ولما كانت فيروز آباد تقع بين الجبال، فقد دخل المدينة وأغرقها وغطى الماء المدينة فأصبحت كالبحر ولم يتركها خلفه.

وبهذه الأعمال الخارقة وأمثالها، استطاع الإسكندر إخضاع الشرق والعالم حيث لم تبقَ مدينة ولا قلعة إلاّ ودخلها وأخضع أهلها.

وفي العصر الحديث، فإن التغيرات العالمية الكبيرة لم تحدث إلاّ بعد الحربين الكبيرتين “الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية”.

فعندما انتصر الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا) والولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، استطاعوا إخضاع العالم أجمع، لأن جميع بلدانه كانت مفتوحة أمام قواتهم وجيوشهم، ولم تكن هناك قوة أخرى تستطيع أن تواجههم وتقف في طريقهم. ولذلك أنشأوا ما شاؤوا من الدول، ورسموا حدودها وأقاموا بها حكومات تابعة لهم.

وفي الحرب العالمية الثانية، انتصر الحلفاء (الولايات المتحدة وبريطانيا) لكن انتصارهم جاء بعد خراب ودمار عمَّ أوروبا ومعظم مناطق العالم. وقد تم تدمير ألمانيا وإيطاليا واليابان، وتم القضاء على أية مقاومة موجودة في هذه الدول.

وكانت جميع الشعوب تئن من الدمار والجوع وقلّة الطعام والموارد، وكانت أيضاً تنشد الأمن والسلام. ولذلك هدأ العالم، واستكانت ألمانيا وإيطاليا واليابان لإرادة الدول المنتصرة.

لكن بعد انتهاء تلك الحرب، حدثت حروب محدودة بسبب الصراع بين المعسكر الشرقي السابق، وبين المعسكر الغربي. فقد تدخلت الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية عام 1950 بهدف وضع اليد عليها.

فحدثت الحرب الكورية التي استمرت ثلاث سنوات وانتهت عام 1953 بتكريس انقسام شبه الجزيرة بين جنوب موالٍ للولايات المتحدة وشمال شيوعي موالٍ للاتحاد السوفييتي السابق.

وقد خسرت الولايات المتحدة في تلك الحرب عشرات الآلاف من القتلى، وعشرات الآلاف من الخسائر في الطائرات والمدرّعات والسفن الحربية. ومن ثم تدخلت الولايات المتحدة في فيتنام عام ،1965 ولكنها عجزت عن كسب المعركة أيضاً، وخسرت أكثر من ستين ألف قتيل، وآلاف الخسائر الأخرى في المعدات المختلفة، وانسحبت بعد عشر سنوات من دون تحقيق أية نتيجة.

ومن ثم تدخّل الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان عام 1979 وعجز عن تثبيت الأمن وخسر آلاف الجنود والمعدات، وانسحب من هناك عام 1989 من دون تحقيق أية نتيجة. وبعد عامين من هذا الانسحاب، انهار بالكامل واختفى من الوجود.

إن التدخّل العسكري الأمريكي في العراق سوف يكون له نفس المصير، ذلك ان كسب المعركة في العراق هو شيء مستحيل. وسوف تتوالى الخسائر الأمريكية هناك ولن تنجح جميع الخطط الأمنية وغير الأمنية في تحقيق الأمن والسلام وبناء دولة عراقية جديدة. وسوف تجد الولايات المتحدة نفسها في النهاية مضطرة إلى الانسحاب. وهي الآن تكابر على الجرح وتصرّ على النصر، لكنها ستتعب عمّا قريب، وستقبل الانسحاب دون تلكؤ، وسوف يؤدي هذا الانسحاب إلى تدمير مشروعها الاستعماري في الشرق الأوسط ككل، غير أنها ستشاهد ذلك بعينين باكيتين وبقلب طافح بالحزن والأسى.

أضف تعليق