انتشرتْ في العراق مؤخرا ظاهرة الوشم على مناطق مختلفة من الجسد لغرض التعرف على الشخص بعد قتله!
ترجمَ العراقيون نظرية المؤرخ الانكليزي الشهير ارنولد توينبي المعروفة بنظرية التحدي والاستجابة ترجموها بنحو غير مسبوق وغير معروف، وكأن توينبي وضع تلك النظرية خصيصا للعراقيين!
ومن بين أكثر أوجه الاستجابة للتحديات وضوحاً هو التأقلم والتكيف مع كل ظرف عسير، ومع كل مرحلة سياسية بكل مافيها من جور وقسوة وضغط نفسي واجتماعي ومادي!
اما آخر الاستجابات وأكثرها مرارة وطرافة فهو الوشم على الظهور والبطون ومناطق مختلفة من الجسد بهدف التعرف على صاحب الوشم إذا ماقتل على الطريقة العراقية التي عادة تشوه خلالها جثث القتلى أو تقطع إرباً ارباً.
أصرت مجاميع من الشباب على أن لاتصنف مع الجثث المجهولة الهوية في لحظة تحين فيها المنية و(لكل اجل كتاب) كما تعلمون، فالعراقيون الذين ظلوا يبحثون عن هويات تقيهم ملاحقات رجال الانضباط العسكري خلال حروب العراق التي بدأت عام 1980 ولم تنته بعد، بدأوا البحث عن هويات أخرى في مرحلة اختفى فيها رجال الانضباط والشرطة والجيش، واعني بها مرحلة (التحرير والتنوير)، فقد اخذ هؤلاء الشباب يبحثون عن هويات أخرى تثبت انتمائهم لهذا الحزب أو ذاك لهذه الكتلة أو تلك أو هويات تؤكد إن حاملها يعمل في المنطقة الخضراء ، وراح بعضهم يبذل الغالي والنفيس للحصول على هوية تثبت انه يعمل مع قوات الاحتلال من باب الأبهة والفخفخة ونقص الجاه ..ثم تغير الحال فراح كل من يحمل هوية أو ورقة أو مستمسكا يثبت انه التقى جنديا أمريكيا أو دخل إلى المنطقة الخضراء زائرا فعليه أن يخفيها لأنها تتحول في لحظة معينة إلى دلالة جرمية عندما تحين لحظة القصاص!
ومع هذه الهويات انتعشت في بعض الاسواق صناعة الهويات المزورة حسب الطلب، فقد يضطر العراقي إلى اقتناء ثلاث هويات واحدة باسم عبد الزهرة ومسقط رأسه الدغارة ومذهبه شيعي ومن أبوين شيعيين بالولادة، والثانية باسم حذيفة أو مروان ومسقط رأسه الخالدية أو هيت وهو سني ومن أبوين سنيين بالولادة، لكن المشكلة التي برزت امام متعددي الهويات هي انهم يحتارون أيـّا من الهويات يبرزون، فإذا ابرزوا هوية الدغارة فربما يكون أبطال نقطة السيطرة الوهمية من القائم وإذا ابرزوا هوية هيت والفلوجة فربما يكون أبطال تلك السيطرة من الجهة الاخرى، وإذا ابرزوا الهوية الصادرة من المنطقة الخضراء فربما يكون أبطال نقطة التفتيش من الفصائل المسلحة!
إذن العراقي اليوم متعدد الهويات في الحياة الدنيا برغم ان جميع هذه الهويات لاتجدي نفعاً إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، لكنه في لحظة معينة يصبح مجهول الهوية ويدفن في مقابر المجهولين!
تخيل الشباب العراقيون كيف يمكن أن يكونوا مجهولي الهوية وكيف انهم يقتلون من غير أن يعثر لهم على اثر، فيسجلون في عداد المفقودين خاصة إذا كان القتل بسيارة مفخخة أو قذيفة هاون مباشرة أو صاروخ طائش، لذلك ابتكروا وسيلة جديدة تجعل ذويهم يتعرفون عليهم وهذه الوسيلة ببساطة هي أن يوشموا أسماءهم على أجسادهم، أو يضعوا علامات فارقة تجعل زوجاتهم وأمهاتهم واباءهم يتعرفون عليهم حتى لو قطعوا ارباً ارباً!
فهذا ينقش على ظهره عبارة تقول(المعذب) وذاك يكتب على يده (المظلوم) والثالث ينقش على بطنه (العاطل عن العمل) والرابع يكتب عبارة تقول(امش وعين الله ترعاك) محاكاة للعبارة الشهيرة يكتبها السواقون على سياراتهم (سيري وعين الله ترعاك)!
انها مفارقة مضحكة مبكية، أن نكون متعددي الهويات في دنيانا، ونصبح مجهولي الهويات في آخرتنا!
الدار العراقية
سيروا وعين الله ترعاكم!! .. د.حميد عبد الله
