هيئة علماء المسلمين في العراق

أجواء الاحتقان المذهبي إذ تسود المنطقة- ياسر الزعاترة
أجواء الاحتقان المذهبي إذ تسود المنطقة- ياسر الزعاترة أجواء الاحتقان المذهبي إذ تسود المنطقة- ياسر الزعاترة

أجواء الاحتقان المذهبي إذ تسود المنطقة- ياسر الزعاترة

من لبنان إلى البحرين إلى الكويت إلى السعودية واليمن، فضلاً عن العراق وقبل ذلك إيران وتركيا (شكوى السنة من الاضطهاد في إيران والعلويين في تركيا)، تشيع في المنطقة أجواء احتقان مذهبي عالي النبرة لا تبشر بخير، لاسيما بعد أن شمل لبنان في الآونة الأخيرة، وهو البلد الذي كنا نعول على رموزه، لاسيما من إخواننا الشيعة من مستوى السيد نصر الله والسيد فضل الله، للقيام بدور مهم في حل معضلة العراق الذي دخل عملياً في أتون الحرب الأهلية. الأكيد أن ما جرى ويجري في العراق قد شكّل العنصر الأبرز في إطلاق الحالة المذهبية في الأمة، من دون أن يعني أنها كانت غائبة، لكن وقائع التاريخ والاجتماع ما زالت تؤكد أن الحساسيات العرقية والمذهبية الكامنة تحتاج إلى نار تشعلها أو صرخة تطلقها، ولذلك قال المصطفى عليه الصلاة والسلام في تعبير لا يدانيه تعبير في دقة الدلالة: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها».

في العراق، ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق انفلت الطوفان المذهبي من عقاله. وقع ذلك في ظل خطاب زائف صاغته القوى التي جاءت على ظهر دبابة الاحتلال من أجل خلق شرعية لوجودها ودورها، وخلاصة الخطاب المذكور هي تحميل العرب السنة وزر ذنوب النظام السابق.

هكذا جرى تزوير التاريخ برمته، وبدا أن العرب السنة لا يحاكمون على جرائم النظام السابق فحسب، بل يصفى معهم حساب عمره أربعة عشر قرناً، لا يبدأ من قتل يزيد للحسين فحسب، بل يمتد إلى سقيفة بني ساعدة التي شهدت «تآمر» عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما على الإمام علي كرّم الله وجهه وسرقتهما للخلافة منه!!

وفق هذه النبرة، وعلى هذا الأساس خرجت كتابات ومحاضرات، ورأينا سيلاً من الفضائيات التي تتخصص في إشاعة اللطم وتكريس العقد المذهبية كما لم يحدث من قبل. ونتذكر هنا فضائية المنار التابعة لحزب الله، والتي تبث منذ سنوات طويلة من دون أن يشعر المسلمون السنّة حيالها بالكثير من الحساسية، حتى وهي تحتفل بعاشوراء على ذلك النحو المعروف، الأمر الذي بدأ يتغير منذ ثلاث سنوات تبعاً لموقفها من الوضع في العراق.

هكذا صار العراق منبتاً للحشد والتحريض، وفيه نسى الكثيرون أو تناسوا في حمأة الانتصار على صدام حسين العربي السني «الناصبي» أنهم حين يفعلون ما يفعلون فإنما يطلقون في المقابل سيلاً من العقد والأحقاد لدى آخرين لا تنقصهم البلاغة لكي يكرروا مقولات قديمة حول «الروافض» وكونهم أكثر خطراً على الأمة من اليهود، مستعيدين روايات تاريخية من هنا وهناك تؤكد مقولاتهم. وقد جاء إعدام صدام بتلك الطريقة في يوم العيد ليصعد الاحتقان الطائفي ضد الشيعة وإيران على نحو لم يعرف من قبل حتى أيام الحرب العراقية الإيرانية.

لقد نسي أولئك أنهم يعيشون وسط بحر من المسلمين السنّة، أكانوا عرباً أم غير عرب. فمن المحيط إلى الخليج، ومن طنجة إلى جاكرتا مازال المسلمون السنة هم الأغلبية في الأمة (حوالي 85 في المائة)، ما يعني أن حرباً مذهبية في العراق يمكن أن تنتشر في مختلف أرجاء المنطقة.

في لبنان الذي كنا نأمل في مساهمته في تنفيس الاحتقان، بدا الوضع مؤسفاً في الآونة الأخيرة، فحين يتحدث الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله عن دعم المسلمين السنّة لحزب الله، فذلك صحيح في سياق مواجهته للاحتلال، لكن الوضع لم يعد كذلك في الآونة الأخيرة، والسبب هو موقف الحزب مما يجري في العراق.

منذ أكثر من ثلاث سنوات ونحن نتابع خطابات السيد حسن نصر الله وقادة حزب الله من دون أن نعثر على كلمة طيبة واضحة في المقاومة العراقية، أو كلمة إدانة في حق من يتعاونون مع الاحتلال الأمريكي في العراق من الشيعة. أما الخطاب الأخير للرجل فلم يتجاوز الإشكاليات المطروحة حين ساوى بين الطرفين في كل شيء.

هل ثمة قتل أعمى من الطرفين في العراق؟ نعم لكنه من طرف الشيعة أكثر قسوة، إذ أنه يصفي نخبة المجتمع العربي السني، كما أن معظم المهجرين من السنة، وكذلك المعتقلين، أما الأهم فهو أن جماعات العنف في السنة هي جماعات هامشية ومدانة بكل قوة وصراحة من قبل رموز السنة في الداخل والخارج، خلافاً للحال في الطرف الآخر، وحيث تشارك أهم القوى السياسية في القتل الطائفي، فيما يسكت المراجع والرموز في الداخل والخارج على ذلك.

المقاومة في العراق كما يدرك السيد نصر الله هي التي حمت سوريا وحمت إيران، وحالت دون سهولة استهداف الحزب في لبنان، والإنصاف يقتضي الاعتراف لها بذلك، وليس صحيحاً أن النصر في لبنان هو الذي حمى المنطقة من التقسيم. أما القول بأن المشاركين في العملية السياسية هم سنة وشيعة، فصحيح، لكن الصحيح أيضاً أن علماء السنة ورموزهم لا يقولون عن حكومة الاحتلال إنها حكومة شرعية، خلافاً للحزب الذي يراها كذلك.

نعود إلى القول إنه عندما يسود الحشد الغرائزي؛ والمذهبي جزء منه، يغيب العقل إلى حد كبير، ومن دون تدخل من تبقى من العقلاء في الأمة فإن الموقف سيبقى برسم المزيد من السوء وربما وصل حد الاقتتال الشامل وعلى كافة الأصعدة.

على أن ذلك لن يتم من دون إرادة الدول، فحين تميل هذه إلى تصعيد الحشد المذهبي فسيحدث ذلك من دون شك، ونتذكر ها هنا ما جرى أثناء حرب الخليج الأولى وكيف جرى إقناع معظم الحركات الإسلامية والناس بمقولة «المد الصفوي»، ولابد من الإشارة هنا إلى أن مصلحة واشنطن وتل أبيب تقتضي تصعيد هذه الحالة في المنطقة لتعويض الفشل في العراق، وتمهيداً للحرب على إيران، ومن دون موقف إيراني أفضل في العراق فستبقى المعادلة على حالها.

كل ذلك يشير إلى أنه من دون حوار عربي إيراني، وبشكل أكثر تحديداً بين مصر والسعودية وإيران، فلن يجري تنفيس الاحتقان القائم، لاسيما في العراق، حتى لو تجاوزه الحشد عملياً ليطال المنطقة برمتها. أما الأهم فيتمثل في قدرة إيران على كسب جماهير الأمة من خلفها في مواجهة أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي عليها، وهو ما لن يحدث إذا ما واصلت سياستها الراهنة في العراق، مع العلم أن الموقف منها قد تغير في الآونة الأخيرة، وحين يحدث ذلك، فإن الحشد الطائفي سيزداد شراسة على نحو يثير الكثير من المخاوف.

الشرق القطرية
المقالات المنشورة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق