هيئة علماء المسلمين في العراق

زلة لسان تكشف المستور-بثينة شعبان
زلة لسان تكشف المستور-بثينة شعبان زلة لسان تكشف المستور-بثينة شعبان

زلة لسان تكشف المستور-بثينة شعبان

من القواعد الإعلامية الأساسية أن يلتزم الصحافيون بقرار المتحدث فيما يريد نشره، وما يتحدث به فقط للإحاطة والإضاءة. وكثير من الصحافيين يفضلون لقاء للإحاطة عن لقاء للنشر، إذا كانوا يرغبون بفهم خلفيات ما يحدث وأسبابه البعيدة وملابساته الخفيّة. وتحدث أحياناً أن لا يستطيع الإعلامي إخفاء ما يثير من معلومات أصبحت بحوزته فينقض العهد وينشر ما تمّ الاتفاق على أنه للعلم والإحاطة فقط. وعلّ هذه هي الحال مع الإعلاميين الذين قابلوا الرئيس شيراك منذ أيام والذي تحدث عن «محو طهران» وأن الخطر الحقيقي ليس القنبلة التي ستمتلكها إيران بل مساعدتها الممكنة لدول أخرى: «سوف تساعد الآخرين على القيام بذلك «الحصول على القنبلة النووية».لماذا لا تقوم السعودية ببناء واحدة؟ لماذا لا تساعد مصر على بناء واحدة أيضاً؟ هذا هو الخطر الحقيقي».إذاً الخطر الحقيقي لا يكمن في الفرق بين السنة والشيعة، أو في الخطر الذي تمثله إيران على العرب، كما يقال في المقابلات المسجلة، بل الخطر الحقيقي هو امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية واحتمال تسريب هذه التكنولوجيا إلى دول إسلامية أخرى، وتقويض احتكار إسرائيل لهذه التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أنّ كلّ الدراسات تشير إلى أنّ الطاقة النووية السلمية ستكون المصدر الأساسي للطاقة خلال العقود القادمة. ما نشر على لسان شيراك، وإن سارع إلى نفيه بعد يومين، يعني أن المعاملة التي تلقاها إيران من الغرب هي المعاملة ذاتها التي كانت ستواجه مصر أو السعودية أو أي دولة مسلمة تحاول أن تحصل على قدرات نووية حتى، إن كانت سلمية، أو أن تتجرأ بأن تضع نفسها في مصاف الدول التي يُحسب لها حساب. وهذا الاستنتاج ليس بحاجة إلى برهان، إذ ما هو السبب الذي دفع بالغرب لشنّ هذه الحرب المدمّرة على العراق؟ أوليس، أولاً وقبل كلّ شيء، امتلاك العراق للتكنولوجيا التي مكنته من تصنيع وتطوير وإطلاق الصواريخ، والأهم وصوله إلى المرحلة النووية، مما دفع بإسرائيل، وبموافقة الدول الغربية، دون استثناء، إلى شن الهجمات لتدمير مفاعلاته النووية، وهو يخوض حرباً بالوكالة عن الغرب ضدّ إيران الخمينية!! واستكملت هذه الهجمات بالحصار والحرب الأميركية الحالية على العراق من أجل تدمير البنية التحتية لأي إنجاز تقني أو علمي، وقتل العلماء العراقيين وتهجيرهم بحيث لن يصل العراق إلى المرحلة العلمية التي كان يتمتع بها في الثمانينيات لمائة عام قادمة. وواكبت هذه الخسارة الهائلة مآسي إنسانية واجتماعية تشكل محرقة حقيقية جارية حالياً للملايين من العراقيين على يد الغربيين الذين ارتكبوا محارق أخرى في الجزائر وهيروشيما وألمانيا وفيتنام دون وازع من ضمير.

واستسهال «محو طهران» من قبل رئيس غربي علماني، ولكنه يمنع الحجاب، وديمقراطي ولكنه يمنع قناة المنار، بعد أن تمّ «محو بابل»، وإلحاق الأذى الإجرامي بحضارة بلاد الرافدين، دون أن يرفّ لأحد جفن، يذكّر «بزلة لسان أخرى» تبرهن أحداث اليوم أنها كانت خطة مدبرة يتم تنفيذها، وليست على الإطلاق زلّة لسان. ذلك حين تحدث الرئيس بوش قبل الحرب على العراق عن «حرب صليبية» جديدة يشنّها على المسلمين، وتمّ التراجع عن العبارة وتبريرها، وأيضاً حين لم ينتبه الرئيس بوش أن الميكرفون مفتوحاً في قمة الثمانية وطالب «بالتخلص من حزب الله وإنهاء المسألة»! إن ما تكشفه «زلات اللسان» هذا هو جوهر السياسة الغربية حيال العالمين العربي والإسلامي، وإن كلّ ما صدر من قوانين في الغرب تسمح بتجريم المسلمين دون أدنى برهان. إن كلّ الحروب التي شنّت منذ ذلك الوقت على العراق والسودان والصومال ولبنان والفتن التي اخترعوها للمنطقة بين السنّة والشّيعة، أو المسلمين والمسيحيين، هي خطوات تنفيذية لحرب الغرب على العرب والمسلمين والاستهانة بحياتهم وأرضهم ومياههم ومستقبل أجيالهم. ولسنا بحاجة إلى أية «زلّة لسان» اليوم لندرك أن حياة العربي والمسلم لا تساوي شيئاً بالنسبة للغرب، وأن العراقيين تحولوا إلى مجرّد أرقام مقتولة، أو أرقام مهاجرة، أو أرقام نازحة، في بلد هو الأغنى بين الدول العربية بخيراته البشرية والمادية والحضارية.

ولم نعد اليوم، نحن أبناء هذه المنطقة، بحاجة إلى «زلاّت لسان» أو إلى«مايكروفونات منسيّة مفتوحة» كي نتوصل إلى جوهر ما يجري لبلداننا ومنطقتنا داخل أروقة التخطيط السياسي للدوائر الحاكمة في الغرب. فالولايات المتحدة لم تفشل في أفغانستان والعراق، وإلى حدّ ما، في الصومال، بل نجحت في تدمير طاقات وشعوب هذه البلدان لوضع يدها على خيراتها وإلغاء احتمال توصّل العراق إلى عتبة تقنية قد تتسرّب منه إلى الدول العربية والمسلمة فتضعهم على الخارطة الدولية كما لا يراد لهم أن يكونوا. والحرب الإسرائيلية ـ الأميركية على لبنان هدفت في جوهرها إلى إلغاء فكرة المقاومة من أذهان العرب وتكريس القناعة بالتسليم لإسرائيل كقوة عظمى في المنطقة لا تقهر، وحيث فشلت كلّ حساباتهم في تحقيق ذلك، لجأوا إلى إثارة الفتنة بين البلدان العربية من جهة، وبالتوازي بين السنّة والشيعة، مرّة، وبين حماس وفتح، مرّة أخرى، وبين الأقباط والمسلمين من جهة، والعرب والأكراد، من جهة أخرى، أسلوب بديل لتفتيت الجهود وإضاعة البوصلة لدى شعب عربيّ لو اتّحد في بلدانه العربية، أو البلدان الإسلامية لحقّق حضوراً حقيقياً على الساحة الدولية تحفظ كرامة أبنائه من ذلّ الاعتقال والتعذيب والسجون، والحصار والعقوبات العنصرية، كما تحفظ دماء الشباب المتوقّد الذي يتمّ اغتياله أو اعتقاله أو إذلاله كلّ يوم في فلسطين والعراق وغيرهما، في استباحة مشينة للحياة الإنسانية أولاً، وفي استهانة فاضحة بكلّ عربيّ ومسلم. والهدف الحقيقي من تهويل المشروع النووي الإيراني، هو إبقاء المسلمين بمنأى عن التكنولوجيا النووية، والتي سوف تكون البديل الأساسي للطاقة في العقود المقبلة، فيبقى العرب والمسلمون، كما أريد لهم، مستهلكين للمنتج الغربي، وسوقاً أساسياً له، ومصدراً لليد العاملة الرخيصة، وبعيدين كلّ البعد عن موقع الأنداد في الساحة الإقليمية أو الدولية.

لسنا بحاجة إلى «زلّة لسان» اليوم لندرك جميعاً أنّ البديل الآخر لتدمير المقاومة هو إثارة الفتنة ضدّها من داخل البلدان العربية واختراع التقسيمات الواهية بين العرب لشقّ صفوفهم وبعثرة قوتهم وإلهائهم عن ملاحقة المجرمين بحقّهم وحقّ شعوبهم. وها نحن نشهد حتى الولايات المتحدة، الحليف الصنوّ لإسرائيل، توبّخ إسرائيل على استخدامها القنابل العنقودية في لبنان وطالبت منظمات دولية بتجريم إسرائيل لاستخدام اليورانيوم المنضّب، بينما لم ترفع حكومة لبنان قضية واحدة ضدّ إسرائيل على الساحة الدولية. وها هي إسرائيل اليوم تقضم آلاف الدونمات في سباق مع الزمن قبل أن تنتهي جهود إحياء الرباعية ولقاءات مدبّرة إلى صفقة تسوية القضية الفلسطينية على الوضع الراهن والتّنكر للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وتغيير أو هدم المسجد الأقصى، والعرب في غفلة من أمرهم يراقبون بعضهم، ويحاربون بعضهم البعض، ويُشكّكون ببعضهم، بينما تنتج مراكز الأبحاث الأميركية والإسرائيلية المزيد من الأوراق لزرع نار الفتنة بينهم وإضعافهم، وتمزيقهم، وشرذمة طاقاتهم كي لا تقوم لهم قائمة بعد اليوم. إذا كان شيراك يتحدّث مع الإعلاميين عن «محو طهران»، وعن أنّ الخطر الحقيقي هو أن تصل التكنولوجيا النووية إلى مصر أو السعودية، فما الذي يقوله شيراك، إذاً مثلاً لأقرانه، في حفل عشاء الأطلسي أو في حفل عشاء مع الرئيس بوش والسيدة رايس لا يحضره الإعلام ولا يعتريه تسجيل؟!! إنّ ما يجري لبلداننا يكشف لنا ما يمكن أن يدور في تلك اللقاءات المغلقة، وهو أنّ «العرب لا يستحقّون الحياة، وأنهم إذا لم تقتلهم إسرائيل أو الولايات المتحدة يقتلون بعضهم بعضا»، وأنّه لديهم «المال والنفط ولكن ليس لديهم الإمكانيات لإدارة هذه الموارد»!. والمسألة الجوهرية ليست ما يقولون، أو حتى ما يفعلون، ولكن ماذا نقول لأجيال المستقبل ونحن ماضون في تنفيذ ما يُخطّط لنا من محرقة دموية، كمن يمشي مكبّا على وجهه إلى حتفه. إنّ ما كشفته «زلّة لسان» شيراك هو أنهم لا يميّزون بين إيران والسعودية، وحتماً لا يميّزون بين بلد عربيّ وآخر ولكنّهم يستغلّون الضعف العربيّ لإنزال أسوأ الأقدار ببلداننا وشعوبنا.

- الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق