غالبا ما اطلق علي سياسي العراق المحتل اسم (حكومة الاحتلال). الا ان الاشهر الاخيرة اثبتت ونتيجة الانهيار الكلي لاي هيكلة افتراضية لما قد يسمي حكومة بانني مخطئة تماما وعلي البحث عن مصطلح جديد يتماشي مع تحولات الموجودين في المنطقة الخضراء، تحت مسميات متعددة، وتلونهم بالوان تستعصي علي التسمية والمصطلح.
ومن باب النقاش علينا الاجابة اولا علي سؤال هو: هل هناك ما يستحق ان نطلق عليه اسم حكومة عراقية تحت الاحتلال؟ اعتقد ان التسمية خاطئة جملة وتفصيلا وتشبه في تركيبتها المضللة جملة طالما سمعناها في سن التلمذة كمثال علي جملة تبدو صحيحة ظاهريا الا انها لاتحتوي غير مجموعة اخطاء من نواحي اللغة والقواعد والمعني، وهي جملة (الخسن والخسين ثلاثتهم بنات معاوية) الدالة على خطأ كل مفردة الي حد يقتضي الغاؤها كلية.
من هذا المنطلق أجد ان تسمية الحكومة العراقية تحت الاحتلال مضللة ويتوجب الغاؤها لتصحيح التسمية والوضع في العراق عموما. ولنبدأ بمصطلح الحكومة. يشير معناه الي وجود حكومة تمثل مصالح الشعب وتحميه وتوفر له الامان والخدمات الصحية والتعليمية وحق العمل والحركة وحرية التعبير عن الرأي والاستقرار وتصون كرامته والاهم من ذلك كله ان توفر له ولعائلته حق الحياة. فهل تتوفر هذه المواصفات الاساسية بالمجموعات التي تطلق علي نفسها اسم الحكومة بل وغالبا اسم الحكومة المنتخبة ديمقراطيا؟ لا اظن ذلك. وهذا ليس مجرد رأي شخصي بل توثيقا لحقائق ورصد مستمر لكل ما لم تقم به (الحكومة) استنادا الي تقارير المنظمات الانسانية والدولية والقانونية علي اختلاف مسمياتها.
ولنأخذ مثال تهجير العراقيين داخل وخارج العراق حيث قام المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتوجيه نداء الي المجتمع الدولي لبذل المزيد من الجهود للمساعدة في رفع المعاناة عن العراقيين النازحين من بلدهم مع تدني الاوضاع الامنية هناك، اضافة الي دعم البلدان التي تستضيف اعداداً كبيرة منهم مثل الاردن وسورية. مشيرا الي ان الدول المستضيفة للعراقيين تواجه ضغوطاً كبيرة علي البني التحتية والخدمات الصحية وانظمتهم التعليمية، مما يتطلب مساعدتهم علي مواجهة هذا التحدي الكبير.
بالمقابل، ما الذي فعلته (الحكومة العراقية) صاحبة الشأن الاول للتقليل من قسوة اوضاع المواطنين ومساعدتهم ؟ لا شيء. بل انها زادت اوضاعهم سوءا عندما استخدمت المأساة لاغراض سياسية دعائية ولصالح سياسة العدو الامريكي المحتل ضد البلد الذي طالما فتح ذراعيه لاستقبال العراقيين والترحيب بهم علي اختلاف اتجاهاتهم ومعتقداتهم. فها هو المتحدث الرسمي باسم (الحكومة) يتهم سورية بتصدير الارهاب متناسيا حسب منطقه الاعوج بان هناك مليون عراقي نازح في سورية بينما لايزيد عدد اللاجئين السوريين في العراق، ان وجدوا، بضع مئات. مما يدل علي ان سياسة (الحكومة العراقية) هو تفريغ العراق من اهله كما فعل الصهاينة ايام احتلالهم فلسطين. وتبرع النائب محمد كاظم الحميداوي عضو الائتلاف العراقي الموحد بالقول (ان سورية لها دور سلبي في الساحة السياسية والاجتماعية العراقية) ووجه النائب اللوم الي سورية، وهنا المضحك المبكي، لانها لم تطبق لحد الان التزاماتها الاخلاقية والتي تمليها عليها الجيرة وحالة الاخاء القومي والاسلامي!
اما النائبة صفية السهيل عضو الكتلة العراقية والمعروفة بانها صاحبة الاصبع البنفسجي الذي رفعته تأييدا لبوش اثناء خطاب الاتحاد وخلال دورتها في المعسكرات الامريكية لدعم جنود الاحتلال في قتلهم وابادتهم للمواطنين العراقيين، فلم تتوان عن استخدام مأساة النازحين عكازا دعائيا. حيث صرحت للصحافة وبمنطق الاحتلال الملتوي بانها وجهت رسالة (الي الحكومة السورية دعت فيها الي ضرورة معاملة العراقيين بصورة تلائم وضعهم كلاجئين لأنهم ذهبوا الي سورية جراء أسباب قاهرة فهؤلاء لم يتركوا العراق برغبتهم وبالتالي هي قضية أنسانية عامة) وبدلا من ان توجه النائبة (المنتخبة) ذات المشاعر الانسانية اصبعها الي المسؤول الحقيقي عن المأساة اي سلطات الاحتلال أنحت باللوم علي سورية مذكرة البلد المستقبل للاجئين بأن (المواثيق العالمية تنص علي تأمين حق الاقامة وحق السكن والتعليم وما نراه في سورية هي معاملة سيئة للعراقيين ومواجهتهم لمخاطر كثيرة ونحن نطالب المفوضية السامية للاجئين بأن تأخذ هذا الامر بجدية وجمع الاموال لمعالجة مشكلة العراقيين في سورية كما أن الامم المتحدة مطالبة أيضا للضغط علي سورية للاعتراف بنظام حماية اللاجئين)، لتثبت في هذيانها بان شر البلية ما يضحك.
وعندما نرصد عمل (الحكومة) منذ الغزو وحتي اليوم سنجد بانها قد نفذت حقا العديد من المهام والاعمال الا انها، جميعا، كانت تصب في صالح المحتل وشرعنة الانتهاكات والترويج لها والتستر علي القتل والذبح والمقابر الجماعية وحملات المداهمة والترويع والاعتقالات، فكيف يطلق علي مجموعة كهذه اسم (حكومة)؟
المفردة الثانية هي صفة (عراقية). فهل هذه المجموعة عراقية حقا؟ اولا انها المجموعة التي طبلت وزمرت لشن الحرب علي العراق ولم تحسب حساب الضحايا الذين استشهدوا ولا البيوت التي خربت ولا العوائل المهجرة ولا المكتبات والمتاحف والمعارض التي نهبت وحرقت. كان همهم الاول والاخير شخصيا جوهره الانتقام الشخصي والنهب والسلطة. هذا قبل الحرب، اما بعده فقد تفتقت الاذهان عن كيفية الانتشار علي ارض العراق بواسطة فيروس الطائفية والعرقية. كل حزب ومنظمة صارت له راية بلون معين. كل راية تمثل طائفة واحدة لاغير وان نطقت كذبا ورياء باسم العراق. كل عازف يعزف علي هواه. الدليمي والهاشمي يناديان بتمثيل السنة بعد تلوين الشعارات بمصلحة العراق، والحكيم والمالكي والجعفري ومن لف لفهما يناديان بمظلومية الف عام وحق الشيعة في الولاية وبينهما يتلون آخرون بالوان الحرباء فمن الصدر (حسب صراعات حصة الخمس) والجلبي (حصة البيت الشيعي) الي مهزلة العلمانية الليبرالية السنية (الباججي) والحزب الشيوعي الشيعي الاسلامي (حميد موسي البياتي).
واجدني اقتبس هنا من الشابة العراقية صاحبة المدونة الالكترونية ريفر بيند قولها مرة ردا علي ان المتعاونين مع الاحتلال هم من العراقيين فاجابت: ليس كل من يولد في الاسطبل حصانا.
ولنعد الي المفردة الثالثة التي تصف الحكومة العراقية بانها تحت الاحتلال. هنا نجد ان المفردة خاطئة ايضا لانها تشير الي احتلال امريكي ـ بريطاني واضح المعالم، الا ان الواقع العراقي اليوم هو ابعد ما يكون عن توصيفة (تحت الاحتلال) بمعناها المتعارف عليه. فما هي القوات والجهات والقوي الفاعلة علي ارض العراق؟ هل هو الاحتلال العسكري بقيادته المدنية في البيت الابيض وداوننغ ستريت أم دمي الخرق في المنطقة الخضراء ونواب المجلس الذي لايطيق احدهم النظر الي وجه الآخر؟
ظاهريا، القوة الحقيقية ومصدر القرار هو الادارة السياسية للاحتلال في واشنطن وبدرجة أقل في لندن. وهذه الادارة مستندة الي وجود القوات العسكرية بتجهيزاتها او تقنيتها الحديثة. الا ان الادارة السياسية منقسمة علي نفسها جزئيا. وكذلك العسكرية ما بين القيادة الامريكية والبريطانية. هناك اذن جنود العدو المحتل بانواعهم، يليهم في العدد وتنوع السلاح والمعدات المرتزقة والمتعاقدين وعددهم 100 ألف. من بينهم هناك 48 ألفا يعملون كجنود مقاتلين بامرة قوات الاحتلال ليعوضوا عن قلة المتطوعين للقتال في العراق وتزايد عدد القتلي والارقام الهائلي للجرحي. والمعروف ان وجود الجرحي بالنسبة الي الادارة الامريكية مشكلة اكبر من القتلي لان رعايتهم علي مدي سنين مقبلة سيشكل استنزافا اقتصاديا كبيرا، كما انهم مثل جرحي الحرب علي فيتنام قد يصبحون ناشطين او شهودا ضد الحكومة نفسها. اما حراس المنشآت فان عددهم كبير جدا وقد تم انشاء فرقهم من الاجانب وبعض العراقيين من قبل بول بريمر وبالتعاون مع الجلبي عبر شركة خاصة للتدريب علي استخدام انواع الاسلحة. ما يميز هذه الفرق الخاصة والمرتزقة وحماية المنشآت هو انها لاتخضع للقانون العراقي. انها تتمتع بحصانة مطلقة من القضاء مهما ارتكبت من جرائم ومجازر. وكانت آخر جريمة ارتكبوها صباح يوم الخميس الماضي عندما أطلق افراد احدي شركات الحماية الأجنبية المرافقة لوفد اجنبي كان يزور وزارة العدل المجاورة لمبني شبكة الأعلام في منطقة الصالحية وسط بغداد، النار علي ثلاثة من حراس شبكة الاعلام العراقي كانوا يقومون بواجباتهم فوق سطح المبني مما أسفر عن مصرعهم في الحال.
ولا اعتقد ان هناك حاجة الي الكتابة عن الميليشيات وفرق الموت فالكل يعرف ان احزاب الطوائف هي التي خلقتها واشرفت علي تزويدها بالسلاح والرواتب المغرية.
هذا هو الحال ظاهريا، اما عمليا، فان المقاومة الوطنية هي صاحبة المبادرة حيث تشكل انتصاراتها وتطوير قدراتها وامكانياتها تحديا لامكانية جيش العدو علي تطوير مايسمي بآليات مواجهة (عمليات المتمردين) حسب تصريحات جورج بوش ووزير دفاعه. خاصة بعد ان بلغ عدد عمليات المقاومة الباسلة المستهدفة لقوات العدو المحتل مباشرة معدل 120 عملية يوميا حسب احصائية مؤسسة بروكنز انستتيوشنس الامريكية. وهي العمليات التي جعلت مفهوم (الحكومة العراقية) محض هراء.
القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
لماذا يستمرون باداء كوميديا تدعي الحكومة العراقية؟ - هيفاء زنكنة
