هيئة علماء المسلمين في العراق

النفط يقرر أي نموذج لروسيا المستقبل-توماس فريدمان
النفط يقرر أي نموذج لروسيا المستقبل-توماس فريدمان النفط يقرر أي نموذج لروسيا المستقبل-توماس فريدمان

النفط يقرر أي نموذج لروسيا المستقبل-توماس فريدمان

في عمارة عالية تطل على ضريح لينين، تصمم شركة بوينغ للفضاء أجزاء أساسية من طائرتها الجديدة دريملاينر 787، مستخدمة مئات من مهندسي الفضاء الروس. نعم، ربما يتحدث الرئيس بوتين بلهجة حرب باردة متشددة، ولكن على مقربة من الكرملين، تستخدم شركة صناعية اميركية متقدمة عقليات روسية متقدمة لتصميم طائرتها الجديدة. ويكشف مركز بوينغ للتصميمات في موسكو، الذي يستخدم 1400 مهندس روسي (يكسبون اقل من نظرائهم الاميركيين) في عديد من المشاريع، امكانيات روسيا المميزة: فروسيا هي هذا البلد النادر، الذي لا يملك فقط كنوزا من الموارد الطبيعية ـ النفط والغاز والمناجم، بل كنوزا من المواهب البشرية: من المهندسين وعلماء الرياضيات وغيرهم من العقول القيمة.

فمعظم البلاد ذات المواهب البشرية ـ مثل سنغافورة وتايوان ـ تملك موارد طبيعية محدودة، وتلك الغنية بمواردها الطبيعية ـ مثل السودان او فنزويلا ـ تميل الى عدم تطوير مواهبها البشرية. والاستثناء الوحيد هو النرويج، الغنية بالموارد البشرية والطبيعية، وقد اقامت مؤسساتها الديمقراطية قبل أن تصبح ثرية بثروتها النفطية، ولذا يجري إنفاق الأموال بطريقة جيدة.والسؤال المتعلق بروسيا هو ما يلي: هل ستصبح مثل النرويج، ديمقراطية يثريها النفط، أو مثل فنزويلا، ديمقراطية خربها النفط؟ هل مركز بوينغ هو مستقبل روسيا أو هو الاستثناء؟

وتشهد بعض الأدلة على الاتجاهين. فمن الناحية الايجابية، تعتبر روسيا أكثر ذكاء من معظم دول النفط. فقد أسست صندوقا للأيام الصعبة بلغت ميزانيته 100 مليار دولار من عائدات النفط والغاز. وبلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا 30 مليار دولار في العام الماضي، طبقا لمجلة «الايكونوميست»، ولا تذهب كلها لقطاع النفط والغاز كما كان الأمر. ثم هناك بوينغ، فمركزها الذي يثير الاهتمام في موسكو يعمل نوبتين: الأولى بين السابعة صباحا والثالثة بعد الظهر والثانية بين الثالثة حتى الساعة الحادية عشرة ـ وهو يعني، بحساب فرق التوقيت، خلال ساعات العمل في الولايات المتحدة. وربما يصمم مهندس بوينغ روسي جزءا من مقدمة الطائرة 787 خلال اليوم، ثم يخزن عمله في الكومبيوتر. وفي الولايات المتحدة يتولى مهندس اميركي يعمل على جهاز كومبيوتر مماثل، العمل على نفس التصميم. ومن خلال الاتصالات الجماعية، يصبح الأمر وكأنهما يعملان في مكتب افتراضي طوال الوقت. واوضح سيرجي كوروسليف نائب رئيس بوينغ موسكو «لا توجد أوراق على الإطلاق. نقدم العرض الكترونيا، ولدينا جلسات اتصالات مع سياتل (مقر بوينغ)، ويشهد الجميع نفس التصميم ويتحدثون عنه. ومركزنا هو السبب الرئيسي وراء عدم هجرة الناس».

الا ان روسيا لديها تراث مميز في مجال الفضاء من عصر الاتحاد السوفياتي، ولذا فقد كانت المراكز التعليمية والمواهب موجودة، بحيث يمكن لبوينغ الاستفادة منها. الامر الذي تفتقر اليه روسيا هو نظام بيئي لضمان حقوق الملكية، ورجال الاستثمار والمخترعون المحليون والجامعات ومدارس الأعمال التي تخرج رجال أعمال يمتلكون الأفكار الجديدة. ولن يصبح «صنع في روسيا» ماركة عالمية ما دام إنفاق الشركات الروسية على الأبحاث هو من بين الأقل في العالم.

وقد نشرت «موسكو تايمز» في الفترة الأخيرة، أن جامعتين روسيتين فقط، هما جامعة موسكو وسانت بيترسبرغ ـ مسجلة بين اكبر 500 جامعة في العالم. وعندما تسير في شوارع بنغالور عاصمة التكنولوجيا في الهند، تشعر بوجود مدرسة للكومبيوتر أو لتعليم اللغة الإنجليزية في كل شارع. وبينما تسير في موسكو تشعر بوجود محل للأحذية او محل تجميل في كل شارع.

واشار مساعد سابق لبوتين الى ان روسيا مهتمة اهتماما كبيرا بتأسيس اقتصاد معلومات ما بعد المرحلة الصناعية، وليس قطاعا صناعيا يعتمد على الطاقة، بحيث يمكنها تصدير معظم نفطها وغازها، وليس استهلاكه في الداخل. ولكن ذلك يعني استثمارات هائلة في التعليم، وهو ما لم يحدث. وفي ما يلي توقعاتي: قل لي سعر النفط، وسأقول لك نوعية روسيا التي لدينا. اذا ما بقي سعر برميل النفط على مستواه الحالي وهو 60 دولارا، فستصبح روسيا مثل فنزويلا، لأنه سيصبح لدى قادتها المزيد من الأموال لتطبيق أسوأ الغرائز، مع رقابة وتوازن محدودين. واذا ما انخفض سعر البرميل الى 30 دولارا، فستصبح مثل النرويج. وإذا ما انخفض سعر البرميل إلى 15 دولارا، فيمكن أن تصبح مثل أميركا – اموال كافية تكفي لتقديم شبكة ضمان اجتماعي للأجيال المتقدمة في السن، ولكنها قليلة بحيث لا يمكن تطوير القيادات والمؤسسات لرعاية القوى الذهنية لشبابها.

* خدمة «نيويورك تايمز»
الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق