هيئة علماء المسلمين في العراق

الهروب من العراق-الراية القطرية
الهروب من العراق-الراية القطرية الهروب من العراق-الراية القطرية

الهروب من العراق-الراية القطرية

-حكايا عراقية في زمن التحرير الأمريكي..! -اللاجئون العراقيون يحولون السويد إلي وطن -الولايات المتحدة تغلق أبوابها.. فيما تفتحها السويد علي مصاريعها للعراقيين -الحرب في العراق دمرت مهن الطبقة الوسطي المطلوبة لإعادة إعماره -رحلة الجواز الأحمر.. مخاطرة يركبها العراقيون بعد أن ضاق بهم الوطن - جماعات مسلحة أُعدت لإفراغ العراق من أبناء الطبقة الوسطي موظف في دائرة الهجرة السويدية: لا نعيد أي عراقي حتي لو يحمل أوراقاً مزورة - بلاد الثلج ملاذ آمن لأبناء الشمس الهاربين من الموت فيما يفر الملايين من العراقيين هرباً من وطنهم المدمر الذي يمزقه العنف أصبحت السويد اليوم وجهة يقصدها أبناء الطبقة الوسطي عندما يتخذون القرار الأكثر إيلاماً. ولكن لماذا السويد؟ وببساطة انه البلد الذي يقدم تسهيلات لا يمكن تصورها لهؤلاء النازحين.

وببساطة شديدة وأياً كانت الأسباب المحيطة التي تدفع لاتخاذ قرار الهروب من الوطن تبقي الرغبة في البقاء علي قيد الحياة السبب الرئيسي، لقد عُرِفَ العراقيون بأنهم لم يغادروا وطنهم إلا مكرهين، ولم يغادروا بحثاً عن المال والجاه وإنما جاء اختيارهم للشتات بفعل المحن والحروب والأزمات التي لو مرت علي أي شعب آخر لكان للآخرين حديث آخر عنها.

السويد - نعم السويد ذلك البلد الاسكندنافي يستقبل العراقيين الفارين من دون أن يسألهم كيف دخلوا أو بأي أوراق ثبوتية وصلوا، بل فقط ينظر السويديون إلي الظروف البائسة التي تعصف بوطنهم العراق، ويعتبرون تلك الظروف سبباً كافياً لمنحهم اللجوء الإنساني الذي صار حلم كثير من ابناء الطبقة الوسطي الذين يفرون اليوم من أسباب الموت الكثيرة! وبالتأكيد فإن هناك الكثيرين الذين يعتقدون ان هناك أيادي تتعمد تفريغ العراق من ساكنيه! ولغايات باتت معروفة.

ويبدأ المضطر والمكلوم والمفجوع بحزم حقائبه علي عجل ويهرب من الوطن في رحلة بحث عن الجواز الأحمر محطته الأولي إما الأردن أو سوريا والمحطة التالية ربما تركيا أو بلغاريا ومحطته الأخيرة الأراضي الاسكندنافية التي لن تبخل علي واصليها بشيء فهي خلال سنة تمنحهم الاقامة حيث يكونون قد تعلموا اللغة وتأهلوا إلي مزاولة عمل ما..

ولنري في هذا الموضوع الذي نشرته مجلة التايم الأمريكية كيف يهرب العراقيون من وطنهم في وقت لم تستقبل فيه أمريكا سوي مئتي شخص فقط في حين ان ستوكهولم تفتح ذراعيها لتحتضن عشرات الآلاف وتؤهلهم لحياة جديدة بعيدة عن العنف والموت الذي خلفته عملية حرية وتحرير العراق التي قادتها الولايات المتحدة.

وهل حول اللاجئون العراقيون السويد إلي وطن؟!

كان المسلحون المجهولون الذين قاموا بتحطيم الباب الأمامي لبيت علاء ومن ثم فتشوه تفتيشاً دقيقاً لصوصاً لكن المكان كان مدينة بغداد والزمان بعد بضعة أيام من شق صدام حسين.

يقول علاء المخرج التلفزيوني الذي كان علي رأس حملة في ذلك الوقت كانوا يهدفون إلي قتلي، لقد قمت بشكل يومي بتغطية محاكمة صدام وكذلك عملية اعدامه، وبالتأكيد ان الناس يريدون قتلي لذلك قررت الهرب.

وبعد ثلاثة أسابيع كان علاء - الذي رفض ان يذكر اسم والده وعائلته مثل جميع الذين تمت مقابلتهم في هذا الموضوع - ينظر من زجاج نافذة شقته التي تقع في القسم العلوي من المبني الذي استأجره في ستوكهولم ينظر إلي المارة الذين يحثون الخطي الي أرض عانقت تواً بلورات الثلج ويذهب علاء بعيداً بأفكاره التي تعيش ذلك التناقض المربك بسبب حياته الآن وما كان يعيشه في وطنه الذي تركه هناك.



هروب علاء لم يعد غريباً علي الاطلاق لأن شلال الدم في العراق يأخذ البلاد نحو حرب أهلية وذلك ما يدفع بالكثير من العراقيين إلي ترك منازلهم بحيث ان الأمم المتحدة سجلت الهجرة العراقية كواحدة من أكبر الهجرات التي حدثت في السنوات الستين الأخيرة ومنذ اندلاع الحرب في العراق قبل أربع سنوات تقريباً يقدر عدد النازحين بحوالي مليوني عراقي غادروا من البلاد وهناك أكثر من مليون وستمائة عراقي نزحوا في الداخل وذلك طبقاً لتقديرات الأمم المتحدة، وهناك عشرات الآلاف قد فروا قبل الغزو الأمريكي في عام 2003 وكانوا يأملون ان ننسي الحرب في غضون فترة قصيرة لكنهم وجدوا انفسهم وسط معضلة لم تنته.

وتقول المتحدثة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين استرد فان جندرن ستورث مع مرور الوقت لم يستطع أحد من هؤلاء العودة وأصبحوا بلا أي مورد.

اما معظم العراقيين الذين فروا والذين يقدرون بحوالي (1.8) مليون شخص فقد توجهوا نحو البلدان المجاورة إلي كل من سوريا والأردن ولا يشكل العراقيون الذين يبلغ عددهم حوالي 20 ألف شخص الذين اتجهوا إلي السويد شيئا قياساً بالأعداد التي تدفقت إلي بلدان الشرق الأوسط.

ومع ذلك فإن السويد تعطي لمحة كاملة عن الحال الذي تسببت فيه الحرب بحيث دفعت بعدد كبير من الطبقة الوسطي في العراق إلي الهجرة وتدمير مهن بأكملها. وتبدو السويد وجهة مناسبة رغم انها تتطلب مبلغا كبيرا يتراوح بين ثمانية آلاف إلي خمسة عشرة ألف دولار للتوجه من بغداد والوصول إلي ستوكهولم، ومع ذلك فاليوم لا نشاهد فقط طبقة النخبة ممن يقصدونها ويرغبون بالدفع من أجل ذلك! ويقول المتحدث باسم المفضوية العليا لشؤون اللاجئين في السويد السيد بال ارساذر : في البداية كنا نري وصول الناس الأثرياء فقط إلي ستوكهولم أما في السنة الماضية فصرنا نشاهد أشخاصاً من الطبقة الوسطي أيضاً.



وقد منحت السويد اللجوء إلي 2330 عراقياً في عام ،2005 في حين أن الذين حصلوا علي اللجوء العام الماضي 2006 فقد بلغوا أربع مرات ضعف أعداد العام السابق. ويقول المسؤولون انهم يتوقعون إمكانية استيعاب 35 ألف شخص آخرين. لقد تسبب العنف الدائر في هذا الشتاء في بغداد إلي زيادة كالصاروخ في أعداد العراقيين الذين يصلون إلي السويد طبقاً لإحصائيات إدارة الهجرة السويدية.

ففي ديسمبر الماضي وصل 1566 عراقياً وهذا الرقم خمس مرات ضعف الذين استقبلوا في فبراير، وعاد يستخدم العراقيون جوازات سفر مزورة عند السفر إلي أوروبا لأن جوازاتهم لا تسمح لهم بالحصول علي تأشيرة.. وبعد فترة قصيرة من وصول العراقيين إلي أوروبا يطلبون الحصول علي حالة اللجوء.

وطبقاً لما يذكره المسؤولون في دوائر الهجرة السويدية فإنهم لا يعيقون دخول أي من العراقيين الذين بإمكانهم أن يبرهنوا أنهم فروا فقط من المناطق الوسطي والجنوبية في العراق بغض النظر عن الانتماء السياسي أو كيف وصلوا إلي الأراضي الاسكندنافية. لذا فإن بعض العراقيين أعيدوا إلي بلدان أخري بموجب القوانين الأوروبية التي تتطلب أن يقوموا بطلب اللجوء في أول بلد أوروبي وصلوا إليه.

ونتيجة لذلك فإن العراقيين في السويد من الشيعة (كعلاء الذي فر من الميليشيات السنية) والسنة الذين ظلوا طوال عقود ينتمون لحزب البعث ويدعمون نظام صدام حسين، وإلي أن بدأت أعداد العراقيين تتجاوز أعداد البيروقراطيين السويديين أصبح معظم العراقيين يستلمون حقوق الاقامة في غضون سنة بحيث تتيح لهم حق استدعاء باقي أفراد عائلتهم إلي السويد.

غير أن مسؤولي إدارة الهجرة السويدية يقولون أنهم الآن وبسبب الأعداد الكبيرة من العراقيين ولاستخدامهم وثائق مزورة قلصوا من معالجة طلبات الإقامة.

ومع ذلك فإن السويد ما زالت أكثر ترحيباً من معظم البلدان، فمثلاً ان الأردن تسمح ببقاء العراقيين علي أراضيها لمدة ستة أشهر فقط بينما يقول مراسل وكالة الصحافة الفرنسية أن ألمانيا تلقت 1918 طلباً من أشخاص عراقيين للحصول علي اللجوء في الأشهر الستة الأولي من عام 2006 ولم يمنح إلا لحوالي 2% من المذكورين في حين أغلقت الولايات المتحدة أبوابها بوجه معظم العراقيين- العديد منهم قتل أقاربهم أو ذووهم أثناء العمل مع الجيش الأمريكي أو الشركات المتعاقدة معه- ولم تمنح واشنطن اللجوء إلا إلي 202 عراقي في عام 2006 التي تعتبر السنة الأكثر موتاً في الحرب بالنسبة للمدنيين. وقال المسؤولون الأمريكيون أن الإجراءات الأمنية المشددة والمطولة تعيق إمكانياتهم لاستقبال العراقيين كلاجئين.. ومؤخراً عقد الكونغرس الجديد بأغلبيته الديمقراطية ليحاول الضغط علي الإدارة للسماح بدخول أعداد أكثر من العراقيين لا سيما الذين عملوا مع الجيش الأمريكي أو المتعاقدين الغربيين.

ويقول العراقيون القادمون من بغداد حديثاً إلي ستوكهولم أن الحرب قد جردت العراق من قاعدة المهارات التي يحتاجها وأجبرت الناس المطلوبين في إعادة بناء البنية التحتية وإدارة الأعمال التجارية وأطقم المدارس والمستشفيات علي تركه.

وتقول الدكتور ريا 37 عاماً بعد ساعات من وصولها إلي استوكهولم: لعدة أشهر تساءل معظم الناس في بغداد ويقولون أين هذا الشخص؟ وأين ذلك الشخص؟ ثم يجيب شخص ما: لقد رحلوا، لقد غادروا.

وتضيف الدكتورة ريا التي فضلت عدم ذكر اسم عائلتها خشية أن يتعرضوا إلي القتل لأنهم مازالوا في بغداد، إنها الطبيبة الحادية عشرة التي تهرب من مستشفي الأمومة الرئيسي في المدينة، وتقول: لم يبق سوي الدكتور الأقدم.

وها هي ريا تجلس اليوم في المكتب الحكومي للاجئين في أحد ضواحي مدينة ستوكهولم ويحيط بها طفلاها وخمسة من أفراد عائلتها الذين فروا معها.

وبعد أيام من تركهم منزل العائلة الكبير الذي كان يحوي حديقة، تنتظر هذه العائلة الآن الباص الذي سيقلهم إلي مخيم اللاجئين الذي يبعد ساعتين عن ستوكهولم.. وهذه المجموعة وحدها تمثل الخسارة الكبيرة التي يتعرض لها لفقدانه هذه الكفاءات. فبالإضافة إلي ريا هناك أختها طبيبة أيضا عمرها 24 عاماً متخرج للتو وتسلسلها الثاني علي دفعتها الجامعية، أما شقيقها فهو مهندس بناء عمل مع فيلق المهندسين التابع للجيش الأمريكي في حين أن زوجها كان يعمل مترجماً للدبلوماسيين الغربيين في بغداد.

إن هؤلاء الأشخاص المهنيين الذين هربوا من الوطن لم يكن أمامهم خيار آخر ويصف اللاجئون أنماط الموت الذي يهددهم من قبل جماعات مسلحة بلا وجوه والتي يعتقد البعض أنها أعدت لاخراج عراقيي الطبقة الوسطي.

ومن بين وجبات العراقيين الجديدة التي تصل إليالسويد هناك مئات المسيحيين العراقيين من ضمنهم خمسة قساوسة قالوا إن طائفتهم آخذة بالتلاشي.

وتقول أستاذة هندسة في الجامعة التكنولوجية في بغداد: طلابي هددوني بأنهم سيقتلوني إذا لم أنجهم لكي يتخرجوا، لأنني لا أرتدي وشاحاً علي رأسي، وهذه الأستاذة الجامعية واحدة من المئات الذين حصلوا علي خدمات من الكنيسة في احدي المناطق الصناعية جنوب غرب ستوكهولم.

وعلي حميد - أخصائي عيون - من الطائفة الشيعية وعمره 33 عاماً استلم ورقة تهديد وضعت له من تحت الباب دفعته إلي أن يهرب في الشهر الماضي تاركاً وراءه زوجته وطفلين وتقول دكتورة الأمومة ريا أن عائلتها قد قررت أن تغادر الوطن عندما أستلم أخوها رسالة تهديد جاء فيها: سوف يتم قتل عائلتك بأكملها لأنك تعمل مع الأمريكان، وسرعان ما قامت ريا أختها بوضع شراشف النوم علي أثاث المنازل وهربتا إلي سوريا التي أستطاعت فيها شراء وثائق أوروبية مزورة ومن ثم أخذت الطائرة إلي براغ.

أن كل رحلة طيران عراقية هي نعمة ورزق لتجار تهريب البشر والمعروف أن السويد تمنح حق اللجوء مجاناً غير أن اللاجئين العراقيين يحتاجون بالمرتبة الأولي الوصول إلي البلد، لذا فإنهم يجب أن يحصلوا علي جواز أوروبي مزور، ويهرب معظم العراقيين - في البداية - إلي الأردن، ومن هناك يقوم تجار التهريب بترتيب رحلة الطيران إلي تركيا حيث يصبح هناك من السهل العثور علي جواز غير قانوني خاص بدول الاتحاد الأوروبي وهو ما يطلق عليه العراقيون بالجواز الأحمر.

وعلي سبيل المثال أن سعاد تركي طالبة من الطائفة الشيعية عمرها 29 عاماً دفعت إلي التاجر عشرة آلاف دولار من أجل أن تحصل علي جواز سفر مزور وتذاكر سفر إلي ستوكهولم عبر تركيا، وتقول سعاد إنها لا تعرف جنسية الجواز الذي زوروه لها، وتضيف سعاد أن ابنة عمها معلمة ابتدائية سلكت نفس الطريق الذي سلكته وهربت من الوطن بعد أن تم اختطاف معلمتين من المدرسة التي تعمل بها، وتؤكد سعاد هناك خطر متواصل في العراق ولا أحد يستطيع العيش في الوطن.

في السويد اختارت الحكومة أن تساعد هؤلاء العراقيين الذين يصلون إلي أراضيها، وتوضح بأن مباديء اللاجئين في الأمم المتحدة تحمي هؤلاء الفارين بدلا من أن تتعقبهم وتلاحقهم لأنهم استخدموا أوراقاً رسمية مزورة للدخول إلي أراضيها.

ويقول جون سيديرغ هجلم وهو موظف في مكتب اللاجئين التابع لادارة الهجرة السويدية جميعهم يقولون إن لدينا جوازات سفر مزورة ولكننا رميناها وبدلا من التأكد من طبعات الأصابع في ضوء المعطيات الدولية، لا توجد أي طريقة عملية للتأكد من أن هؤلاء العراقيين الذين يدعون أنهم أنفسهم الحقيقيين.

ويضيف جون: نحن لا نعيد أي شخص فعلينا أن ننظر إلي الظروف التي قادتهم للهرب إن علاء وريا والآخرين الموجودين في ستوكهولم يتساءلون متي سوف يستطيعون العودة؟ وتقول الدكتورة ريا التي وضعت الشراشف علي أثاث منزلها حتي تحميها من الأتربة والغبار تقول الآن: انها لم تشك في أن تري بغدادها في غضون سنوات قليلة، وتخطط حاليا لتتعلم السويدية وتتمرن لتصبح دكتورة في أمراض النساء.

أما بالنسبة لعلاء الذي كان منكباً علي جهاز كمبيوتر استعاره ووضعه في سكنه الصغير جدا فيقضي الكثير من الساعات ينظر إلي صور ابنه الصغير الرقمية وهو يلعب علي سريره في العراق، ويأمل في أن يحصل علي أوراق الاقامة السويدية في وقت ما من هذه السنة ليسمح له باستقدام زوجته وابنه الذي عمره سنة واحدة والموجودين في بغداد.إن الهجرة من بغداد أكثر من أي وقت مضي.


ترجمة: كريم المالكي ...عن مجلة التايم
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق