هيئة علماء المسلمين في العراق

جماعة بوش لم تتعلم شيئا من التاريخ .. نبيل زكي
جماعة بوش لم تتعلم شيئا من التاريخ .. نبيل زكي جماعة بوش لم تتعلم شيئا من التاريخ .. نبيل زكي

جماعة بوش لم تتعلم شيئا من التاريخ .. نبيل زكي

. الزيادة الكبيرة فى عدد القتلى والجرحى الامريكيين فى الايام الماضية تثبت صحة موقف هؤلاء الذين توقعوا التصعيد من جانب المقاومة فى مقابل التصعيد العسكرى الامريكي. غير ان ما يثير الدهشة والتعجب لدى المحللين والمراقبين الامريكيين انفسهم هو أن الرئيس الامريكى الحالى وجماعته من المحافظين الجدد "الذين فشلوا وسقطوا ولكنهم مازالوا يديرون دفة الامور" لم يتعلموا اى شيء من دروس التاريخ، بل انهم يكررون نفس الأخطاء التى وقعت فى الماضي.. برعونة اكبر، وبالتالى فقد برهنت جماعة البيت الابيض الامريكى انها "فى محاولة الخروج من الورطة والتخلص من المأزق العراقي" تورط نفسها اكثر فأكثر.. بحيث يتحول المأزق الى كارثة تهدد بسقوط الامبراطورية الامريكية نهائيا.

التصريح الذى ادلى به "ستيفن هادلي" مستشار الرئيس الامريكى لشئون الامن القومي، وقال فيه ان زيادة عدد القوات الامريكية فى العراق هى "القوة الدافعة الكبرى" التى ستجعل النصر هناك اقرب الى التحقق يدل على ان المحيطين بالرئيس الامريكى بوش لم يتعلموا شيئا من دروس التاريخ.

ودخلت عبارة "القوة الدافعة الكبرى" قاموس المصطلحات عند طرح مسألة زيادة القوات كوسيلة لاحراز النصر فى حرب اخرى.

ففى الماضي، ظل الوزراء الانجليز يروجون لعدة شهور "ومعهم رجال الدعاية والجنرالات" لفكرة "القوة الدافعة الكبرى" التى يمكن ان تحسم معركة "سوم" فى عام 1916.

كانت الحرب العالمية الاولى قد وصلت الى طريق مسدود على مدى ما يقرب من عامين.. وكشفت سلسلة من المعارك المروعة ان الحصيلة من الخسائر البشرية فوق التصور فى حرب الخنادق.
فقد استطاع المدافعون حماية انفسهم - الى حد ما - عن طريق إعداد خنادق اكثر عمقا، ومعاقل صغيرة اسمنتية ومخابئ منيعة فى عمق الارض، ولكن عندما يصعد الجنود الى سطح الخندق بغرض الهجوم يصبحون مكشوفين على نحو خطر ويسهل اصطيادهم.. ففى خارج الخنادق يصبحون هدفا لنيران المدافع الرشاشة، وهم يتسلقون ببطء حواجز الاسلاك الشائكة ويعبرون الحفر التى صنعتها قذائف المدفعية واصبحت تفيض بالمياه.

كارثة كبرى

اذن.. ماذا فعل الحلفاء؟ لقد شنوا هجومهم الكبير، وكان عدد الجنود المهاجمين، بمقاييس تلك الايام، كبيراً.. لتدور رحى اكبر معارك التاريخ حتى ذلك الوقت، وكان هدف الخطة هو تدمير خط الدفاع الالماني، ودفع قوات الفرسان الهجومية التابعة للحلفاء عبر تلك الثغرة، وتغيير مجرى الحرب ومسارها.. وكانت النتيجة.. كارثة كبرى.

فقد خسر الجيش البريطانى قرابة 20 الف قتيل وحوالى 40 الف جريح او مفقود فى اليوم الاول للهجوم، وكان الالمان من حملة المدافع الرشاشة قد انتظروا، وظلوا ساكنين طوال الفترة الطويلة التى استغرقها قصفهم بالقنابل، وهم فى خنادقهم المحصنة تحت الارض، ثم قفزوا الى السطح فى الوقت المناسب ليسحقوا الجنود الزاحفين.

وبعد اربعة اشهر ونصف الشهر من القتال، كانت القوات البريطانية والفرنسية قد خسرت 600 الف قتيل وجريح، ولم تحقق "القوة الدافعة الكبرى" أى مكسب سوى حوالى خمسة اميال من الارض الجرداء الموحلة المليئة بالحفر التى صنعتها القنابل!

حفرة أعمق!

يقول المحلل الامريكى آدم هوتشيلد ان "القوة الدافعة الكبرى" المخصصة للعراق، مثلها مثل "القوة الدافعة الكبرى" فى معركة "سوم"، هى مجرد تكرار لتكتيكات برهنت على انها لا تحقق سوى الفشل المدوى والكوارث.

ويؤكد نفس هذا المعنى الجنرال الامريكى المتقاعد وليام اودوم - المدير السابق لوكالة الامن القومى الامريكى - بقوله: ان ما يفعله بوش الآن يشبه حالة شخص يجد نفسه فى حفرة.. ومع ذلك يحفر فى الارض فيزداد عمق هذه الحفرة!

ويقول المحلل الامريكى هوتشيلد ان ما حدث فى السنوات الاربع الدموية الماضية فى العراق يوضح، بما لايدع مجالا للشك، ان الكثيرين سواء من السنة او الشيعة يتفجرون بالغضب عند رؤية الجنود الامريكيين يسيرون فى شوارع بلادهم، ويداهمون المنازل العراقية، ويقتلون عراقيين او يقبضون عليهم سواء كانت لهم علاقة بالمقاومة او لم تكن، وهؤلاء الذين يقتلهم او يعتقلهم الجنود الامريكيون يكونون - فى بعض الاحيان - القوة الوحيدة التى تحمى عائلاتهم من هجمات الطرف الآخر فى حرب اهلية مريرة.

ولم يكن الامر فى حاجة الى شهادة عالم الاجتماع الامريكى مايكل شوارتز الذى اعترف - قبل اسابيع - بأن حملة سابقة، من القوات الامريكية والقوات العراقية التابعة للامريكيين، اسفرت عن زيادة الضحايا من المدنيين العراقيين.

ومثل هذه الحملات هى التى يجرى تنفيذها الآن بعد الاعلان عن الاستراتيجية الامريكية الجديدة فى العراق.

البحث عن الذرائع

وبدلاً من التعلم من دروس الماضي، تكرر جماعة بوش نفس الاخطاء والجرائم والكوارث.
صحيح ان هناك فرقا بين الحرب العالمية الاولى والقتال الدائر الآن فى العراق، ولكن هناك وجه شبه آخر بين الحربين، ففى الحالتين، توجد دولة كبرى تتلهف على القيام بعملية غزو وتتذرع بحجة ما لتنفيذ ما تريد.

وكانت الذريعة التى لدى ادارة بوش هى اعتداءات 11 سبتمبر غير ان اعترافات عدد كبير من رجال الرئيس الامريكى كشفت ان كبار المسئولين فى الادارة الامريكية كانوا يتحرقون شوقا لغزو العراق وحاولوا - بكل حماس - ايجاد صلة بين صدام حسين واعتداءات 11 سبتمبر، ورغم انهم لم يجدوا أية صلة فإنهم قاموا بغزو العراق، ومازالوا يشيرون على نحو غامض الى ان هذه الصلة قائمة!!

الأباطرة.. الغزاة

شىء مماثل حدث فى عام 1914.. كانت الامبراطورية النمساوية - الهنغارية تعانى من قلاقل على ايدى اقليات عرقية، والحكام فى فيينا من النخبة التى تتحدث باللغة الالمانية، وكان نصف السكان من السلاف، ومنهم عدد كبير من الصرب، ونتيجة لذلك شعر اباطرة فيينا بخطر يتهددهم، لا لشىء الا لوجود دولة صربيا المستقلة على حدودهم.. رغم انها دولة صغيرة، وصمم الاباطرة على غزو تلك الدولة وربما تقسيمها، بهدف القضاء على القومية الصربية والمشاعر الموالية للسلاف نهائيا.

ووضعت فيينا خططا مفصلة للغزو.. ولحسن حظ اصحاب مشروع الغزو، فقد اغتيل الارشيدوق فرانز فيرديناند اثناء زيارته لمدينة سراييفو "عاصمة البوسنة والهرسك الآن"، وكما فعل البيت الابيض الامريكى بعد 11 سبتمبر، فإن القصر الامبراطورى فى فيينا بدأ على الفور فى محاولة الربط بين الحكومة الصربية وحادث الاغتيال.

غير انه ظهر ان قاتل الارشيدوق - ويدعى جافريلو برنسيب - من مواطنى الامبراطورية النمساوية - الهنغارية وان الحادث وقع على اراضيها، صحيح ان القاتل ينتمى الى القومية الصربية، وانه تلقى مساعدة من منظمة سرية تضم قوميين صربيين متشددين، ولكن لا توجد علاقة بين هذه المنظمة وحكومة صربيا، ولم يثبت وجود هذه العلاقة فى اى يوم من الايام.

لا يهم.. يكفى ان الامبراطورية وجدت ذريعة - ولو وهمية! - وهكذا اعلنت الحرب على صربيا، وانضمت دول الى هذا المعسكر، وانضمت دول اخرى الى المعسكر المضاد، وبدأت الحرب العالمية الاولى التى اعادت تشكيل العالم، ومن نتائج تلك الحرب توحيد ثلاثة اقاليم تابعة للامبراطورية العثمانية المهزومة فى اقليم واحد ليكون محمية بريطانية حتى عام 1932، حيث اصبحت هذه المحمية هى دولة العراق المستقلة.

الشعارات المزيفة

واخيراً.. فإن هناك وجه شبه بين حمام الدم الراهن فى العراق والحرب العالمية الاولى، ففى الحربين ترددت شعارات متغيرة تدور حول اهداف "نبيلة"!

فى حالة العراق: انقاذ الشعب الامريكى وشعوب العالم من اسلحة الدمار الشامل العراقية، وتحرير العراقيين، ومحاربة الارهاب.. ثم اقامة الديمقراطية فى العالم العربي!

وفى الحرب العالمية الاولى، تحدث الحلفاء - اولاً - عن اعتزامهم الدفاع عن الابرياء ونجدتهم، ثم قاموا بغزو بلجيكا الصغيرة! ثم تحدثوا عن إلحاق الهزيمة بالعسكرية الالمانية والدفاع عن نمط الحياة البريطانى والفرنسي، وما إن اقحم الرئيس الامريكى وودرو ويلسون الولايات المتحدة فى الحرب، حتى تحدث عن "الحرب التى تنهى جميع الحروب"!

وهو ما لم يحدث.. فالإذلال الذى تعرض له الخاسرون فى الحرب والخسائر الهائلة فى الارواح من الجانبين لم تحقق هدف انهاء كل الحروب، وحققت الكثير لإشعال فتيل حروب اخرى، وخاصة حروب التدخل ضد الثورة الاشتراكية فى روسيا والحرب العالمية الثانية.

عواقب مدمرة

المحلل الامريكى آدم هوتشيلد صاحب كتب "ادفنوا الاغلال" و"انبياء وثوار فى القتال لتحرير عبيد الامبراطورية" و"شبح الملك ليوبولد"، يقول: كلما طال امد الحرب فى العراق، زاد عدد القوات الامريكية فى ذلك الجزء من العالم القابل للاحتراق، فإننا نعمل على توسيع دائرة الذين يتعرضون للامتهان والاذلال ونغذى لهيب الغضب.. الامر الذى يجعل عواقب ذلك كله مضمونة، وسوف تلاحقنا وتطاردنا هذه العواقب لعشرات السنين القادمة.

محاولات تبرير

فى كل الحروب السابقة التى خاضتها الولايات المتحدة عبر المائة سنة الماضية، كانت الحكومات الامريكية ترى ضرورة تعبئة الرأى العام وراء مجهودها الحربى بهدف محاولة كسب الشعب الامريكى لكى يؤيد الحرب.

فى الحرب الاسبانية - الامريكية عام 1898 قامت حملة اعلامية ضخمة ضد الفظائع التى ارتكبتها السلطات الاستعمارية الاسبانية فى كوبا، وبلغت ذروتها مع انفجار سفينة حربية امريكية فى ميناء هافانا، وصورت الحملة هذا الانفجار باعتباره عملاً من اعمال الحرب، رغم ان الارجح انه كان لاسباب فنية!

ومهدت ادارة ويلسون لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى بحملة استغرقت اكثر من سنة حول حرب الغواصات التى تشنها المانيا فى المحيط الاطلنطي، واستغلت حوادث مثل غرق سفينة الركاب الامريكية لوسيتانيا التى كانت تحمل ذخيرة حربية الى بريطانيا.

واحتاج الرئيس فرانكلين روزفلت الى عدة شهور من المناورات السياسية لمجرد الحصول على التأييد لتقديم معونة عسكرية امريكية الى بريطانيا فى صورة برنامج للاعارة والتأجير فى المراحل الاولى للحرب العالمية الثانية.

وجاء الهجوم اليابانى على "بير هاربور" ليكون السبب فى خلق الظروف السياسية التى تساعد على التغلب على المعارضة الشعبية "التى تضرب بجذور عميقة فى قلوب الامريكيين" للدخول فى الحرب.
ولم يكن دخول الولايات المتحدة الحرب الكورية ممكنا لولا الحملة الاعلامية التى صورت نشوب الحرب الاهلية هناك، كما لو كانت غزوا قامت به كوريا الشمالية ضد كوريا الجنوبية.. وتم تدبير "حادث خليج تونكين" بواسطة ادارة الرئيس الامريكى جونسون لتبرير تصعيد التدخل الامريكى فى فيتنام، وزيادة عدد القوات الامريكية هناك من 51 الف جندى الى 500 الف جندي! وادت هذه الزيادة الى سقوط اكثر من 60 الف جندى امريكى قتيلا فى ساحة الحرب الفيتنامية ولم تنقذ الولايات المتحدة من الهزيمة العسكرية.

وقبل حرب الخليج فى عام 1991 قامت الولايات المتحدة - بطريقة غير مباشرة - بتشجيع صدام حسين على غزو الكويت وضمها، ثم استخدمت هذا الغزو كذريعة لضرب العراق.

الكذب المتعمد

وطبقا لاستطلاع للرأى العام الامريكى اجرى مؤخراً، ظهر ان خمسين بالمائة من الامريكيين يعتقدون ان بوش تعمد ان يكذب على الشعب الامريكى لكى يبرر الحرب ضد العراق.. وبعبارة اخرى، فان بوش مسئول - فى نظرهم - عما يعتبره القانون الدولى جريمة حرب: شن حرب عدوانية ضد دولة اخرى.

ورغم الامثلة المذكورة آنفا والتى توضح محاولات وجهود الحكومات الامريكية السابقة والرؤساء الامريكيين السابقين لاقناع الرأى العام بحروبهم.. الا ان جورج بوش الابن ينفرد عن سائر السابقين بأنه لا يرى ضرورة لتأييد الرأى العام الامريكى لتصعيده للحرب الامريكية ضد العراق.

تجاهل الرأى العام

أصبحت وظيفة الرئيس الامريكى الآن هى تجاهل الرأى العام وشن حرب متحديا رغبة وارادة مواطنيه، فقد اجرت شبكة التليفزيون الاخبارية الامريكية فوكس نيوز حديثا مع ديك تشينى - نائب الرئيس الامريكى - قال المذيع التليفزيونى كريس والاس لديك تشيني:
كان العراق قضية كبرى فى انتخابات نوفمبر، اريدك ان تطلع على بعض الارقام.. فطبقا للاستطلاع القومى لآراء الذين ادلوا باصواتهم، فان 67 بالمئة قالوا ان الحرب كانت مسألة مهمة تتحكم فى تصويتهم، ولم يؤيد ارسال المزيد من القوات الى العراق سوى 71 بالمئة فقط.. ألا تتجاهل سياستكم الآن الارادة الواضحة والمعلنة للشعب الامريكى فى انتخابات نوفمبر؟
- تشيني: هذا الرئيس "بل لا اظن ان اى رئيس جدير بهذه الصفة" يستطيع ان يتخذ قرارات بهذا الحجم طبقا لاستطلاع الرأي، التى تتغير من يوم الى آخر.
- والاس "المذيع": حسنا.. ولكن تلك كانت انتخابات ياسيدي.
- تشيني: الاصوات تتغير من يوم لآخر ومن اسبوع لأسبوع! واعتقد ان الاغلبية الكبيرة من الامريكيين يريدون نهاية صحيحة فى العراق، والتحدى الذى يواجهنا هو ان نكون قادرين على تحقيق ذلك.

نصيحة ألمانية!

وهكذا يرفض نائب الرئيس الامريكى نتائج الانتخابات باعتبارها "غير ذات صلة" او "خارج الموضوع" بالنسبة لسياسات الحكومة الامريكية.

وهذه هى الديمقراطية الامريكية التى يفخرون بها ويريدون تطبيقها فى العالم العربي!
وحتى فى هذا الجانب.. لم يتعلم بوش وجماعته من دروس الماضي، ولا يبالى "كما فعل سابقوه" بكسب تأييد الرأى العام الامريكي، فالشعب الامريكى "كما اوضح ديك تشيني" لا يمكن ان يوثق فى قدرته على فهم واستيعاب الاجراءات المطلوبة لضمان سيطرة الولايات المتحدة على العراق وثرواته النفطية الهائلة.

كان الكاتب المسرحى الالمانى برتولد بريخت يقول: عندما ينقلب الشعب على نظام الحكم لديه، فإن نظام الحكم يجب عليه ان ينتخب شعباً جديداً!
وهذا ما تريده جماعة بوش - تشيني!


المصدر : العرب اون لاين

أضف تعليق