هيئة علماء المسلمين في العراق

هل بوش على حق؟-إيان بريمر
هل بوش على حق؟-إيان بريمر هل بوش على حق؟-إيان بريمر

هل بوش على حق؟-إيان بريمر

أياً كانت تصورات المنتقدين في الداخل والخارج، فإن “الموجة” التي يعتزم الرئيس بوش إرسالها إلى بغداد ليست مجرد زيادة في أعداد القوات هناك؛ فهي تشكل استراتيجية إقليمية جديدة وتحمل في طياتها قدراً هائلاً من المجازفة. من الواضح أن خطة بوش الجديدة هذه سوف يتبين أنها مجرد محاولة هزيلة، وبعد فوات الأوان، لتحقيق الاستقرار في العراق. إلا أنها في الحقيقة تقدم للولايات المتحدة بعض الفوائد الأبعد أمداً فيما يتصل بالمعركة الإقليمية بينها وبين إيران لمحاولة بسط النفوذ في المنطقة.

ويتلخص العنصر الأساسي في هذه الاستراتيجية في قرار بوش بتكثيف وتصعيد القتال ضد أكثر ميليشيات العراق قوة، جيش المهدي. فقد أصبحت هذه الجماعة، تحت السيطرة الشكلية لرجل الدين المقاتل مقتدى الصدر، تشكل القوة المقاتلة الأضخم والأفضل تسليحاً في العراق، وباتت تسعى إلى تنفيذ أجندة سياسية وأمنية خاصة بها.

لقد اشتبك جيش المهدي مع قوات الولايات المتحدة من قبل في أكثر من موقعة، وكانت الموقعة الأشد بروزاً تلك التي دارت في إطارها معارك شرسة لفرض السيطرة على مدينتي النجف وكربلاء في جنوب العراق في العام ،2004 ولقد انتهت تلك المواجهات إلى الهدنة على نحو أو آخر على الرغم من استمرار المناوشات وذلك لأن قوات الولايات المتحدة كانت غير راغبة في مقاتلة التمرد السُنّي والميليشيات الشيعية في نفس الوقت.

كما كان نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي كارهاً لمواجهة جيش المهدي، ويرجع ذلك في الأساس إلى أن الدعم الذي يقدمه الموالون للصدر في البرلمان العراقي يشكل عنصراً حاسماً بالنسبة لبقاء المالكي على الصعيد السياسي. والآن يبدو أن قوات الولايات المتحدة باتت على استعداد لتولي هذه المهمة بدلاً من انتظار تحركات المالكي.

وإذا ما تمكنوا من إضعاف قوة هذه الميليشيا بصورة ملموسة، أو على الأقل حصر نفوذها داخل الأحياء الشيعية الفقيرة في بغداد، فلسوف تصبح الحكومة العراقية في موقف أفضل بعض الشيء بحيث تتمكن من تأليف قوة أمنية معقولة، كما سيصبح بوسع بوش أن يزعم لنفسه تحقيق بعض النجاح. الحقيقة أن الاستراتيجية الجديدة تدرك، على أقل تقدير، أن التحدي الأعظم الذي يواجه الاستقرار في العراق على الأمد القريب يتمثل في الميليشيات بصورة عامة وجيش المهدي بصورة خاصة.

فضلاً عن ذلك، هناك الصراع المتصاعد والأكثر اتساعاً مع إيران. وتؤكد اللغة الرسمية التي تستخدمها الولايات المتحدة مؤخراً، والتحركات الفعلية التي تنفذها بما في ذلك إلقاء القبض على خمسة إيرانيين في أربيل في أوائل شهر يناير/كانون الثاني والتفويض الصادر عن بوش باستخدام القوة المميتة ضد الإيرانيين الذين يهددون أمن العراق أو سلامة قوات الولايات المتحدة على الرغبة في تبني توجه أكثر ميلاً إلى المجابهة في التعامل مع النفوذ الإيراني داخل العراق. إلا أن هذا يشير أيضاً إلى إدراك حقيقة مفادها أن الجهود التي تبذلها إيران لبسط نفوذها الإقليمي تشكل التحدي الأعظم في مواجهة احتمالات تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط على الأمد البعيد.

مما لا شك فيه أن استراتيجية بوش الجديدة ليس من المرجح على الإطلاق أن تساعد العراقيين تفادي الانزلاق إلى أتون حرب أهلية طائفية مهلكة. ذلك أن الزيادة المؤقتة لأعداد القوات بنسبة 16% من القوات الأمريكية الموجودة حالياً في العراق لا تكفي لتنفيذ هذه المهمة. ويصر بوش على مزاعمه التي تؤكد أنه في وقت قريب سوف يصبح عدد القوات الأمريكية في وسط العراق كافياً “للاحتفاظ” بالمناطق التي تستولي عليها من الميليشيات والمتمردين. ولكن إلى متى؟ شهر واحد؟ أربعة أشهر؟ ثلاثة أشهر؟ إن القوات الأمريكية سوف تترك العراق في النهاية لا محالة، وكل الأطراف المعنية حكومة المالكي، والميليشيات الشيعية، والمتمردين السنة، وإيران، والدول العربية المجاورة للعراق تدرك هذه الحقيقة. ويستطيع الصدر ببساطة أن يتراجع وينتظر حتى يخرج الأمريكيون.

فضلاً عن ذلك فإن أي حل ممكن في العراق يتطلب الاتفاق السياسي بين كافة الطوائف العراقية، الأمر الذي سوف يعتمد بدوره على استعداد هذه الطوائف للتسوية والتنازل. وهذا يعني ضرورة إعداد القوانين التي تضمن التقسيم العادل لأرباح العراق من النفط، ولابد وأن تكون كافة الطوائف على ثقة تامة من أن ما اتفِق عليه بينهم سوف يُنَفّذ بالفعل.

وفي النهاية يجب ألا ننسى أن استراتيجية بوش الجديدة ما زالت تواجه العديد من التحديات في الداخل. ذلك أن عدداً بسيطاً من الأمريكيين وبالتالي القليل من المشرعين في الولايات المتحدة يثقون في الكيفية التي يدير بها بوش الأزمة العراقية. وإذا ما فشلت الاستراتيجية الجديدة في تقديم نتائج إيجابية وملموسة خلال بضعة أشهر، فلسوف تعلو في الداخل الأصوات المنادية بسحب القوات من العراق حتى تصم الآذان. والحقيقة أن أي ارتفاع حاد في خسائر الولايات المتحدة في الأرواح هناك لابد وأن يؤدي إلى تفاقم الضغوط من جانب المطالبين بالخروج.

على الرغم من كل ذلك إلا أن الاستراتيجية الجديدة تحمل في طياتها بعض الفوائد. فهي أولاً تتجنب إشراك المالكي بصورة مباشرة، الأمر الذي يعني أن الضرر السياسي الذي سيلحق به سيكون أقل مما لو كان شريكاً فعلياً في هجمات الولايات المتحدة على الشيعة العراقيين. ولسوف تؤدي تحركات الولايات المتحدة إلى انتقاد العراقيين للمالكي باعتباره شخصاً عاجزاً ضعيفاً أو ألعوبة في أيدي الأمريكيين، إلا أن هذه الاتهامات موجهة إليه بالفعل. ولا شيء قد يكون أكثر ضرراً بالنسبة للمالكي من موافقته الصريحة على شن الهجمات على الميليشيات الشيعية. والحقيقة أن بقاء حكومة المالكي يشكل عنصراً حاسماً في مواجهة التحديات السياسية التي تواجه كافة الطوائف العراقية.

الأمر الثاني أن الاستراتيجية الجديدة سوف تؤدي إلى انشغال جيش المهدي بصورة دائمة. ذلك أن ميليشيا الصدر تهدد بالتحول السريع إلى نسخة عراقية مطابقة لحزب الله في لبنان: أو جيش خاص جيد التسليح ومترابط سياسياً وينتهج سياسة خارجية خاصة به. وكلما تمكنت قوات الولايات المتحدة من إضعاف موقف جيش المهدي وإرغام الصدر على اتخاذ خطوات سياسية رامية إلى إنقاذ ماء الوجه، فلسوف تكون هذه الميليشيا أكثر ضعفاً مقارنة بالقوى الأخرى في العراق بعد رحيل قوات الولايات المتحدة.

حين ينهار العراق، وهو الأمر الذي يبدو الآن محتوماً، فلسوف تحتاج الولايات المتحدة إلى أكبر عدد ممكن من الأصدقاء في المنطقة، وبصورة خاصة مع تصاعد وتيرة وحدة المعركة بين الولايات المتحدة وإيران على بسط النفوذ الإقليمي والنزاع بشأن برنامجها النووي. وبصرف النظر عن أي عامل آخر، فإن وجود عدو مشترك من شأنه أن يساعد الولايات المتحدة وحلفائها العرب على إصلاح الروابط المتضررة بين الطرفين.



* رئيس مجموعة أوراسيا، وهي الهيئة الاستشارية المختصة بدراسة المجازفة السياسية العالمية. ومن مؤلفاته كتاب “المنحنى جيه: سبيل جديد إلى فهم أسباب نهوض الأمم وسقوطها”. والمقال ينشر بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”

الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق