مايو نيوز- حاوره في صنعاء- عبدالله السالمي -
لقاء مع المؤرخ الاستاذ الدكتور نزار الحديثي عميد كلية آداب جامعة بغداد سابقاً: من يقتل شعب العراق ليسوا المقاومة
قبل أسبوعين سجلت مع الدكتور نزار عبد اللطيف الحديثي أستاذ تاريخ العرب في كلية الآداب بجامعة صنعاء حواراً أردت له أن يستوعب بعض تفاصيل ثلاثة محاور ، عن مستقبل المنطقة في ظل إحداثيات حاضرها وماضيها المرتبطة بأسس الحضور العربي والتواجد الحضاري أولا، ثم مستقبل اليمن في ضوء إحداثياته داخلياً وفي محيطه الإقليمي والعربي والدولي ثانياً، وصولاً إلى مستقبل الدرس التاريخي الأكاديمي .. أو التدريس للتاريخ أكاديميا ثالثاً...
وإذ كنت قد حرصت أن يسير الحوار كما خططت له فإن هذا الجزء الذي ننشره الآن كما جاء عن المحور الأول قد يظهر - والسبب واضح- طغيان المسألة العراقية على سواها.. وللتذكير فإن الدكتور الحديثي كان عميد كلية الآداب بجامعة بغداد، ونائب رئيس المجمع العلمي حتى الاحتلال الأمريكي للعراق - حسب قوله- فإلى الجزء الأول من الحوار:
* كأستاذ تاريخ - ونحن في مفتتح عام جديد - لنبدأ الحديث معك من قراءتك لمستقبل المنطقة في ظل إحداثيات التاريخ الماضي القريب والبعيد؟
- الحدث الرئيسي الذي يتحكم في المنطقة هو القضية الفلسطينية، ولو تابعنا السياسيات العالمية في المنطقة، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن لوجدنا إن هذه القضية هي التي تتحكم بالمتغيرات في المنطقة مهما كانت درجة قربها أو بعدها جغرافيا عن فلسطين.. على هذا الأساس، وبما أن القضية الفلسطينية حتى الآن لم تحظ بسياسات تؤدي إلى حل القضية وفقاً لمنطق الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني فمعنى هذا إن المنطقة سوف تظل تشهد تغيرات وتحولات ليس بالضرورة بنفس الصورة التي حصلت في العراق في 2003م، وإنما بأشكال أخرى.. لأننا نعرف إن السبب الأول والأخير في الغزو الأمريكي للعراق هو ليس كل الحجج التي أعلنتها الإدارة الأمريكية قبل الغزو، فقد أثبت الواقع- الذي كان يتحكم في تفاصيله وحركته الأمريكان- ان هذه الشعارات كانت كاذبة والغرض منها تضليل الرأي العام العالمي.. جوهر القضية والى يوم إعدام الرئيس العراقي صدام حسين هو الاعتراف بإسرائيل.. لأن العراق كان يرفض الاعتراف بإسرائيل، ويعتبر تأمين الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني أساس أي حل.. فكان يشكل عامل إرباك وإحراج لكل المشاريع الأمريكية الخاصة بفلسطين.. نعم هناك حاجة أمريكية وغربية إلى النفط .. وهناك متغيرات دولية ليست بالضرورة موجودة في المنطقة العربية، لكن العراق يستطيع إن يتحكم فيها، لكن تبقى القضية الأولى والأخيرة هي قضية فلسطين.. على هذا الأساس قامت الولايات المتحدة بعد قيادتها لفريق عربي واسع فيما يسمى بمفاوضات أوسلو واتفاقيات كامب ديفد وما تبعها بغزو العراق لأنه الوحيد الذي بقي خارج هذه الدائرة.. الآن وقد فشل المشروع الأمريكي في العرق، ولم يحقق أهدافه وأصبح عاجزاً عن إن يتطور باتجاه أي بلد آخر سواء أكان عربياً أو غير عربي.. هذا الفشل أدى إلى تأجيج نوع من الشعور بأن هناك قدرة على مواجهة أمريكا وليس كما بشر الحكام العرب بعدم وجود القدرة على مقاومة أمريكا ، واتخذوا هذا التبشير ذريعة للركوع والخضوع أمام السياسة الأمريكية.
* اسمح لي دكتور.. قلت إن الهدف في الأساس هو الاعتراف بإسرائيل.. أو تأمين الوجود الإسرائيلي في الشرق الأوسط .. هل ترى إن الوضعية للحكومة الحالية في العراق بكل ما فيها يمكن أن تعبر في المدى القريب عن أهداف هذا المشروع؟
- كيف.. ماذا تعني؟
* أن تعترف مثل هذه التشكيلة بإسرائيل؟
- هي معترفة.. إسرائيل موجودة الآن في العراق في شكل مكاتب استخبارات ومخابرات حتى ضمن القوات الأمريكية هناك قوات إسرائيلية.. لم يعد الاعتراف الدبلوماسي هو المطلوب.. لأن الاعتراف أصبح أمراً واقعاً..
* هذا اتهام لشريحة كبيرة في العراق بالتواطؤ لتحقيق هذا المطلب؟
- وماذا تتوقع من الذي يأتي مع المحتل؟ الا انه ينفذ إرادة الاحتلال..
* لنعد للحديث عن المتغيرات..؟
- هذه المتغيرات أصبحت فاعلة أكثر من السابقة .. المقاومة العراقية للمشروع الأمريكي أوقفت هذا المشروع، وبعد إن أوقفته في حدود العراق بدأت تنهكه.. ووصلت في إنهاكه إلى الحد الذي ألغت كل المزايا التي كان يتمتع بها قبل الاحتلال.. لم تعد الهيمنة الجوية كافية لفرض السيطرة الأمريكية وأنت لاحظت قبل اسبوع إن أمريكا اضطرت تستخدم طائرات « اف 18» في التعامل مع شارع من شوارع بغداد.. يعني عملياً إذن الحركة الأمريكية على الأرض أصبحت اضعف من المقاومة بحيث رجعت الإدارة الأمريكية تستخدم سلاح الجو الذي عجز أيضا عن تحقيق أهدافه في التعامل مع المقاومة.. هذا النضج في عمليات المقاومة أدى الى تشجيع الرأي العام العربي للضغط.. والى تأخير القبول المطلق لما تريده أمريكا.. يضاف الى هذا عملية التعزيز التي حصلت لهذا الموقف بإعدام الرئيس العراقي الشهيد بالطريقة التي اعدم بها، وهي طريقة مخالفة، لن نقول للأخلاق لان الاحتلال ليس عنده اخلاق، ولا نقول للقوانين السماوية لأن الاحتلال ليس لديه التزام بالقوانين السماوية، ولكن منافية لكل القوانين التي تعارف عليها المجتمع الدولي بدءاً من تأسيس الأمم المتحدة إلى الآن.
على صعيد آخر شهدت المنطقة تنامياً أو حضوراً سياسياً طاغياً لما يسمى بالحركات الإسلامية.. وما حصل في الصومال آخر مظاهرها..
- مقاطعاً عملية المقاومة وإضعاف السلطة الأمريكية في منطقة حدودها البرية واسعة مثل العراق أدى إلى أن تنشط داخلياً أو بتأثير خارجي كل الاتجاهات الراغبة في ان تضعف الولايات المتحدة الأمريكية..
* مقاطعاً.. ليس في العراق فحسب.. اقصد المنطقة بشكل عام..
- حيثما فشل المواجهون للمشروع الأمريكي انتقلوا إلى العراق، لأنه أصبح في العراق هناك أساس لإفشال المشروع الأمريكي.. هذا الموقف أدى إلى تنمية المشاعر المعادية للولايات المتحدة في أفغانستان.. فالمقاومة في أفغانستان حسب تصريح قادة طالبان استفادت من الدرس الذي قدمته المقاومة العراقية في كيفية التعامل مع القوات الامريكية، وبدأت تحرج القوات الامريكية.. التطورات في الصومال.. التطورات في الرأي العام العربي في الدول التي واكبت الاحتلال الامريكي مثل السعودية ومصر والاردن وحتى الكويت ، فكل هذه التطورات ايجابية باتجاه افشال المشروع الامريكي، ولهذا امريكا الآن محرجة وتبحث عن حل ذي شقين.. الشق الاول: كيف تخرج من العراق، بماء الوجه؟والشق الثاني: كيف تواجه التحولات الجديدة بعد خروجها من العراق في الدبلوماسية على مستوى المنطقة؟..طبعاً امريكا تصرفت على انها اللاعب الوحيد ، لكن المقاومة العراقية أوجدت لاعباً آخر أغرى لاعبين آخرين في ان يدخلوا الى اللعبة .. امريكا هدفها من السيطرة على نفط العراق اخضاع اوروبا واليابان.. فإذن.. اذا كانت المقاومة قد افشلت المشروع الامريكي فمن مصلحة الدول الاوروبية واليابان العمل بما يتعب امريكا اكثر في العراق من اجل افقادها فرصة الانفراد الاقتصادي بالسيطرة على العراق..
* هناك من يتحدث عن ان القوى السياسية الحاكمة في الوطن العربي، أو بالأصح المحاددة للعراق كسوريا مثلاً.. وغير العربية المجاورة كإيران مثلاً.. ان تتحرك في العراق من أجل افشال المشروع الامريكي.. وليس من اجل تحرير العراق..
- مقاطعاً: ليس من اجل افشال المشروع الامريكي لأنهم ليسوا معارضين له، فمن الخطأ ان نعتقد ان ايران تعمل بشكل مستقل عن الولايات المتحدة الامريكية اطلاقاً.. ايران على صلة وثيقة بالولايات المتحدة الامريكية، ودورها في الحرب على افغانستان وفي الحرب الامريكية على العراق دور قذر جداً.. دور كان له أهميته بالنسبة لأمريكا.. هذا باعتراف القادة الايرانيين والامريكان انفسهم.. الدور السوري لا يختلف كثيراً.. نحن لدينا معلومات دقيقة عن أعداد المعتقلين العراقيين الموجودين الآن في السجون الامريكية في سوريا ومصر والاردن والمغرب.
*اقصد ان هؤلاء يريدون اسقاط امريكا في المستنقع العراقي على حساب الشعب العراقي نفسه؟!
- هؤلاء كانت هناك استحقاقات معهم تريدها امريكا.. فهم لم يعطوا الاستحقاقات وقبلوا ان يلعبوا دوراً في خدمة الولايات المتحدة الامريكية على اساس انه ربما ينفع في عدم اعطائهم الاستحقاقات.. اما الآن والامريكان غير قادرين على المطالبة باستحقاقات من اي دولة اخرى، فاصبحت هذه الدول ترى ان من مصلحتها ادامة الموقف في العراق، اولاً لانهاك العراق، وثانياً لانهاك امريكا.. يعني هؤلاء الذين يعملون في العراق الآن لا يعملون لخدمة العراق.. حتى الموقف السعودي، والتركي الذي تمثل في تصريحات او مؤتمرات عن قتل السنة.. نحن نعتبر هذا تخريباً او استباقاً للانتصار الوشيك للمقاومة.. لانهم يخافون حين يرون المقاومة قوية ان تنتصر فيبدأون يضربون في المقاومة.. في المجتمع العراقي شيئاً اسمه الحرب الطائفية.. انا اقول لك: لن يتحارب العراقيون طائفياً اطلاقاً.. لأن الحرب الطائفية في العراق يعني انها ستدور في غرف النوم، وليس في الشوارع، لأن كثيراً من العراقيين يكون الزوج سنياً والزوجة شيعية او الزوج شيعي والزوجة سنية، هذا يعني إذا تريد ان تفصل على اساس طائفي ان الحرب ستصير في البيوت.. في غرف النوم.. وهذا من غير الممكن إطلاقاً.. ما أراه الآن ليس حرباً طائفية.. يعني تأتي عصابات ايرانية على منطقة سنية وتقتل.. هذه ليست حرباً طائفية.. هذه عملية اغتيال منظم.. لما يطلع السنة ويقتلون الشيعة.. هنا صارت الحرب الطائفية.. ولكن هذا حتى الآن لم يحصل.. بل على العكس، في منطقة الرحمانية في بغداد قبل عشرة ايام عندما هجمت ميليشيات المهدي على المنطقة.. الذين دافعوا عن المنطقة هم سكان المنطقة وكانوا يرفعون لافتات سنة وشيعة على طريق صدام حسين.. الموجود في العراق هو ليس تشيعاً وليس شيعة.. الموجود في العراق هو غزو صفوي ايراني، الشيعة العرب في العراق مغيبون مثلما مغيب السنة العرب.. ومثلما مغيبون الوطنيون او العراقيون الاكراد.. والذين يلعبون على المسرح هم ايرانيون.. 5 ملايين ايراني تم ادخالهم العراق بعد الاحتلال، منهم 500 الف عنصر حرس ثوري ومخابرات ايرانية.
* وانت تتحدث عن ايران.. هناك من يقول ان ايران تقايض بثقل دورها في العراق لحساب السكوت عن المشروع النووي لديها.. يعني: امريكا تسكت عنا بشأن المشروع النووي ، ونحن..
- مقاطعاً انظر.. امريكا ليس لديها اعتراض على المشروع النووي الايراني والغرب لن يضرب ايران.. لأن ايران بنت الغرب.. الغرب خلق النموذج الايراني قبل ان يخلق الدولة الصهيونية في فلسطين .. الدولة الصفوية التي أسست في القرن السادس عشر ، اسست بجهود جاسوسين اشقاء انجليز.. وتحويل ايران من المذهب السني الى المذهب الشيعي تم بتخطيط هؤلاء الجواسيس، فالغرب هو الذي خلق ايران.. الغرب يعتبر ايران نموذجه، ولما نجح هذا النموذج طبقه في فلسطين بصيغة أخرى.. فلماذا خلق الغرب ايران؟! في القرنين الخامس والسادس عشر الدولة العثمانية وصلت الى فينّا.. وعقد مؤتمر في أوروبا .. كيف نواجه المسلمين العثمانيين. فصار الرأي كل واحد يستطيع ان يواجهه بطريقته الخاصة.. القائد العسكري ماذا يبتكر؟ الاقتصاد.. السياسة .. الجواسيس قالوا: اذا نجحنا في ان نوجد قوة تضرب الدولة العثمانية من الخلف نكون فرضنا عليها الانسحاب.. فأتى الاخوان انطوني شارلي وجوني شارلي واتصلا بالصفويين، والصفويون ليسوا ايرانيين وانما هم أفغان الاصل، وهي فرقة من الدراويش، واقنعوهم بالتحول الى المذهب الشيعي، وعندما دفعوهم الى الحرب مع العثمانيين قالوا لهم هم على الاسلام.. قالوا نعم، لكن هم سنة وانتم شيعة، لكن لكم الحق ان تتحاربوا .. لانه سنة 300 تحاربتم في بغداد.. فابتدأ الصفويون يضربون الدولة العثمانية من الخلف ، واضطرت الدولة العثمانية لهذا السبب ان تنسحب من اوروبا الوسطى باتجاه الشرق.
* تتحدث عن ايران بطريقة كما لو لم تكن تلمس فرقاً بين العهدين اللذين مرت بهما من منتصف القرن المنصرم والى الآن.. أليس ثمة فرق بين ايران الخميني ، الثورة والدولة فيما بعد، وبين سابقتها في ظل حكم الشاة.. في الاولويات.. في..
- مقاطعاً.. لا.. لا.. اطلاقاً.. الخميني.. انتم حتى الآن لم تتوقفوا ملياً عند العلاقات الاسرائيلية - الايرانية في زمن الخميني.. الى ان تدخل رب العالمين واسقط الطائرة وفضحهم.. كل هذا الذي تراه على السطح غطاء لحلم فارس تحت السطح يخطط له بذكاء وبدقة..
* أنا أسأل طبعاً.. ولا اتحدث عن موقف أتبناه، او لا اتبناه..
- نعم
* الحكومة في طريقها الى الفشل.. وامريكا في طريقها الى الفشل - ايضاً.. انت تقول هذا، وتدعي ان ما تسميها هناك بالمقاومة، بدأت تتحرك بخطط ذكية..
- مقاطعاً: انا لا أدعي انا لا اسمح بهذا السؤال.. انت صحفي وتتابع الاخبار.. هناك مقاومة تتعب الامريكان.. هناك نوع من الانهاك اليومي للجيش الامريكي بالبشر، وبالعتاد وبالآليات..
* ضرر هذه المقاومة اصبح كثيراً على الشعب ، وعدد القتلى من الشعب كبير جداً.. لازلت اتساءل طبعاً..
- هذه ليست المقاومة ، المقاومة لا تقتل الشعب.. هذه العصابات الايرانية والكويتية والاسرائيلية والامريكية.. وهناك ادلة كثيرة على هذا.. الآن اذا دخلت الى الانترنت تجد تقريراً كاملاً، تقريراً ليس عراقياً وانما تقريراً دولياً عن كذبة المقابر الجماعية.. كيف الامريكان يخططون المسألة؟.. ويهيئونها ، ويعطون الاموال للناس ويقولون اذهبوا هناك مقبرة جماعية انظروها.. هذا لم يعد سراً.. ان امريكا تدير عمليات الهجوم.. الضباط الذين يعتقد بأنهم يقودون جيش المهدي هم عملاء في المخابرات الامريكية، وهم الذين ينفذون هذه العمليات .. المقاومة لا تقتل شعبها.. لو ان المقاومة تقتل شعبها لما كان يحتضنها الشعب هذا الاحتضان الكبير..
* ليكن.. ففي ظل هكذا وضع.. العراق إلى أين؟!
- العراق الى التحرر.. العراق يسير نحو استعادة حريته..
شبكة أخبار العراق للجميع /
الدكتور نزار الحديثي : من يقتل شعب العراق ليسوا المقاومة
