تابعنا الليلة قبل الماضية حديث السيد حسن نصر الله حول لبنان والعراق والفتنة الطائفية التي تلوح في أفق المنطقة ، وكعادته كان الرجل كبيراً وصاحب منطق ، لكن الموقف الإشكالي كان يحرجه طيلة الوقت. في الحوار ترك مذيع المنار السيد يحاضر حول أسس التعامل مع الأزمة الناشبة في العراق بما يحول دون انتشارها من جهة ،
ولكي لا تخدم الإستراتيجية الأمريكية الصهيونية القائمة على التفتيت ، ما حرمنا من مقابلة أفضل بكثير لو أجراها مذيع مهني يتوقف عند كل نقطة فيرد ويحاور. في السياق اللبناني كان منطق الرجل أكثر تماسكاً من منطق خصومه ، لاسيما بعد أن أخذوا يستخدمون الحشد الطائفي ، فيما لم يعرف عنه أي سلوك على هذا الصعيد ، لكن نقطة ضعفه في هذا المضمار كانت ولا تزال ممثلة في الموقف مما يجري في العراق ، ولذلك كان لا بد من فتح هذا الملف ، وعندما فتحه حصل على بعض النقاط لصالحه شخصياً ، لكن عموم الموقف لم يتغير كثيرا.
وتبقى ملاحظة على هذا الشق تتعلق بقوله إن المقاومة اللبنانية هي التي أفشلت مشروع تقسيم على المنطقة ، والصحيح أن المقاومة العراقية هي التي فعلت ذلك. من الضروري القول إن ما أكد عليه الرجل حول ضرورة عدم أخذ أي طرف بجريرة فريق منه هنا وهناك ، والتعامل بمنطق شيعة وسنّة صحيح إلى حد كبير ، لكن المعضلة تكمن في أن زمن الفتن لا يسمح بشيء كهذا إلا في نطاق ضيق من أهل الحكمة ، بل إن هؤلاء كثيراً ما ينساقون أيضاً خلف جمهورهم ، وقد رأينا كيف أعلن المالكي أنه استشار مراجع النجف الأربعة قبل إعدام صدام حسين صبيحة العيد.
في مسألة القتل الطائفي في العراق التي تستنفر المشاعر ساوى نصر الله بين الطرفين ، وهي معادلة صحيحة لو أخذت في مظهرها الخارجي ، لكن الواقع ليس كذلك ، حتى لو قال الطالباني أن 70 في المئة من ضحايا القتل الطائفي هم من الشيعة: مع شكّنا في كل ما يقوله هذا الرجل ، والسبب أولا أن هذه الأرقام لا تشمل المهجرين أو الفارين من القتل الطائفي ومعظمهم من العرب السنة ، كما لا تشمل عشرات الآلاف من المعتقلين ومعظمهم أيضاً من العرب السنة ، أما ثانياً فهو أن ضحايا التفجيرات في المناطق الشيعية هم أناس عاديون ، حيث يندر أن نسمع عن قتل إمام أو عالم ، بينما ضحايا فرق الموت هم في الغالب نخبة المجتمع العربي السني ، وبذلك توزعت هذه الفئة الأخيرة بين المنافي والمقابر والسجون. لكن الأهم من ذلك كله هو أن من ينفذون التفجيرات العشوائية في المناطق الشيعية هم أناس هامشيون بين العرب السنة ، وأعمالهم مرفوضة ومدانة وتسيء إلى المقاومة البطولية ، وثمة مئات البيانات والتصريحات على هذا الصعيد ، بينما القتلة في الطرف الآخر هم من صلب القوى السياسية ، فيما لا يتحدث المراجع عن الموقف كما يتحدث العلماء ونخب العرب السنة في الداخل والخارج.
في قضية الانخراط في العملية السياسية التي رتبها الاحتلال ، برر نصر الله موقفه منها بأنها تشمل سنة وشيعة ، وهنا أيضاً كان الموقف إشكالياً ، فقد رفض رموز السنة في الخارج ذلك الانخراط وتحدثوا دائماً عن حكومة غير شرعية ، بينما لم يفعل حزب الله ذلك ، لا هو ولا الغالبية من رموز الشيعة في الخارج. ي موضوع المقاومة تحدث السيد عن مقاومة شيعية وسنية ، وهنا لم يكن الموقف صائباً تماماً ، إذ أن أغلبية المقاومة ، حتى لا نقول جميعها ، عربية سنية ، وكم نتمنى لو كان الموقف غير ذلك ، لكن اللافت فيما قال الرجل هو تلك الرسالة المتعلقة بمشاركة الشيعة في المقاومة ، الأمر الذي يبدو متوقعاً بعد الترتيب الأمريكي الجديد والسعي إلى استبعاد حلفاء إيران القريبين وعلى رأسهم التيار الصدري من اللعبة. ولذلك حديث آخر يدخلنا هذا إلى حديث الرجل عن المشروع "الصفوي" ، وهنا ركّز على خطر المشروع الأمريكي الصهيوني ، وهذا صحيح ، لكن ما يجري في العراق هو الذي يحرك القناعة بوجود المشروع الإيراني ، وإذا لم تغيّر طهران سياستها هناك فسيكون من الصعب محاصرة تلك النظرية على رغم صواب القول بأن واشنطن هي التي تروّجها في سياق استهدافها لإيران.
موقف السيد من تقسيم العراق كان مهماً ، فقد رفضه واعتبره مقدمة لتقسيم المنطقة ، وهو موقف يحسب له ، لاسيما وهو ينطوي على معارضة صريحة لسياسات المجلس الأعلى الذي تولى كبر الفيدرالية. نعود إلى القول إن الرجل بدا توفيقياً في حديثه ، لكن عموم الموقف لم يساعده كثيراً ، من دون أن يقلل ذلك من أهمية دعوته لمحاربة الفتنة ، ما يستدعي جهداً جماعياً على هذا الصعيد نتمنى أن يبدأ في القريب العاجل.
الدستور الاردنية
المقالات المختارة لا تعبر الا ن راي كاتبها فقط
نصر الله يتحدث عن العراق والفتنة -ياسر الزعاترة
