هيئة علماء المسلمين في العراق

دور تاريخي منقذ ... محمد خليفة
دور تاريخي منقذ ... محمد خليفة دور تاريخي منقذ ... محمد خليفة

دور تاريخي منقذ ... محمد خليفة

- الامارات عندما انتهى الحكم المغولي في العراق على يد تيمورلنك عام 804 للهجرة /1401 للميلاد، أصبح العراق يعيش في فوضى، لأن تيمورلنك ترك البلاد التي فتحها ومن بينها العراق وذهب إلى عاصمة ملكة سمرقند، وما لبث أن مات بعد مدة قصيرة. وقد استغلت قبيلة تركمانية رعوية هذه الفوضى ودخلت بغداد واستولت على السلطة فيها عام 813 للهجرة 1411 للميلاد، وسميت هذه الدولة “دولة الخروف الأسود  قره قوينلو”. وجاءت هذه التسمية بسبب اشتهار قبيلة هذه الدولة باقتناء الشياه السوداء. وشاهدت قبيلة تركمانية رعوية أخرى ما حدث لأختها قبيلة الخروف الأسود وكيف أنها أصبحت تمتلك الجاه والمال والسلطة والرجال، فطمعت بالملك وهجمت على بغداد واستولت على السلطة فيها عام 890 للهجرة 1488 للميلاد، وسميت هذه الدولة “دولة الخروف الأبيض  آلاق قوينلو”، وفرضت نفسها على الشعب العراقي، لكنها ظلت منبوذة من قبله كسابقتها دولة الخروف الأسود. ولذلك عندما جاء الشاه اسماعيل الصفوي إلى العراق ليضمه إلى امبراطوريته عام 910 للهجرة 1508 للميلاد، لم يجد مقاومة تذكر، فسقطت دولة الخروف الأبيض وألحق العراق بالدولة الفارسية من دون عناء. لكن دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض، لم تختفِ من الوجود، بل ظلت كامنة تحت رماد الواقع العراقي الذي يشبه الرمال المتحركة.
وها هي الدولة قد عادت إلى الوجود الآن بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فقد أدى هذا الغزو الظالم إلى تدمير الدولة العراقية وتدمير مؤسساتها وتشجيع النعرات الطائفية والعرقية. وترك الحبل على الغارب لكل من يريد أن يبني دولة طائفية أو عرقية في هذا البلد حتى تقطّعت أوصال العراق، وهجر مئات الآلاف من العراقيين أماكن سكناهم بسبب أن الغالبية في تلك المناطق التي يسكنها هؤلاء تعود لتلك الطائفة أو العرق. وهكذا أصبح في العراق لاجئون ونكبتهم تتمثل في تلك الدول الطائفية والعرقية التي سمح الاحتلال بظهورها في هذه المنطقة أو تلك، ولا أحد يعلم متى يتوقف القتل على الهوية في هذا البلد المظلوم.
لكن الحقيقة الماثلة أن الشعب العراقي بات مشتتاً طائفياً وعرقياً، ويلعب الاحتلال الأمريكي دوراً كبيراً وأساسياً في زرع بذور الفتنة وإشغال العراقيين ببعضهم بعضا لكي يتفرغ هو لتمكين جذوره في العراق. والاعتداءات المتكررة على المساجد والحسينيات والعتبات المقدسة هي من صنع الاحتلال وأعوانه، حيث يتم الاعتداء على مسجد للسُنّة ويعقبه اعتداء على مسجد للشيعة والفاعل في الاعتدائين واحد ويتم تصوير الأمر على أنه فعل طائفي وفعل طائفي مضاد، والدليل على أن هذه الأفعال هي من صنع الاحتلال، هو أن الجاني في كل الاعتداءات المتلاحقة ظل مجهولاً.
ولعل الاحتلال يبتغي أيضاً من وراء إشعال الفتنة بين السُنّة والشيعة في العراق نقل هذه الفتنة إلى سواه من الدول العربية والإسلامية وإشغال العرب والمسلمين ببعضهم بعضا وترك “إسرائيل” تنمو وتكبر على حساب الأرض وعلى حساب المستقبل العربي.
وللأسف فهناك دائماً عملاء يبيعون كل شيء، سواء كان عرضاً أو وطناً في سبيل مصالح أنانية ضيقة. وهؤلاء هم الأعداء الحقيقيون لهذه الأمة، فلا نستطيع أن نبسّط الأزمة العراقية فنقول إن الاحتلال هو السبب الأساسي والوحيد فيها، لأننا لو قلنا ذلك لكنا قد تجاوزنا الواقع. فقد يكون الاحتلال سبباً أساسياً في ويلات العراق، لكنه ليس السبب الوحيد، لأن هناك أناساً عراقيين يساعدون الاحتلال بوسائل شتى، ومعظم هؤلاء جاؤوا على ظهور دبابات الاحتلال، وآخرون كانوا في الداخل يكتمون غدرهم وحقدهم على بلدهم، وربما لولا هؤلاء لما استطاع الاحتلال أن يبقى إلاّ لفترة وجيزة. لكن هؤلاء أنجزوا الكثير من الأمور التي كان الاحتلال سيعجز عن إنجازها وحده. فمثلاً إجراء انتخابات نيابية في ظل الاحتلال، وإصدار دستور جديد، وجعل العراق يبدو وكأنه بخير وعافية.
فكل هذه الأشياء تدلّ على أن المشكلة ليست في العدو الخارجي فقط، وربما كان هناك خلل بنيوي في تركيبة مجتمعاتنا يجعل دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض ذات قابلية للوجود في أي وقت. ومكمن هذا الخلل هو النزعة الطائفية المتأصّلة في وجدان الأمة، فأبناء كل طائفة يرون أن الوطن ينتهي عند انتهاء حدود طائفتهم، وهم لا يعترفون بمواطنة الطوائف الأخرى. وما لم تتغلب نزعة المواطنة على نزعة الطائفية والمذهبية في هذه الأمة، فإن دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الأبيض لن تبقى محصورة في حدود العراق، بل إنها ستنتقل إلى الدول العربية والإسلامية الأخرى. وعند ذلك سيشهد العالم العربي والإسلامي أسوأ كارثة تحلّ به عبر تاريخه الطويل.
والمسؤولية تقع على عاتق الجميع ولاسيما على العقلاء والمثقفين في هذه الأمة، وهؤلاء مطالبون اليوم بدور تاريخي على أكثر من جبهة، ومطالبون أيضاً بترسيخ الوعي بالعدو الوحيد لهذه الأمة وهو الصهيونية والإمبريالية الدولية. ومطالبون كذلك بتعزيز روح المواطنة عند شعوبهم وتغليب هذه الروح على روح الطائفة. وهذه المهمة صعبة وشاقة بكل تأكيد، لكن عليهم أن يضيئوا شمعة أولى، وبعد ذلك سوف يتبدد هذا الظلام العربي.



محمد خليفة - كاتب من الإمارات
medkhalifa_(at)_maktoob.com
www.mohammedkhalifa.com

أضف تعليق