لا تنفك وسائل الاعلام عن الحديث حول ضربة أمريكية لايران، لا تقوم لها قائمة بعدها. بعض تلك الوسائل يعتمد علي الاستقراء السياسي لأحداث المنطقة الملتهبة، ومشروع ايران النووي. بينما يذهب بعض الاعلاميين بالاعتماد علي تسريبات صحافية معينة ووسائل خاصة.
وفي الأيام الأخيرة سمع الناس تصريحات السيد عمرو موسي الذي حذر من ضرب طهران، وكذلك ما قاله البرادعي من أن الهجوم علي طهران سيؤدي الي كارثة لا تحمد عقباها. ناهيك عن تصريحات مسؤولين كثر حول أهمية الحل السياسي لمشروع ايران النووي والابتعاد عن الهجوم العسكري.
وخلاصة القول ان هناك، علي الأقل، احساسا عند كثير من المتابعين، أن هجوماً أمريكاً علي ايران بات وشيكاً للغاية.
ولكن لدي شكوك وأسئلة حول هذه النقطة لا أستطيع فهمها، وتجعلني، علي قله فقهي، أستبعد أي اعتداء أمريكي علي طهران. وأول هذه الشكوك ينصب علي الخدمات التي تقدمها حكومة طهران للقوات الأمريكية في المنطقة العربية ـ الاسلامية. فلا أزال أذكر كيف أن وزير الخارجية الايراني السابق كمال خرازي صرح، وبالعين المفتوحة، ان أمريكا ما كانت لتقضي علي طالبان لولا مساعدة الجيش الايراني. حيث أشركت ايران تسعة آلاف مقاتل، لا لتقضي أمريكا علي طالبان، بل لتدمر بلداً صغيرا او فقيراً، وتنتهك حرمته وتسرق ثروته.
وان كانت مسألة أفغانستان غير واضحة لكثير من الناس، فكيف لنا نسيان ما يجري في العراق، من تقتيل طائفي بغيض، وصلت شراسته لقتل الناس علي أسمائهم. فاذا كان اسمك عمر فويل لك من المثقاب، أما اذا كنت عثمان، فاعلم أن رأسك مقطوع لا محالة. وويل لمن لا يعرف قصة الغدير وحادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه وعن أبيه. وكل هذا، ولم تعد المسألة خافية علي أحد، يتم بموافقة بل وبتمويل ايراني. ولقد قرأت هذا المساء كملايين الناس الخبر الذي يقول ان ايران قد جندت اثنين وثلاثين ألفاً من عملائها في العراق، تهرب لهم الأسلحة وتدفع لهم الأموال.
لا نستطيع أن ننكر بحال، أن رموز الحكومة العراقية الحالية، أشخاص جاءوا من ايران وبعضهم لم يحصل علي الجنسية العراقية بعد، مع أنه في هرم السلطة في العراق.
لقد رأي العالم أجمع كيف أعدم الرئيس الشهيد صدام حسين، ومن حضر الاعدام، كما سمع الخلق كلهم الصرخات الطائفية البغيضة التي لن ينساها التاريخ كما لم ينس ابن العلقمي والطوسي الي هذا اليوم.
من سهل دخول القوات الأمريكية البربرية الي العراق، أليست ايران، ومن الذي خرج في الجنوب ليزغرد للنصر الأمريكي علي العراق. ومن الذي عاد علي الفور من ايران بفيالقه وأسلحته ليعمل قتلاً بأهل الرافدين!
أسمع دائماً، أن ايران دولة اسلامية، فأتساءل هل تحتل دولة اسلامية دولة اسلامية أخري؟ ألا تقبع ايران منذ عشرات السنوات في الجزر الاماراتية الثلاث، وفي الأحواز أيضاً؟
وما قصة العلاقات الايرانية ـ الاسرائيلية في المجال العسكري، والتي تحدثت وسائل الاعلام مراراً عنها، وقالت انها كانت تتم من خلال وسيط غربي.
لما كان صدام، رحمه الله، رئيساً للعراق، أكرمنا بقصف اسرائيل بصواريخه، أما ايران التي ما انفكت تتكلم عن محو اسرائيل من الخارطة، ما حركت ساكناً ضد الصهاينة، اللهم الا تصريحات نارية، يمكن اطفاؤها بقليل من الماء البارد!!
أما الصهاينة الذين كانوا يخشون خطر العراق، فقد دمروا المفاعل النووي العراقي أمام أعين الناس، ولكنهم ما فعلوا ذلك في الحالة الايرانية. وكذلك فعلت أمريكا علي الأقل الي هذا اليوم. فقد احتلت أمريكا العراق علي أساس أنه مخزن أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، ولم تهاجم ايران مع تصريح الأخيرة بسعيها للحصول علي التقنية النووية!! وقد لجأت أمريكا الي مجلس الأمن لاحتلال العراق، فلما عجزت عن اقناع المجلس هاجمت وحدها وفعلت ما فعلت. أما اليوم فتتكلم أمريكا عن الحلول السلمية وعن الفرصة الأخيرة تلو الفرصة الأخيرة.
اذا كانت ايران تبذل كل خبرتها للقضاء علي المقاومة العراقية، فلماذا تهاجمها أمريكا، واذا كانت السلطة العراقية الحالية تخدم توجهات ايران وتقول بقولها وتأتمر بأمرها، وكانت هذه السلطة في الوقت نفسه قد جاءت مع الاحتلال الأمريكي للعراق، فكيف يستوي أن تهاجم أمريكا حليفاً كايران؟!
ظاهر الأمر، أن ايران اليوم، هي الذراع، بل الجناح العسكري لأمريكا في العراق، ولو صدق ذلك، فلا مجال لمجرد التفكير أن تهاجم أمريكا ايران. بل علي العكس، فمن مصلحة أمريكا أن تمد يدها أكثر لايران فتشبع نهمها من الكعك العراقي، مقابل أن تقوم ايران بتصفية المقاومة العراقية، من خلال تطهير عرقي واسع النطاق في المثلث السني الذي أطعم أمريكا مرّ العلقم.
من الممكن لأمريكا أن تساعد دولاً عربية ضد ايران سراً وتفعل الأمر نفسه مع ايران، ولكنني لا أعتقد أن الأمر سيصل الي حد ضربة عسكرية. فايران ورقة ضغط أمريكية علي كثير من الدول العربية، خاصة في منطقة الخليج العربي.
قلت في مطلع مقالي ان هذه شكوك راودتني، ولا تزال، فمنذ وصول الخميني للحكم في ايران وأنا أسمع أن الدور قادم علي ايران، وأن ضربة أمريكا لايران ستكون ظهر اليوم أو صبا ح الغد علي أبعد تقدير لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
وحذار أن يظن أنني أطمع في ضربة أمريكية لايران، فحاشا لله، أن أتمني، مع أنني أعلم أن أمريكا ان تخلصت من الدول العربية الممانعة ومن المقاومة الاسلامية في مناطق القتال، ستضرب ايران وتفتك بها، لأنها لم تعد تحتاج اليها فهذا حال الاجرام والمجرمين.
قد تخيب ظنوني وتسقط شكوكي وتقدم أمريكا علي ضرب ايران. وان حدث ذلك، لا قدر الله، فمن ذلك الذي سيقف من العرب و المسلمين معها بعد كل ما فعلته في العراق؟
اذا كانت ايران خائفة من هجوم أمريكي، فيجب أن توقف تدخلها في العراق، وتطهيرها الطائفي البغيض، حتي تنال تعاطف المسلمين، ووقوفهم الي جانبها. يجب أن تعلم ايران أنها بما فعلته في العراق، من دعم فرق الموت ونشر ثقافة المثقاب، وفرحتها بل ومشاركتها في اعدام الشهيد صدام حسين، قد خسرت تعاطف الشارعين العربي والاسلامي، ويجب ألا يفرح الايرانيون بالقضاء علي المقاومة الباسلة في العـــــراق. فلو جاءها الدور لن تجد من يدافع عنها ومن يجاهد لنصرتها، ولات حين مندم، ولتذكر قـــول عميد آل البيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه اذ قال: أكلت حين أكل الثور الأبيض.
* دكتوراه في الاعلام ـ فرنسا
القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
ما قصة أمريكا وايران؟-د. عوض السليمان
