((خبير عربي: العولمة تسمح بتركيز الثروة في يد حفنة من البشر مقابل خريطة متسعة للفقر والحرمان في العالم))..
أكد الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة أن العولمة أدت إلى ارتفاع معدلات المرضى النفسيين في السنوات الأخيرة، مشددا في الوقت ذاته على إخفاقها في تحقق عالمية الوفرة في خدمات الصحة النفسية لسكان هذا العالم مقابل نجاحها في المجالات السياسية والاقتصادية.
ورأى عكاشة في مؤتمر "حوار الحضارات والمسارات المتنوعة للمعرفة" الذي يعقد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الفترة من 10- 13 شباط/فبراير 2007 أن للعولمة تأثيراتها السلبية الخطيرة على الصحة النفسية.
وقال عكاشة "أدى الاختلاف الثقافي والحضاري للمستخدمين إلى اتساع نطاق المواقف والمدارس التي تتناول المرض النفسي، كما أن الاختلاف الثقافي والعرقي لمقدمي الخدمة أدى إلى طيف واسع من التوجهات والمعتقدات الخاصة بالرعاية النفسية الصحية".
وأضاف في محاضرته التي حملت عنوان "الصحة النفسية بين العولمة والعالمية" أن حركات الهجرة الداخلية في البلاد النامية أدت إلى ارتفاع في معدلات الاضطرابات النفسية الناجمة عن الهجرة، وأدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لذلك إلى ارتفاع معدلات المرض النفسي.
ورأى رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي أن تطور تكنولوجيا المعلومات في كثير من بلدان العالم أدى إلى وفرة في المعرفة بما هو موجود من خدمات صحية في المجال النفسي دون أن تكون تلك الخدمات متاحة فعليا للاستخدام.
وبحسب عكاشة فإن العولمة "وفرت عالمية التشخيص والمعرفة بقواعد العلاج والتأهيل، كما أن التقدم العلمي في مجال الطب النفسي قد وفّر الإمكانية العلاجية لما كان مستعصيا على العلاج من الأمراض، إلا أن ارتفاع معدلات العنف والحروب والتمييز العنصري بسبب تطبيق العولمة سياسيا واقتصاديا ما زالت تمثل تحديا للقائمين على الصحة النفسية والمهمومين برفع المعاناة عن البشر.
وحول سبل نجاح عولمة الطب النفسي شدد عكاشة على "ضرورة المساواة في توفير خدمات الصحة النفسية والبحث العلمي لجميع المرضى النفسيين، في كل مكان"، مشيرا إلى أنه إذا صدقت العولمة التي وعدنا بها فمن الضروري أن يكون هناك إنصاف في توزيع الموارد المتوفرة للتشخيص والعلاج والتأهيل للجميع، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه".
ودعا عكاشة إلى ضم الأصوات من أجل إرساء مبدأ الرعاية للجميع على أساس من تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمة الصحية ومقاومة تهميش الفئات المستضعفة التي تمثل غالبية سكان العالم.
وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية -التي أعلنها عكاشة- فإن الإنفاق العام على الصحة النفسية يجب أن لا يقل عن 10 في المائة من إجمالي ميزانية الصحة، و75 في المائة من الخدمات يجب أن تكون موزعة بالتساوي بين جميع أنحاء البلاد ، و25 في المائة من أسرة المستشفيات العامة يجب أن تكون مخصصة للمرضى النفسيين، وأن أقرب وحدة رعاية نفسية يجب أن لا تبعد أكثر من مسافة ساعة بالسيارة عن المستخدمين.
وتوصي منظمة الصحة العالمية أن يكون الحد الأدنى من الموارد البشرية المتوفرة للصحة النفسية هي من 0.25- 1 طبيبا نفسيا لكل 10 آلاف من السكان، وأن يتراوح عدد الأسرة ما بين 5 - 8 أسرّة لكل 10 آلاف من السكان، وهو ما دعا عكاشة للتساؤل، مستغربا عدم توافر ذلك.
وقال "وعدتنا العولمة بعالم موحد، بقرية عالمية تذوب فيها الحدود والفوارق بين البشر.. لكن ما حققته فعليا هو توحيد للسوق العالمية، وللاقتصاد، وللعملة في بعض الأماكن"، مضيفا "ان انعدام المساواة في المعرفة والموارد أدى إلى نتيجة معاكسة تماما لما وعدت به العولمة بوجود أطراف محرومة من الموارد، ومن إمكانيات الدخول في سباق العولمة، ومن إنتاج المعرفة، والأكثر أنها تكاد تكون محرومة من الوجود".
واعتبر الدكتور عكاشة أن العولمة أنتجت أزمة قيادة، حيث تسمح بتركيز الثروة في يد حفنة من البشر وفي المقابل خريطة متسعة للفقر والحرمان، وأزمة ديمقراطية حيث يعيش 1.3 بليون شخص على دخول أقل من دولار واحد يوميا"، كما أن هناك أزمة اقتصادية حيث يوجد 1.5 بليون شخص محرومون من المياه النقية، وأزمة روحانية حيث استبدل الناس أملهم في حياة إنسانية بالأمل في التعويض في العالم الآخر، وأخيرا أزمة أخلاقية متمثلة في سعي القلة إلى فرض ثقافتهم على الأغلبية في هذا العالم. (قدس برس)
ميدل ايست اونلاين - القاهرة
العولمة تزيد من الأزمات النفسية في البلدان النامية
