هيئة علماء المسلمين في العراق

لا مستقبل للتعليم في العراق ما لم يرحل الغزاة-هيفاء زنكنة
لا مستقبل للتعليم في العراق ما لم يرحل الغزاة-هيفاء زنكنة لا مستقبل للتعليم في العراق ما لم يرحل الغزاة-هيفاء زنكنة

لا مستقبل للتعليم في العراق ما لم يرحل الغزاة-هيفاء زنكنة

تغيرت صورة الجامعات العراقية ومهماتها. لم تعد مكانا لتلقي العلم والمعرفة. للبحث والتجربة العلمية. للتفكير بهدوء وتطوير القدرات العقلية. لاعداد الاجيال الجديدة من مدرسي المستقبل وبناة الوطن وناقلي الخبرة والثقافة ومطوري التكنولوجيا. صارت الجامعات في العراق المحتل، مثل كل الاماكن الاخري، موقعا بلا حرمة تستهدفه قوات الاحتلال متي شاءت وتداهمه لتعتقل الطلبة والاساتذة. مساحة تحتلها ميليشيات الارهاب والموت لتتغدي علي ترويع كل محب للمعرفة لاكراهه علي الرحيل والهجرة وترك الوطن للجهلة الأميين خدمة الاحتلال.
يوم الاربعاء الماضي، اكتست جامعة المستنصرية السواد. تحولت ممراتها الي مكان لتشييع احد اساتذتها. الاقتصادي ضياء المكوطرالذي اغتيل كما المئات من الاكاديميين والمعلمين والتربويين، منذ الغزو وحتي اليوم، بلا جريمة غير كونه استاذا وطنيا، واحدا من القادرين علي التعليم وابعاد روح الظلام عن النفوس. واحدا من الرافضين لروح العبودية.
فجر اليوم نفسه داهمت قوات الاحتلال حرم الجامعة نفسها مستهدفة مجمعا سكنيا مخصصا للاساتذة. وحسب الاسلوب الاسرائيلي ـ الامريكي الارهابي المعتاد كسرت القوات الابواب وحطمت الاثاث بحجة البحث عن (عناصر مسلحة). وقبل ذلك بأسبوع كان نصيب الجامعة التاريخية تفجيرا قتل الطلاب والطالبات ناثرا الاشلاء عند بوابتها وفي حرمها وكأن من يتجرأ علي التحصيل العلمي، رغما عن ارهاب الاحتلال وميليشياته، محكوم بالموت بلا محاكمة. صار الدوام في المدرسة والجامعة كابوسا بعد ان كان طموحا وحلما لتحقيق الامال.
كيف نجح الاحتلال ومستخدموه الذين يتباهي بعضهم بالدراسة والاقامة في الغرب ورضاعتهم من ثدي الديمقراطية، في اختزال التعليم الي مفهوم لم نعرفه سابقا؟ هل هناك تعليم في العراق المحتل؟
حسب ارقام وزارة التعليم. لقد بدأ العام الدراسي الحالي بحضور 30 بالمئة من تلاميذ المدارس الابتدائية فقط. وهي نفس النسبة التي كانت مؤشرا للدوام في اربعينيات القرن الماضي تحت الحكم الملكي. بينما كان حضور الطلاب في المدارس، وكما هو معروف، قد بلغ نسبة مئة بالمئة قبل حرب الخليج الثانية وسنوات الحصار الجائر. واكثر المتضررين من عدم امكانية وصول الطلبة والتلاميذ الي المدارس والجامعات هن الفتيات. مما يعني باننا سنعاني من خسارة التعليم لجيل بكامله وحرمانهم من التنمية والتطور اللازم لبناء البلد.
ومن يعرف طبيعة الشعب العراقي سيدرك مدي اعتزازه وحبه للتعليم. وسيفهم كيف استبدل العراقيون الانتماء الطبقي بالشهادة الجامعية. وقد اشار تقرير لليونسيف عن التعليم في العراق لعام 2005 بان من معوقات التعليم، عادة، في المناطق الريفية وخاصة في تعليم الفتيات هو نقص تأييد ودعم المجتمع المحلي الا ان الوضع كان مختلفا في العراق اذ (ان بعض المجتمعات المحلية في العراق دعمت البرنامج التعليمي المسرع بشكل كبير حيث تمتلئ فصول الفتيات بل وتتضمن بعض الفتيات المتزوجات واللاتي تدعمهن أسرهن لإتمام تعليمهن).
لذلك بات واضحا ان اجبار العراقي علي التخلي عن تعليم بناته وابنائه سيتطلب اخضاعه لاقسي الظروف وتهديد سلامته وحياته. وهذا بالفعل ما هو حاصل الان في العراق. ان اسباب التخلي عن الدراسة بالنسبة للمواطن، وهي عديدة، أهمها قلة الامان والخوف علي سلامة النفس والابناء من العصابات والاختطاف والقتل من قبل قوات الاحتلال علي تعدد جنسياتها والميليشيات والمرتزقة وحراس الامن الخاصين بحكومة الميليشيات والتفجيرات العشوائية. واذا ما اضفنا الي ذلك احتلال القوات الامريكية وغيرها للمدارس وتحويلها الي مراكز مراقبة ورصد وقواعد في وسط المناطق الاهلة بالسكان، فضلا عن نهب الميزانية المكرسة لاعادة تأهيل المدارس ونقص الحاجيات الضرورية وتزييف عقود البناء، وان 84% من البني التحتية لمؤسسات التعليم العالي تعرضت للأضرار جراء الحرب وأعمال النهب ما تزال تعاني من التخريب وليس هناك ما يشير الي تحسن الاوضاع قريبا، مما يجبر العديد من المدارس علي تبني نظام الدوام المزدوج، وضعف المستوي الدراسي الجامعي، لوجدنا ان مستقبل التعليم سيبقي مظلما مادامت حفنة مستخدمي الاحتلال تطالب بابقاء سيدها في ارجاء الوطن.
ولكي يعم الظلام بلا اعتراض او احتجاج ولكي لا يري مستخدمو الاحتلال من يذكرهم بجهلهم وتخلفهم تشن ميليشياتهم حملات الاختطاف والتهديد والتنكيل وقتل المعلمين والاساتذة. حيث تشير ارقام اليونسكو الي انه بين عامي 2003 و2004، قد اغتيل 47 معلماً علي أقل تقدير. وبين شباط/فبراير وآب/أغسطس 2006، اغتيل حوالي 180 أستاذاً وفرّ 2503 آخرون من البلاد.
هذه الجرائم البشعة بحق الشعب العراقي تتم لسبب بسيط وواضح وهو ان سيادة الجهل تقتضي القضاء المطلق علي كل انسان واع. لان الوعي الفاضح لروح العبودية سلاح خطير تخشاه قوي الاحتلال وعبيدها.
ولكي تسود العبودية بسرعة تشن ادارة الاحتلال حملة ترويع ومداهمة علي الجامعات وبيوت الاكاديميين وتعتقل الاساتذة او توفر امكانيات القتل والتهديد والترويع لينفذها عملاؤها في وضح النهار، بلا محاسبة او تطبيق للقانون، كما حدث اثناء حملة الاختطاف الجماعي للطلاب والمدرسين والموظفين في قسم البعثات والدراسات العليا في جامعة بغداد.
وقد حرم من الدراسة، ايضا، كل من تم تهجيره اما داخل العراق او الي خارجه. وقد تجاوز عددهم الثلاثة ملايين حسب احصائيات الامم المتحدة الاخيرة. فساكنو المخيمات والبيوت المهدمة قد اختزلت همومهم الي البقاء علي قيد الحياة وتوفير اساسيات المعيشة ولو بشكل بدائي مما يجعل التعليم ترفا وحلما بعيد المنال.
ولكي لا يبقي في العقول شك حول هوية قتلة الاكاديميين والتعليميين نقول بان معظم جرائم القتل والابادة تتم نهارا ومن قبل من يرتدي ازياء الشرطة ومن قبل ميليشيات النظام المتعددة والاكثر من ذلك كله انه لم يجر لحد الان التحقيق في جريمة واحدة كما لم يتم توجيه التهمة الي احد علي الرغم من معرفة الجناة.
هكذا تحولت الجامعات العراقية العريقة بتاريخها وانجازاتها العلمية والمعرفية بكافة فروعها وتخصصاتها والتي طالما استقبلت الطلاب العرب والمسلمين والاجانب بسخاء علمي ومستوي تعليمي مواز لافضل الجامعات العالمية، الي ساحات معارك تسود فيها الفوضي وتفترش فيها الميليشيات من جميع التيارات عباءاتها. غادر الحرم الجامعي اساتذة العلوم السياسية والاقتصاد وتلاهم أساتذة الطب والعلوم حفاظا علي النفس والاهل. وأملا في العودة، ذات يوم، لخدمة العلم والمعرفة في وطن لايتخبط فيه الجهلة الاميون، سواء من ارتدي منهم العباءة والحجاب او من سار حاسر الرأس في المنطقة الخضراء، المسرعين لابداء وفائهم واخلاصهم لسيدهم المحتل.
ان رسم سياسة التعليم في أي بلد ترتبط باستقلاله واستراتيجيته للتنمية الوطنية وهذا ما لن يحدث والعراق ينوء تحت ظلام الاحتلال. ان الأمل بعودة العلم والمعرفة بصورتهما الطبيعية الي العراق يتصاعد يوميا مع ترنح الاحتلال وعملائه، وتخبطهم، وتصاعد إنخراط العراقيين في فعل المقاومة المتنامي. وفي هذا المجال ستصب أيضا جهود علماء العراق وأساتذته، وطلابه وطالباته المحرومين من دراستهم. فكل طاقة لا تجد مجالا سويا لتستمر كما في البناء والحياة السوية، تجد لنفسها متنفسا آخر. والمجال الوحيد لمن يخنقه كابوس الاحتلال هو ان يتخلص منه وبكل الطرق المتاحة.

   
- القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق