هيئة علماء المسلمين في العراق

هل بات العراق حقل تجارب؟ -صباح علي الشاهر
هل بات العراق حقل تجارب؟ -صباح علي الشاهر هل بات العراق حقل تجارب؟ -صباح علي الشاهر

هل بات العراق حقل تجارب؟ -صباح علي الشاهر

يتبادر الي الذهن سؤالان عند الحديث عما يُسمي بالخطة الأمنية الجديدة لبغداد، والعراق. السؤال الأول: هل المُراد من الخطة الجديدة تصفية المجرمين واعادة الأمن الي بغداد، ومن ثم العراق، أم تصفية أعداء ومعارضي الاحتلال؟
والسؤال الثاني: هل الخطة الأمنية استجابة حقيقيّة لمعضلة الاحتلال، وطريقة للخروج من المأزق، أم هي هروب من الاستحقاقات الواجبة علي الادارة الأمريكية، بعد ثبوت الفشل والهزيمة، والتفاف علي المطلب الذي أضحي عالمياً بضرورة انهاء الاحتلال، وسحب الجيوش المحتلة؟
الاجابة علي هذين السؤالين سيتضمنها سياق المعالجة لموضوع ما سُمي بالخطة الأمنية الجديدة .
نحاول باديء ذي بدء ان نذكّر بالخطط السابقة، وتحديداً الخطة التي بدأت أواسط تموز (يوليو) 2006، ونذكّر بتصريح الناطق باسم التحالف الميجر جنرال وليم كولدويل في 29 آب (اغسطس) 2006، حيث قال مزهواً: لقد انتصرت الخطة وخفضنا الارهاب بواقع النصف!
في هذه الخطة تمت مداهمة، وتفتيش، وترويع 40 ألف دار ومبني في بغداد وحدها، وهوجمت أحياء بغدادية بالدبابات والطائرات، حتي لكأن هذه الأحياء خالية من البشر، وأن الذين فيها شياطين أتوا من كوكب وهمي، وليسوا بشرا، عراقيين، نساء ورجالاً وأطفالا. كان اسم الخطة التعيسة يومذاك (معاً الي الأمام)، بعد المزيد من المعاناة والتدمير اللذين حلا ببغداد وبالعراق والعراقيين، تحوّلت هذه الخطة عملياً، من (معاً الي الأمام) الي (معاً الي الوراء)، وازداد الوضع سوءاً، وتصاعدت الأعمال الاجرامية، وعمليات الاختطاف والقتل علي الهوية، ولم تسلم أية منطقة من مناطق بغداد من التفجيرات التي ازدادت همجية وعبثية، ووصلت بشاعة القتل والتمثيل الي مديات غير معهودة، ولم يسبق لها أن حدثت في أي بلد في العالم.
هل قلَّ الارهاب والاجرام بعد الخطة المذكرة، أم اشتد وتضاعف؟
المتابع للشأن العراقي لا يصعب عليه القول بان الارهاب والأعمال الاجرامية ازدادت بوتائر كارثية. اقرار هذه الحقيقة، يستوجب بداهة اثارة سؤال: لماذا؟ ما هي اسباب استشراء الارهاب والاجرام، ليس في بغداد فقط، وانما في كل بقعة من الأرض العراقية؟
لا يحتاج الأمر الي امعان نظر، فالاحتلال الذي غزا البلاد وأنهي وجود الدولة، وأنشأ جيوش المرتزقة القتلة، وفتح أبواب العراق لكل نهّاب، ونصّب وبالتعاقب، عملاءه وخدمه حكاماً علي البلاد، وسن وشرّع لكل ما لا يتماشي وحقيقة العراق والعراقيين، من تأكيد الطائفية، والتقاسم الطائفي، وسلب العراق هويته، وخصوصيته، وتمييع الانتماء الوطني، والتعويض عنه بانتماءات طائفية، ومناطقية، وعنصرية، وشللية، واطلاق يد عتاة المجرمين والسرّاق والمزورين، لتخريب كل شيء، حتي ليبدو أن الأمريكان جاءوا الي العراق للانتقام منه، وتدميره، تدميراً يجعل من الصعب، لا بل من المتعذر أن تقوم له قائمة بعد ذلك، حتي لو حكم من قيادة وطنية، فان هذه القيادة الوطنية ستكون بحكم واقع الحال، ضعيفة، لأنها تقود بلداً ضعيفاً منهكاً، فقيراً، ومخرباً، وبالتالي فان العراق، سوف لن يشكل خطراً علي من التزمت أمريكا بحمايته، ألا وهو الكيان الاسرائيلي بالدرجة الأساسية.
ان وجود سلطة، منذ الاحتلال وحتي الآن ـ وإن تغيّرت الوجوه ـ السمة العامة لافرادها، فقدان الكفاءة، وانعدام النزاهة، وضعف الحرص علي مصلحة الوطن والشعب، والعمل علي تكريس الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، واقدام منقطع النظير علي النهب، بلا حدود ولا قيود، بحيث أصبح الفساد العراقي الادراي والحكومي، مضرب المثل، وميزة ينفرد بها حكام المنطقة الخضراء، وأتباعهم.
ان الفساد المستشري في العراق الآن، الذي يحول عملياً دون اقرار العدل، لأنه يمتهن القانون، والقيم، ويعمم الظلم والبلطجة، ويشيع القيم المافيوية، هذا الفساد المتعدد الجوانب هو أحد أهم مولدات الجريمة والعنف، فحيث ينعدم الأمن والعدل، يلجأ الانسان لقوته الذاتية لتحميه من تغوّل السلطة والاحتلال، والمرتزقة، والمتنفذين، وحواسم العراق الجديد.
تصوروا أن أصغر نكرة جاء مع الاحتلال يرافقه ويحرسه أني تحرك جيش من المرتزقة، ومن متعودي الاجرام. وأنه من الصعب، لا بل من المتعذر، احصاء عدد العصابات، الحكومية، والحزبية، والشخصيّة، التي تمتهن الاجرام والسطو والسرقة؟
لكي تعيش في بغداد فلا بد لك من عصابة، والا فانك ستكون ضحيّة العصابات. أزعم أن لكل مسؤول ومتنفذ عصابة تأتمر بأمره وهذه العصابات تسرح وتمرح، وتفعل ما تشاء دونما حسيب ولا رقيب، والأخطر من هذه العصابات، تلك التي دخلت البلاد بصفة شركات الحماية الخاصة، أو الحراسات، فهؤلاء كما الجنود الأمريكان لديهم حصانة، وقد أبيح لهم فعل كل شيء، فاذا علمنا أن هؤلاء من عتاة الاجرام، ومن ذوي السوابق الاجرامية، فلكم تصور السلوك الذي سيسلكونه، والهول الذي سيذيقونه للشعب الأعزل المسالم. ولا ننسي أن نذكر تلك المنظمات المسلحة، السرية والعلنية، التابعة للدولة، أو لاحزاب السلطة، وكذلك التنظيمات العسكرية، وشبه العسكرية، مطلقة الصلاحية، والتي لا ترتبط بسلطة المنطقة الخضراء، وانما ترتبط مباشرة بالأمريكان، سواء بجيش الاحتلال، أم بقوي استخباراتية تابعة لقوي الاحتلال، والتي تفرّخ فرق الموت باستمرار، وحسب مقتضي الحال، اضافة لعصابات الجريمة المنظمة، داخلية أم خارجية، فاذا أضيف لهذا كله تأجيج الاحتقان الطائفي، فان صورة الجحيم العراقي ستكتمل، ويا لها من صورة!!
نعم.. الارهاب والاجرام يعمان العراق.. وأمس، واليوم، وقبل أمس، وغداً، وبعد غد، سنسمع ونري أعمالا اجرامية، يتفوق أحدها علي الآخر، من حيث درجة الوحشية، والنذالة، تحدث ليس في بغداد فقط، وانما علي امتداد الأرض العراقية. لقد أصبح البلد مسرحاً للجريمة.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح، دونما كلل، من أين لهذه القوي الاجرامية كل هذه القوّة؟ الأرض والسماء والمنافذ تحت سيطرة الأمريكان، وخدم الأمريكان، والعاملين تحت رعاية الأمريكان، فمن يقدم الخدمات اللوجستية لعصابات الجريمة؟
أليس من المنطقي القول انه من أجل التخلص من الارهاب والاجرام، في البلد الذي كان آمناً، لا يعرف الارهاب ولا الجريمة المنظمة، ولا عمليّات التفخيخ، ولا التهجير الطائفي، ولا القتل علي الهوية، أليس من المنطقي القول بانه من أجل التخلص من كل هذه الظواهر المُستجلبة، ينبغي التخلص من مسبباتها ومسببيها؟
ألم تكن كل هذه البشاعات، الغريبة علي العراق والعراقيين، من نتاج الاحتلال والمحتل؟
أما وقد هدّم المحتل الدولة (دولة العراق) فان من الواجب بناء الدولة (دولة العراق) لا دويلات الطوائف، لا الدولة الكردستانية أو السنيّة أو الشيعية، فذلك أمر سيؤبد الاحتراب، وسيمده ليس الي دول الجوار فحسب، ولا الي دول الاقليم، وانما لكل بقعة في العالم.. واهم لحد الغباء، من يتصور أن تحطيم العراق وتقسيمه أماناً له، وليس من باب المبالغة القول، انه من العراق قد يبدأ الطوفان.
ولكي يعاد بناء الدولة العراقية بشكل صحيح، وسليم، فان علي المحتل أن يرحل، ليس هذا فحسب، بل أن عليه أن يأخذ معه كل من جلبه معه، وأن تعتبر كل نتائج الاحتلال باطلة وغير ذات جدوي.
وأن يعاد بناء القوات المسلحة، الدفاعية والداخلية، أي الجيش بكل صنوفه ـ والشرطة، بكل صنوفها، علي قاعدة الوطنية والكفاءة. وأن يصار الي التعيينات عبر مجلس للخدمة الوطنية، يضع ضوابط القبول العقلية والجسدية والخلقيّة، ويتقيد بها دونما نظر الي قومية أو ديانة المترشح لملء هذه المناصب. باعتماد عقيدة الوطنية بالنسبة للقوات المسلحة والأمنية كافة، سنصون وحدة الشعب، وأمن الشعب، وكرامة الشعب. وطبيعي أن أمن البلد خارجياً، وداخلياً، من مهمة أبنائه.
الطريق نحو القضاء علي الجريمة والارهاب في العراق واضح، بيّن، أما تلك الخطط التي توضع لأهداف ليست عراقية، ولا وطنية، وانما لحسابات بوشية، فان مآلها الفشل، والفشل الذريع.

* كاتب من العراق يقيم في لندن
القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق