هيئة علماء المسلمين في العراق

انتصار أمريكا في العراق سراب - د. فوزي الأسمر
انتصار أمريكا في العراق سراب - د. فوزي الأسمر انتصار أمريكا في العراق سراب - د. فوزي الأسمر

انتصار أمريكا في العراق سراب - د. فوزي الأسمر

أصبح واضحاً لكل الاستراتيجيين المعنيين بالحرب الدائرة في العراق أن الانتصار الأمريكي، حسب مفهوم الرئيس جورج بوش، لن يتحقق بعد أن فشلت استراتيجيته القديمة، وها هو يفشل في ما سماه “مخطط أمن بغداد” الجديد. فقد فشلت إدارة بوش في إنجاز العديد من الملفات في العراق، خلال السنوات الأربع الماضية، وهي تحاول الآن إنجاز بعض الملفات التي قد تضع الولايات المتحدة على خريطة الزعامة العالمية ثانية. وهذا الأمر خطير كون أن بوش ينظر إلى العالم بمنظار القوة العسكرية، وهذا يعني أن أي إنجاز بالنسبة له، يجب أن يكون قادماً من فوهة بندقية، ألم يلقب نفسه ب “رئيس حرب”؟

إن كل متابع للتحولات في مجريات الأحداث في العراق، وكيف انتقلت الأهداف بشكل كبير، يستطيع رؤية ذلك. فقد جاء العدوان على العراق على أساس وجود أسلحة دمار شامل، فتحدى بوش العالم كله على أساس المعلومات المخابراتية التي وصلت إلى إدارته. وتبين أنه كان على خطأ، فنقل الموضوع إلى الاطاحة بحكم صدام حسين، وهذا ما حدث، وألقي القبض على الرئيس العراقي السابق وأعدم، ومع ذلك لم يستتب الأمن في العراق، بل ازداد عنفاً.

وتبين الآن أيضاً، حسب مركز “تحليلات الأمن القومي الأمريكي” في آخر تقرير له (واشنطن بوست 11/2/2007) أنه لا أمل في الانتصار عسكرياً في العراق، بعد أن فشلت إدارة جورج بوش بإقامة نظام “ديمقراطي مؤيد لأمريكا” في بلاد الرافدين، بل إن الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين يعتقدون أن الاستراتيجية الأخيرة التي تقدم بها بوش بشأن العراق هي بمثابة تصعيد عسكري، وقد تكون مقدمة لتوسيع الحرب في المنطقة والتي قد تمتد إلى سوريا وإيران وربما أبعد من ذلك.

فمن هذا المنطلق، نستطيع أن نفهم أيضاً الحملة الإعلامية المكثفة من جانب إدارة بوش، حول “الصراع السني الشيعي” في المنطقة، ومحاولة جذب “الدول السنية إلى التحالف ضد التحرك الشيعي في منطقة الشرق الأوسط”.

هذا الموقف أكد التحليلات التي صدرت في بعض الصحف الأمريكية الرئيسية، أن سياسة الرئيس بوش مبنية على “أساس مضلل وليس على أساس واقعي”، ومطالبة الكونجرس بالاعتراف جهاراً بهذه الحقيقة.

كما أن هناك مطالبة بالتوقف عن محاولات خلق نظام ديمقراطي في العراق، يكون مؤيداً للولايات المتحدة. إذ إن الذي يحدث الآن هناك يشير إلى نتائج عكسية، مهما حاولت إدارة بوش التغاضي عنها، وتقديم نتائج وردية للرأي العام الأمريكي الذي يسمع يومياً عن مقتل الجنود الأمريكيين وتدمير الآليات واسقاط مروحيات.

ثم هناك الخلط بين “المقاومة” و”الإرهاب”، واعتبار الحرب في العراق أنها حرب ضد الإرهاب العالمي، بل إن تصرفات بوش في العراق، ومواقف إدارته بالنسبة للأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، تعتبر محاولة من جانبها للانتقام من المقاومة، عن طريق إثارة الحروب الأهلية والفتن الداخلية في العراق ولبنان وفلسطين.

والتخوف من أن السياسة الحالية لبوش تشير إلى “نفاد صبره” والإعداد لمغامرة عسكرية جديدة قد تكون طويلة ومؤذية ومكلفة، وذلك تمشياً مع آراء عدد ممن هم حول بوش، الذين يريدون لأسباب أيديولوجية ومادية جر الولايات المتحدة إلى حرب بمبررات كاذبة.

والمتابع للتصريحات الرسمية الأمريكية، والتصريحات التي تسربها عن طريق “مسؤول رفض أن يذكر اسمه”، يلاحظ أن الإدارة تعمل الآن على تعبئة الرأي العام الأمريكي للقيام بمغامرة جديدة، تماماً كما كان الوضع قبل العدوان على العراق. فالربط بين المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، ومقتل الجنود الأمريكيين وبين إيران هي نقطة واحدة فقط في هذا الاتجاه.

وقد أثار التقرير الذي كتبه ثلاثة من الجنرالات الأمريكيين في العراق والذي يتهم إيران بأنها مسؤولة عن تزويد حلفائها في العراق بأسلحة ومتفجرات حديثة ومتطورة ردود فعل حذرت الإدارة من مغبة الوقوع في خطأ آخر، خصوصاً أن التقرير يتهم الحكومة الإيرانية بأنها ساعدت على قتل مائة وسبعين جندياً أمريكياً في العراق.

ولهذا سارع مسؤول في “مركز تحليلات الأمن القومي الأمريكي” بالتشكيك في صحة المعلومات المخابراتية التي بني عليها هذا التقرير، وطالب المسؤول في المركز بأن تجرى “دراسة الموضوع بدقة كي لا تقع الولايات المتحدة بخطأ كالذي وقعت فيه بالنسبة للمعلومات غير الدقيقة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية”.

وكان من الطبيعي أن يدافع الرئيس بوش عن مصداقية الأدلة التي جاءت في التقرير، بل ورفع التهديد إلى أن أمريكا “ستسحق أية شبكات إيرانية تغذي أعمال عنف تؤدي إلى مصرع جنود أمريكيين في العراق”.

ولكن المسؤولين في إدارة بوش يعرفون أن غالبية العراقيين يقاومون الاحتلال ليس من منطلق “أيديولوجي إسلامي”، بل من منطلق وطني وقومي عربي، وهذا ما يربك الإدارة الأمريكية، لأنه إذا انتزعت الصبغة الدينية والإرهابية عن المقاومة في العراق، معناه انتعاش البعد القومي العربي، ومعناه أيضاً أن المقاومة في لبنان وفلسطين هي مقاومة وطنية قومية وليست دينية أو طائفية أو إرهابية، ولكن من مصلحة أمريكا أن تكون المقاومة دينية وطائفية.

ويعرف بعض الاستراتيجيين الأمريكيين، أن المقاومة في منطقة الشرق الأوسط مرتبطة ببعضها بعضاً، فعندما سئل ستيف كوك أحد الباحثين في “مجلس العلاقات الخارجية” الأمريكي عما إذا كان الوضع في فلسطين ولبنان والعراق مرتبطاً ببعضه بعضاً أجاب “نعم بسبب الارتباط الوثيق للولايات المتحدة مع “إسرائيل” أصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للتعامل مع حلفائنا العرب”.

وتعتقد إدارة بوش أنه بتوجيه ضربة لإيران يمكن “وضع حد لهذا النمو المعادي لأمريكا وحلفائها في المنطقة، خصوصاً “إسرائيل”” فعندما يزداد الحوار داخل أمريكا، خصوصاً داخل الكونجرس الأمريكي، حول الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع في العراق، تقوم الإدارة بوضع اللوم على إيران، وتحميلها مسؤولية تزويد المقاومة بالأسلحة والعتاد العسكري. وكما قال مستشار الأمن القومي السابق زبيغينيو بريجنسكي فإن كل هذا سيكون تحضيراً لتوجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، والتي ستقول عنها إدارة بوش إنها “ضربة وقائية”.

إن التحول في الحرب إلى خارج حدود العراق، يعني أن إدارة بوش وصلت إلى قناعة بأنه لا يمكن الانتصار عسكرياً في العراق، فبدلاً من التوجه نحو استراتيجية لسحب القوات الأمريكية من العراق، نزولاً عند رغبة أغلبية الشعب الأمريكي والكونجرس الأمريكي والرأي العام العالمي فإن بوش يسير في الاتجاه المعاكس، وقد يدفعه هذا إلى القيام بمغامرة جديدة ستكون بمثابة المسمار الأخير في نعش السياسة البوشية قبل مغادرته البيت الأبيض.

الخليج الامارتية


http://www.iraq-amsi.org/images/2006-12-21.jpg

أضف تعليق