هيئة علماء المسلمين في العراق

الوطنية حين تصير دعاية -ديفيد إدواردز
الوطنية حين تصير دعاية -ديفيد إدواردز الوطنية حين تصير دعاية -ديفيد إدواردز

الوطنية حين تصير دعاية -ديفيد إدواردز

في أعقاب وفاة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في يونيو/ حزيران عام ،2004 أورد موقع “فير” (الإنصاف والدقة في إعداد التقارير الصحافية)، وهو إحدى العيون الرقابية الساهرة التي ترصد نشاط الآلة الإعلامية الجبارة في الولايات المتحدة، أن صحفاً أمريكية كبرى استخدمت عبارة “فرق الموت” خمس مرات فحسب فيما يتعلق بريجان، منها اثنتان وردتا في رسائل إلى رئيس التحرير. أما الشبكات التلفزيونية الأمريكية الكبرى الثلاث فلم تتطرق لا هي ولا شبكة ال “سي. ان. ان” ولا “فوكس نيوز” لفرق الموت لا من قريب ولا من بعيد.

والتاريخ يسطر مع ذلك بحروف حمراء أن الأعوام الثمانية من ولاية ريجان تمخضت عن حمامات دم، فيما عكفت واشنطن على ضخ الأموال والأسلحة إلى الطغاة من زبائنها، وإمدادهم بفرق التدريب وكافة مقومات البطش والجبروت، ودأبت على تزويد فرق الموت المرعبة من الأجنحة اليمينية المتطرفة في كافة أنحاء أمريكا الوسطى بكل ما يلزم لضمان أن تكون لها اليد العليا في هذه الصراعات الدموية التي افتعلتها. وأما العواقب فكانت كارثية بكل المقاييس، وجاءت ثمار هذه التدخلات غاية في المرارة، وحصدت عمليات القتل والتصفيات السياسية أرواح 70 ألف شخص في السلفادور، ومائة ألف ضحية في جواتيمالا، وأزهقت أرواح ثلاثين ألف شخص في حرب الكونترا الأمريكية التي شنتها الولايات المتحدة ضد نيكاراجوا التي يصفها الصحافي آلان فيرن بأنها “إحدى أضخم وأشرس حملات القتل الجماعي المروع في التاريخ الحديث”.

ومر الزمن سريعاً إلى أن وصلنا إلى حدث وفاة الرئيس الأسبق جيرالد فورد يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول 2006. وعثر بحث مستفيض لقواعد المعلومات الإعلامية (ميديا لينس 2 يناير/ كانون الثاني) بعد جهد جهيد على ذكر لمرة واحدة يتيمة في الصحافة الأمريكية بقضها وقضيضها تناول فيها مسؤولية فورد عن مذابح جماعية في تيمور الشرقية.

ورد هذا في رسالة إلى رئيس تحرير جريدة “سان فرانسيسكو كرونيكل” بتاريخ 28 ديسمبر/ كانون الأول حيث تطرق كاتب الرسالة إلى هذا الموضوع بقوله: “في عام 1975 أعطى جيرالد فورد الضوء الأخضر لسوهارتو، الذي كان رئيساً لأندونيسيا آنذاك لغزو تيمور الشرقية. وأسفر هذا الغزو لبلد كان يتمتع بالسيادة عن مقتل ثلث سكان تيمور الشرقية، وأفرز ربع قرن من المقاومة والمآسي والفظائع قبل أن تظفر هذه البقعة من العالم باستقلالها، وإن كان صورياً في عام 999ھ. وأما الأسلحة التي استخدمتها أندونيسيا فقد أمدتها بها الولايات المتحدة في انتهاك للقانون الأمريكي الذي ينص على أن إمداد الدول الأجنبية بالأسلحة والعتاد العسكري لا بد من وقفه إذا استخدم هذا السلاح لمهاجمة بلد آخر”.

وعلى نحو مماثل، ثمة إشارة يتيمة في الصحافة البريطانية وردت بقلم كريستوفر هنشينز على صفحة “الميرور” اللندنية قال فيها: “كان كيسنجر وفورد هما اللذين منحا الإذن لجنرالات اندونيسيا ليقوموا بهذا الضم غير القانوني لتيمور الشرقية، وهي العملية التي سرعان ما تحولت إلى إبادة جماعية على نطاق واسع فنحن هنا إذن أمام صمت إعلامي وصحافي مطبق مريب.

وعلى النقيض من ذلك، في أعقاب قتل عصابة من الغوغاء الذين انفلتت غرائزهم وتفجر حقدهم لصدام حسين بصورة وحشية في 30 ديسمبر/ كانون الأول، انبرى الإعلام البريطاني والأمريكي لنبش قصص فظائع صدام من مرقدها، وغص هذا الاعلام بوصف ما ارتكب من شنائع: فالهجوم الكيماوي بالغازات على حلبجة وحده تطرقت الصحافة الأمريكية إلى ذكره 74 مرة والبريطانية 29 مرة.

وكما أتينا على وصفه في هذا العمود في نوفمبر الماضي، فإنه في حين ركز الإعلام الغربي على تضخيم جرائم صدام بشكل مكثف ومبرمج تجاهل في ذات الوقت تواطؤ الولايات المتحدة وبريطانيا في هذا كله. فمنذ اعدام الرجل لم يرد أي ذكر في الصحافة البريطانية والإعلام لدعم ال”سي. آي. ايه” لصدام حسين، ولا لتزويد أمريكا وبريطانيا له بأسوأ أنواع الأسلحة. ففي النعي الذي بثته هيئة ال “بي. بي. سي” على الشبكة بتاريخ 30 ديسمبر/ كانون الأول، لم يرد في النبذة عن حياته أي ذكر على الاطلاق لدعم الغرب له. وفي مقال طويل عن حياة صدام نشر في “النيويورك تايمز” اقتصر جون. اف. بيرنز في تعليقاته على هذه البقعة السوداء على جملة واحدة: “في حقبة الثمانينات دعمت الولايات المتحدة العراق تحت حكم الرئيس صدام حسين في حربه ضد إيران”.

ولطالما انهمكت آلة الدعاية المتعصبة في وطنيتها الشوفينية في المزيد من التعزيز والترسيخ لهذه الصورة المشوهة.

ففي 24 ديسمبر أبرزت صحيفة “الاندبندنت” على الصفحة الأولى من عدد يوم الأحد صورة جندي بريطاني يحدق في الفضاء البعيد بنظرة مستغرقة تنضح بالبؤس والاكتئاب والحزن. ونقرأ في الترويسة التذكارية التي طبعت بأحرف ضخمة ممتدة على عرض الصفحة ما يلي: “إصدار تذكاري بمناسبة الكريسماس مهدى إلى جنودنا على جبهات القتال. رسائل من الجبهات، ص 8 15”.

وثمة مشكلة أخرى هي من سمات هذا الإعلام الوطني المتعصب والشوفيني، ألا وهي أنه يهرب من النقاش النزيه الجاد وينأى بنفسه عن التفكير السديد المسؤول.

فهل يكفي في نهاية المطاف إن نقول عن القوات المسلحة البريطانية: “قواتنا تفلح في تأقلمها مع الظروف وتحرز المزيد من النجاح في هذا السبيل، ولطالما نجحت في ذلك في الماضي. ولسوف تنجح دائماً في المستقبل”؟

وفي الحقيقة، فإنه وفقاً للبنتاجون، رفض نحو ستة آلاف فرد من أفراد القوات المسلحة الأمريكية، بين جنود وضباط البقاء في مواقعهم العسكرية، وأبوا الاستمرار في الخدمة الفعلية منذ أن بدأت الحرب (خلال حرب فيتنام رفض قرابة 170 ألفاً من المطلوبين للتجنيد الإجباري الانخراط في صفوف الجيش، وذلك بتسجيل أنفسهم باعتبارهم رافضين للخدمة بوازع من ضمائرهم).

لكن هذا هو في الحقيقة ما لا تفتأ حتى أفضل وسائل وأجهزة إعلامنا أن تفعله إذ تنقع عقول وأذهان الرأي العام وتغرقها في بركة آسنة من الأفكار التي تنأى بالناس عن القدرة على المحاكمة العقلية، وتتنكب بهم عن العقلية الانتقادية والتفكير التحليلي المتبصر، وتبعدهم عن الإحساس بالمسؤولية الشخصية.



* كاتب صحافي محلل وناقد سياسي
يشارك في تحرير ميديا لينس.

- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق