هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق: الوصفة الواقعية الأقرب إلى السحرية-وليد الزبيدي
العراق: الوصفة الواقعية الأقرب إلى السحرية-وليد الزبيدي العراق: الوصفة الواقعية الأقرب إلى السحرية-وليد الزبيدي

العراق: الوصفة الواقعية الأقرب إلى السحرية-وليد الزبيدي

بعد ان فشلت الوصفات العسكرية والسياسية والأمنية، التي اعتمدتها الادارة الأمريكية في العراق، لا بد من البحث عن وصفة واقعية، تستند الى قراءة علمية لمفاصل القوة الفاعلة في الساحة العراقية، ودراسة النتائج السلبية والكارثية، التي نجمت عن اعتماد الوصفات السابقة، التي جرى تنفيذها منذ ربيع عام 2003 وحتى يومنا هذا، وتنطلق هذه الوصفة من معيارين أساسيين هما: الأول: أن الإدارة الأمريكية، أقرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بعجزها وعدم قدرتها على البقاء في العراق، ما يشكل مرتكزا أساسيا في اعتماد الوصفة الواقعية.

الثاني: من المعروف أن طرفي الحرب في العراق الرئيسيين هما، قوات الاحتلال الامريكي والمقاومة العراقية، وإذا كان الطرف الأول قد اعترف بعجزه وفشل مشروعه، فعلى الطرف الثاني (المقاومة العراقية) أن يتبنى أي مشروع يحقق هدفها الرامي، إلى خروج الاحتلال، والمحافظة على وحدة العراق، وضمان أمنه وسيادته.

من هذا المنطلق، يمكن طرح ما نسميه بـ(الوصفة الواقعية) لحل القضية العراقية، التي تعيش تشابكات وتعقيدات داخلية واسعة، وتدخلا إقليميا ودوليا.

وان البحث عن بديل معقول، عن الأوضاع الحالية، لا بد أن يقف في مقدمة اهتمامات، من يريد للعراق الخلاص، من هذا الخراب والفوضى والدمار والقتل اليومي، الذي نجم عنه نهر ثالث من دماء العراقيين، إلى جانب نهري دجلة والفرات.

مقدمة الوصفة: إن خلاصة استراتيجية بوش الجديدة، التي تم الإعلان عنها، تتمثل في انكفاء تام في الاستراتيجية الأمريكية الكونية، التي روج لها الخطاب الامريكي قبل الغزو، وأكدت حينها على أن الهدف من غزو العراق، هو توفير (الأمن الكوني) للبشرية، لكن بعد اقل من أربع سنوات، تأتي الاستراتيجية الأمريكية لتتحدث عن (امن بغداد) فقط واضعة (الأمن الكوني) خلف ظهرها، وهذا يوضح بدقة عالية حال الامريكيين في العراق، علما بان قواتهم ومعها اكبر حشد من القوات الأمنية العراقية، لم تتمكن من بسط الأمن على حي واحد في العاصمة العراقية، بل إنهم لم يتمكنوا من تأمين أمن (المنطقة الخضراء)، وهنا لا بد من القول، ان الخطة الجديدة، إذا اتجهت إلى اعتماد الجوانب الامنية والعسكرية، فعلى من يتبنى هكذا نهجا، ان يتذكر تجربتهم في مدينة الفلوجة، عندما دمروها وأحرقوها بالكامل أواخر عام 2004، واستخدموا (الفسفور الابيض) في الحرق والتدمير والقتل، لكنها سرعان ما عادت مدينة مقاومة، رغم صغر مساحتها (4,5) كم مربعا، وهذه المساحة لا تصل الى ربع مساحة أي حي من أحياء العاصمة العراقية (مثل العامرية، الغزالية، الدورة، الشعلة، البياع وغيرها)، أي أن الخيار العسكري لن ينفع على الإطلاق، خاصة بعد أن وصلت الحالة النفسية للجندي الامريكي والعراقي إلى مرحلة اليأس التام، بسبب شدة ما يتعرضان له من هجمات، ووضوح الارتباك والتشويش والفوضى في الخطاب السياسي للزعامات الأمريكية والعراقية، وهذا ما يجعل الجندي في الجيش الامريكي والقوات العراقية يتساءل باستمرار، عن الهدف الذي يقاتل من اجله، ويكتشف بسهولة، انه يدفع دمه ثمنا لذلك، وليس ثمة ما يمكن تحقيقه.

مفردات الوصفة: لا حاجة لتقديم إحصائية بأنواع وأشكال الأخطار اليومية والمستقبلية، التي يواجهها العراق، فالجميع يعيش تفاصيلها وآلامها ومآسيها، لذلك علينا أن نبحث عن الدواء اللازم للعلاج، من خلال تشخيص دقيق لأهم الإخطار، التي تهدد العراق والعراقيين، وهذا ما يلمسه الجميع، ولا يستطيع احد إنكاره على الإطلاق، وهي ثلاثة أخطار:

أولا: الاحتلال.

ثانيا: الأجهزة الأمنية التي تم إنشاؤها في ظل الاحتلال.

ثالثا: العملية السياسية، التي تم تأسيسها على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية.

لتأكيد ما ذهبنا إليه، لا بد من الإشارة باختصار، إلى بعض الحقائق التي تثبت ذلك، فقد نتج عن قرارات إدارة الاحتلال في زمن بول بريمر، هذا الفراغ الأمني والإداري الواسع في العراق، وارتبكت مفاصل الدولة العراقية المعروفة بعراقتها، والتي تأسست مطلع القرن الماضي سنة 1921. أما الأجهزة الأمنية، فقد تم تأسيسها على أسس طائفية غريبة وشاذة، ما يجعلها أدوات بيد أحزاب وفئات ومجاميع ذات مصالح خاصة وضيقة، وهذا يتنافى مع ابسط مفاهيم الوطنية، ولم يتمكن المشاركون في العملية السياسية حتى هذه اللحظة من الإجابة على السؤال التالي، الذي يقول، لماذا تم إعطاء وزارة الداخلية الى (الشيعة)، ووزارة الدفاع الى (السنة)، حسب التسميات التي ظهرت في العراق بعد الاحتلال.

اما الان، فلا احد يستطيع أن يدافع عن أجهزة الأمن والشرطة والجيش، بعد أن سالت دماء العراقيين في نهر ثالث، خاصة في بغداد، مع وجود اكبر حشد من قوات الأمن، ودورها المفضوح في ذلك. وهذا ما يؤكد خطورة الأجهزة الأمنية على العراق والعراقيين.

ما يتعلق بالعملية السياسية، فان ما أنتجته من خراب ودمار وقتل ودماء، بسبب اعتماد المحاصصة والفئوية والمناطقية، وتقديم الولاءات على الكفاءات، يثبت بالأدلة القاطعة، أنها تشكل خطرا مخيفا على حاضر العراقيين ومستقبلهم. لهذا فان مفردات الوصفة العراقية، إذا أريد لها أن تكون فاعلة، يجب أن تتجه صوب التخلص من الأخطار الثلاثة المذكورة واعتماد البدائل الوطنية العراقية الصرفة، بعيدا عن وصفات الانتقام والحقد والضغينة، لان أحوال العراق، لا تحتمل المزيد من الدمار والقتل والفوضى والخراب.

خطوات الوصفة: لا بد من القول، إن هناك انعداما تاما للثقة بين المواطن العراقي والأجهزة الأمنية العراقية، أما الاحتلال فلا ثقة به منذ البداية، ولا يمكن أن يحصل شيء من هذا القبيل، لذلك يجب أن ترتكز الخطوات إلى مرتكزين أساسيين هما:

ترميم العلاقة بين المواطن العراقي والأجهزة الأمنية العراقية.

ان يتم التمهيد والاعلان عن انسحاب القوات الامريكية بصورة تامة ونهائية من العراق، ضمن جدول زمني معقول.

ان ترميم العلاقة بين المواطن العراقي والأجهزة الأمنية، ليس بالأمر الصعب، ويمكن أن يتم ذلك من خلال المراحل التالية، وهو ما يمكن اعتماده قبل وأثناء ما يسمى بـ(خطة امن بغداد)، على أن تكون أولى الخطوات، هي دمج قوات وزارتي الداخلية والدفاع ووضعها تحت قيادة موحدة جديدة، تتوفر فيها شروط المواطنة والنزاهة والإخلاص، على أن لا يكون من الأسماء الحالية، التي قد تثير الحساسية عند هذا الطرف أو ذاك (هناك الكثير من الضباط الكبار من الجيش السابق يتوفرون على هذه الصفات)، وان يخرج قائد قوات امن بغداد، ويعلن في بيان واضح النقاط التالية:

> إن هدف هذه القوات هو حماية المواطن العراقي. وان قواته لن تنفذ عمليات دهم واعتقال.

> لن تحصل عملية دهم أو اعتقالات لأي شخص، إلا بحضور شخصيات مرموقة من أبناء المنطقة، ولسبب لا يعترض عليه احد.

> أن تبدأ عملية إعادة المهجرين، ولا يسمح لأحد بالتجاوز على المنازل والممتلكات.

التعهد بإطلاق سراح جميع المعتقلين الذين لم يرتكبوا جريمة، وإعادة التحقيق مع الذين حكموا بجرائم، ليطمئن الجميع من وجود حسن النية والصدق في السير بهذه الخطوات، على أن يشكل قائد امن بغداد لجان تحقيق مستقلة وتحظى بالثقة والاحترام.

ولتبيان حسن النية في ضبط الأمن وحماية المواطن، يبادر قائد قوة امن بغداد، إلى إطلاق سراح أعداد من المعتقلين في سجون وزارتي الداخلية والدفاع، على أن يلتقي قادة امن المناطق بالمواطنين، الذين يطلق سراحهم، ويبلغهم رسالة إلى مناطقهم تؤكد، أن قائد امن المنطقة، سيتولى عملية إطلاق سراح الآخرين على وجبات وضمن سقف زمني معقول. وتتم المباشرة بذلك الأمر بصورة جدية ومتواصلة، أما داخل الأحياء السكنية، فيتم تشكيل مجلس محلي من وجهاء المنطقة، مهمته التنسيق مع القوات الأمنية في جميع الأمور، ويصبح القرار في المنطقة ليس امنيا بحتا، بل يشمل الخدمات، على أن تتم المباشرة بحملة تنظيف للأحياء وتخصيص مبالغ لإعادة الخدمات، وتوفير المحروقات والمستلزمات الأساسية بجميع الأحياء السكنية، وتتم المباشرة فورا بتهيئة الأجواء لعودة العوائل المهجرة، مع الأخذ بالاعتبار، إعادة الثقة للجميع، والتأكيد على أن الإجراءات، ليست مؤقتة ولا تدخل في ميدان الخدعة والفخ.

أما التوصية الأهم لقائد قوة امن بغداد، فتتمثل بإصدار تعليمات صارمة، تقضي بإنزال أقسى العقوبات، بأي ضابط أو فرد من القوات الأمنية، الذي يتحدث بالطائفية أو يمارسها، أو يذكر لفظة تشير إليها، وان يتم تطبيق ذلك بدرجات عالية من الضبط والقوة.

الجرعة قبل الأخيرة: إن تطبيق مثل هذه الخطة داخل أحياء بغداد، ستأتي بنتائج ايجابية ملموسة خلال اقل من شهر، وإذا ما تحقق مثل هذا النجاح، بالامكان تطبيقها في المحافظات والمدن الأخرى، ويتم في غضون ذلك، العمل الجاد لإزاحة الأخطار، التي قلنا إنها تهدد حاضر ومستقبل العراق، أي أن تعلن الإدارة الأمريكية جدولا لانسحاب قواتها بالكامل من العراق وفق جدول ملزم ومعقول، ويتم تعليق العمل بالدستور، أما إخطار الأجهزة الامنية، فانها سرعان ما تزول، إذا ما تم اختيار القادة الأكفاء النزيهين الوطنيين، ودمج القوات ضمن قوة امن العراق، بعيدا عن الطائفية والعرقية الحالية.

أما المقاومة الوطنية، التي تمكنت من إفشال المشروع الكوني الامريكي وإلحاق الهزيمة به، فعليها أن تبقي الإصبع على الزناد، وان لا تتحول إلى خلايا نائمة، بل إلى قوة وطنية مراقبة لما يحصل، فإذا جاءت الإجراءات والخطوات بالاتجاه، الذي يتخلص به العراق من الاحتلال، ومن جميع الأخطار والأمراض، التي جاء بها، فهذا يعني أن البرنامج السياسي للمقاومة قد تحقق، شريطة ان تكون المرحلة اللاحقة لخروج الاحتلال، مرحلة بناء حقيقي يشترك فيها الجميع، وأن يكون الولاء للعراق، والسعي إلى تهيئة الأجواء المناسبة ضمن آلية يتفق عليها، لإجراء انتخابات سليمة وباشتراطات وطنية واضحة، تضمن للجميع حقوقهم. هذه وصفة واقعية يمكن ان تتفرع منها تفاصيل كثيرة، لتصبح عنوانا وطنيا لإنقاذ العراق من هذه المحنة، والتخلص من الكوارث الحالية والمستقبلية.

* كاتب عراقي
مؤلف كتاب :جدار بغداد
الشرق الاوسط
جميع المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق