هيئة علماء المسلمين في العراق

بوتين ... الواعظ الجديد للقانون الدولي-محمود المبارك
بوتين ... الواعظ الجديد للقانون الدولي-محمود المبارك بوتين ... الواعظ الجديد للقانون الدولي-محمود المبارك

بوتين ... الواعظ الجديد للقانون الدولي-محمود المبارك

من لطيف تعليقاته الساخرة على الإشاعة التي رمته بالوفاة حين أصيب بوعكة صحية، خرج الكاتب والكوميدي الأميركي السابق مارك توين على مجموعة من قومه وأضحكهم بقوله: The reports of my death have been a gross exaggeration «إن الأخبار التي نقلت خبر وفاتي كانت مبالغة سمجة»! مرت بخاطري هذه الطرفة حين وقفت على خطاب الزعيم الروسي بوتين الأخير الذي شن فيه هجوماً عنيفاً على الولايات المتحدة التي رفض الزعيم الروسي قطبيتها الواحدة، ولمَّح إلى أن هذه القطبية ستزول.

وعلى رغم أن خطاب الند الروسي أعاد إلى الأذهان من جديد سنوات الحرب الباردة، التي ولَّت من غير رجعة، إلا ان الرسالة التي يمكن أن تفهم من خطاب الزعيم الروسي ذات شقين. أما الشق الأول، فهو ازدراء روسي بالصقر الأميركي الذي يواجه تحديات صعبة في أفغانستان والعراق، ليست بعيدة من تلك التي واجهها الدب الروسي ذاته في أفغانستان.

وأما الشق الآخر، فهو تطلع روسي لإعادة مكان روسيا على الخريطة السياسية العالمية الذي فقدته منذ تفكك الاتحاد السوفياتي وتفرد الولايات المتحدة بالسيادة الدولية. فقد بدا واضحاً من لهجة الرئيس الروسي - التي لم تخل من التشفي- أنها تحمل في طياتها رسالة تشير - ولو من بعيد - إلى رغبة الروس في مشاركة الزعامة الأميركية من جديد. حيث جاء الخطاب الذي وصف بأنه أعنف خطاب ألقاه الزعيم الروسي منذ توليه الرئاسة عام 2000، في مؤتمر أمني عالمي، تم إنشاؤه في ذروة الحرب الباردة عام 1960. فالمكان هو أوروبا، حيث كان معقل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، وتحديداً ألمانيا التي شُطرت شطرين أثناء سنوات تلك الحرب. كما تزامن الخطاب مع الهزيمة العسكرية التي بدأت الولايات المتحدة تعترف بها في العراق وأفغانستان، الأمر الذي يكاد الند العسكري السابق للولايات المتحدة أن يعرب عن بهجته به.

ولكن اللافت في الخطاب المثير للجدل هو إشارة الرئيس الروسي إلى انتهاكات الولايات المتحدة الصارخة للقوانين الدولية. وفي الوقت الذي استغنى فيه الزعيم الروسي بالتلميح عن التصريح، ولم يشأ ذكر الانتهاكات الأميركية في العراق أو أفغانستان أو الصومال بالاسم، قال الرئيس بوتين: «إن الولايات المتحدة - بسبب تجاوزاتها القانونية الدولية المتعددة - لم تترك لأحد مجالاً في اللجوء إلى القانون الدولي».

ويبدو أن الواعظ الجديد للقانون الدولي أراد أن يوصل رسالته إلى ما هو أبعد من أوروبا، حيث يريد الوصول إلى المتضررين من سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي الدول العربية، التي يريد أن يبدأ معها حلفاً جديداً ضد «الهيمنة الأميركية».

وعلى رغم واقعية هذه الانتقادات الروسية للتجاوزات الأميركية، إلا انها تأتي من حكومة لها سبق وافر في خرق القوانين الدولية. فالزعيم العسكري الذي شارك في غزو بلاده لأفغانستان، وما زالت قواته تنتهك القانون الدولي وحقوق الانسان في الشيشان، كان عليه أن يقدر ذكاء ومعرفة مستمعيه بتاريخه وتاريخ بلاده غير الشريف.

فقد قامت القوات الروسية خلال عشر سنوات باغتيال أربعة رؤساء للشيشان، ومخالفات القوات الروسية قبل وصول بوتين للحكم وبعد وصوله في الأرض الشيشانية، ليست أقل من التجاوزات الأميركية التي ينبه إليها الرئيس الروسي.

فقد حذرت تقارير دولية عدة من وحشية الانتهاكات الدولية التي تقوم بها القوات الروسية في الشيشان، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر - قتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف من المدنيين بغير ذنب، إضافة إلى طرق التعذيب التي ابتدعها الروس. حيث ذكرت تقارير صحافية موثقة أن الروس يقومون بتكسير عظام الأيدي والأرجل بآلات حديدية، ويقومون بفقء الأعين والتعذيب بالصعق الكهربائي، إضافة إلى تجريد المعتقلين من ملابسهم واغتصاب عدد من النساء. وذكرت صحيفة «الصنداي تايمز» البريطانية في تغطية خاصة عن معتقلات التعذيب الروسية نقلاً عن شهود عيان أنه يتم إلقاء كل 12 مدنياً شيشانياً في حفرٍ عمقها 9 أمتار بجنوب الشيشان، ويحاط المحتجزون بعدد من الجنود الروس المدججين بالسلاح.

كما وصفت منظمة «هيومان رايتس واتش» في تقريرها السنوي لعام 2004، عمليات اختطاف الآلاف من المواطنين الشيشان التي تقوم بها السلطات الروسية بأنها «جريمة ضد الإنسانية أسوأ من الحرب». وتساءلت المنظمة الحقوقية الدولية في بيان لها عن سبب الصمت الأوروبي على الانتهاكات القانونية الدولية ضد الشيشان! حيث قالت المديرة التنفيذية لقسم أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة «هيومان رايتس واتش»: «إن غض الطرف عن الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية (في الشيشان) أمر غير مقبول أخلاقياً».

وفي تقرير لها في شهر أيار (مايو) 2005، أعادت المنظمة نفسها التأكيد على انه مع استمرار «حالات الاختفاء»، (وهو ما يعرف بالاختطاف) على نطاق واسع في الشيشان فإن تلك الممارسات ارتقت لمستوى ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» لا يجوز السكوت عليها.

وقبل أيام قليلة أكد مدافعون عن حقوق الإنسان أن روسيا تنتهك الحقوق من خلال إدراجها عملياتها العسكرية في الشيشان في إطار الحرب العالمية على «الإرهاب». وقالت الرئيسة الإيرلندية السابقة ومفوضة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة ماري روبنسون: «إن هناك عدداً من الانتهاكات التي لم تلق أي اهتمام لتعريف هذه الحرب (الروسية في الشيشان) بأنها ضد الإرهاب».

كما دعت لجنة دولية قبل أسابيع - في تقرير لها مكون من 12 صفحة - روسيا إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بشأن الاتهامات التي تنسب إليها معاملة معتقلين معاملة غير إنسانية تشمل القسوة والتعذيب، حيث إن روسيا من بين 142 دولة وقعت على معاهدة حظر التعذيب والممارسات القاسية.

ولعل الرئيس الروسي الذي يقوم بزيارة لعدد من الدول العربية، تشمل السعودية والأردن وقطر، يريد أن يصرف نظر هذه الدول عن ممارسات بلاده في الشيشان التي تربطها بهذه الدول رابطة الدين، إلى انتهاكات الولايات المتحدة، لتصبح عدواً مشتركاً، حين وصف التصرف الأميركي بـ «الخطير جداً» وحذر من ذلك بقوله: «إن دولة واحدة هي الولايات المتحدة تتجاوز حدودها الإقليمية بكل السبل». ثم أردف بقوله: «إن تطوير علاقات التعاون في مختلف المجالات بين دول العالم الإسلامي وروسيا الاتحادية قد يسهم في تخفيف هيمنة القطب الواحد الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية».

ولكن ربما كان من سوء حظ الرئيس الروسي أنه يأتي إلى المنطقة العربية في وقت بدأت فيه العقلية العربية تنضج أكثر وأكثر. فالمناورات الروسية يبدو أنها لن تنطلي هذه المرة، إذ أن الأمة العربية أصبحت أكثر وعياً مما مضى. وحال الحليف الروسي لا يخفى على القادة العرب أنه ليس أحسن حظاً من أخيه الأميركي.

من أجل ذلك، فلعل القادة العرب هذه المرة يأخذون هم أنفسهم زمام المبادرة ويضعون الرئيس الروسي تحت دائرة الدفاع عن النفس حين يطلبون منه شرحاً وافياً عن وضع القانون الدولي الإنساني في الشيشان!

المطلوب من الحكام العرب أن يتحدثوا إلى الزعيم الروسي بثقة كاملة في معرفتهم بالتاريخ بأن مارك توين قد مات في نهاية الأمر، وأن الولايات المتحدة كذلك لن تبقى سيدة العالم إلى ما لا نهاية، ولكن الأمة العربية والإسلامية لن ترضى ببديل هو من النوع نفسه.


* حقوقي دولي.
- الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق