من يقرأ تاريخ العراق، وتحديداً تاريخ الصراع على العراق وفي العراق، لا يشك قطعاً ان جميع القوى التي اختارت هذه الأرض ميداناً لصراعها وتنافسها، ومنذ زمن ليس ببعيد، قد خرجت من دون المساس بكيان العراق ليس الجغرافي فحسب بل وحتى المجتمعي، وأعني التأثير في النسيج الاجتماعي الترابطي الذي ظل معافى رغم جميع الموجات الاستعمارية وخاصة ذات الطبيعة الطائفية.
صحيح أن أهل العراق دفعوا الثمن غالياً من دمائهم وأرواحهم، لكن العراق خرج من كل تلك الغزوات وكل ذلك الصراع موحدا وسليما، ولم تتمكن تلك الموجات بكل جبروتها وقوتها ان تعيد رسم خارطته، وأن تخل بنسيجه الاجتماعي، لا بل ان هذه الخارطة ظلت بجبالها وروابيها وسهولها تشير الى بلاد الرافدين مصونة ومحفوظة وأهل العراق موحدون متآخون متآزرون يشد بعضهم بعضاً، يتقاسمون مر العيش وحلوه، ومن يعتقد عكس ذلك عليه ان يعيد قراءة القريب والبعيد من تاريخ المجتمع العراقي، وخاصة ما أورده العلامة الكبير علي الوردي في موسوعته “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث”، لكن ما يميز الحملة الأمريكية الجديدة هو ما ستؤول اليه خارطة العراق السياسية دون (الاجتماعية) وهو مكمن الخطر في المشروع الأمريكي.
من هنا يمكن ان نقول ان هذه الحملة هي من أخطر الحملات الاستعمارية التي مر بها العراق، ومن يسأل ما الذي يجعل الرئيس الأمريكي بوش دائم الحديث عن ان الحرب الأمريكية لم تحقق أهدافها بعد، رغم جميع الخسائر الموجعة في أفراد قواته والخسائر المادية الباهظة والجسيمة على الميزانية الأمريكية، اضافة الى الرفض الشعبي والرسمي لاستمرار الحرب على العراق؟ عليه ان يفهم ان هذه الحملة لن تنتهي إلا بعد تقسيم العراق، وأعني تحديداً المباشرة في تطبيق المشروع شرق الأوسطي الجديد، وهو الهدف الاستراتيجي الذي تسعى اليه ليس الولايات المتحدة وحدها بل الكثير من القوى الإقليمية، يساندها البعض من القوى السياسية في المنطقة التي تتماشى مع أهداف ذلك المشروع ومع الرغبة الأمريكية دون الحديث عن أي مضمون آخر.
ففي العراق اليوم، لا يمكن الحديث عن مسؤولية جهوية محددة عن جميع الأعمال الإجرامية التي تحصل، فالولايات المتحدة تتنصل من ذلك بحجة وجود حكومة منتخبة وعليها أن تمارس مسؤولياتها في الكثير من المفاصل الأساسية التي تهم حياة الناس، وهي غالباً ما تتحدث عن دور المساعدة لإعادة بناء واستقرار العراق، لكنها في الوقت نفسه لا تعطي الإمكانات اللازمة التي تمكن الحكومة من القيام بأعبائها، والحكومة تتذرع بعدم وجود الصلاحيات الكافية لإدارة الدولة، في إشارة الى حديث رئيس الوزراء العراقي حول عدم إمكانية تحريك سرية واحدة من القوات المسلحة من دون إذن القيادة الأمريكية، ومن دون الحديث عن الجرائم اليومية التي يسببها هذا الوجود، فمستويات الجريمة المنظمة في تصاعد والتهجير القسري مستمر والقتل على الهوية الطائفية بدأ يأخذ مستويات من الخطورة لا أحد يستطيع التكهن بنتائجها وعمليات السطو المسلح على المال العام والخاص اصبحت من الظواهر المعروفة أما استهداف العلماء والمفكرين وأساتذة الجامعات والإعلاميين فقد أصبحت هي الأخرى من الأحداث المألوفة.
من هنا يصبح الحديث عن إعادة النظر بدعوة الأمين العام السابق كوفي أنان لعقد مؤتمر دولي لمعالجة الوضع العراقي في غاية الأهمية والخطورة، ويصبح لزاماً على الأمين العام الجديد أن يضع في مقدمة أولويات مسؤولياته معالجة المجازر الانسانية التي تحصل في العراق كل يوم، والجميع يتنصل من المسؤولية الجنائية. وعلى الأطراف الحكومية ان تكف عن الحديث عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بحجة ان ذلك يتقاطع مع السيادة التي ينبغي ان تحترم، السيادة التي لا يستطيع من خلالها القائد الأعلى للجيوش ان يحرك سرية واحدة إلا بإذن من القوات المحتلة، السيادة التي تبيح التنصل من المسؤوليات والناس تذبح فرادى وجماعات والجثث تلقى في الطرقات كل يوم ولا أحد يدري من الفاعل، السيادة التي تبيح للمفسدين الهرب بأموال العراق والناس تتضور برداً وجوعاً.
مَثلُ من انت يا بن أبي طالب كرم الله وجهك حين تطعم زاد صومك للمساكين وتعض على جوعك تقربا الى الله، وكنت تطفئ النور عن جلاسك خشية أن تقابل ربك وقد أهدرت من مال المسلمين ضوء شمعة.
مَثلُ من أنت يا عبدالحميد آخر سلاطين آل عثمان حين عرض عليك هرتزل المال كله مقابل التنازل عن فلسطين فأعرضت قائلاً ان شئتم فخذوا قطعة من جسدي، فتلك أهون علي من أن أعطي شبرا من ديار المسلمين، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، أليس في تراثنا العربي والإسلامي عظة، لكي نقطع الطريق أمام أخطر المشاريع الشريرة على الاطلاق.
الخليج الامارتية
العراق ومكامن الخطر-د. حسين حافظ
