25 قتيلاً أميركيّاً في يوم واحد، فضلاً عن عشرات القتلى العراقيّين ممن صاروا خبراً عاديّاً من أخبار منبع الدم الذي يُسمّى العراق. عاديّة الخبر ما لبثت أن تأكّدت في اليوم التالي، مع سقوط سبعين قتيلاً في سوق شعبيّة من أسواق بغداد.
أحداث صارت طفيفة، وإن كان لا يفصلها غير أيّام قليلة عن الاستراتيجيّة الهجوميّة الجديدة كما أعلنها جورج دبليو بوش، مُرفقاً إيّاها بـ21 ألف جنديّ اضافيّ هم برهان الجدوى والفعاليّة.
وعلى الجبهة السياسيّة ليس الوضع أفضل. فقد أتت الفضيحة مطنطنة مرنرنة، حين حبس بوش ونوري المالكي نفسيهما، وهما يستعدّان لرفع درجة التكامل والتنسيق، في مهاترة حظيت بصدارة الإعلام المرئيّ والمقروء. والمالكي، وهو أحد أصحاب «اجتثاث البعث»، انما حلّ حيث هو لأنّ العلاقة ساءت، والتواصل استحال، بين سلفه ابراهيم الجعفري وواشنطن. فإذا ما عُطف ذلك على اعتقال عبدالهادي الدرّاجي، ووُضع الحدث كاملاً في سياقه، تبدّى أن الولايات المتّحدة تنوي فرز «حصّتها» في الشيعة العراقيّين عن «حصة» إيران.
وهو طموح غدا وهماً محضاً أشار اليه بالتتابع تراجع حظوظ إياد علاّوي، وتحوّل أحمد الجلبي بعد اكتشافه جذوره، والخلفيّة تدشين حقبة ما بعد الحرب باغتيال عبدالمجيد الخوئي.
ولم يدر في خلد ادارة بوش ان القوى الشيعيّة الفاعلة تقف حيث تقف واشنطن حين يكون «الارهاب» المحسوب على فصائل سنية هو العدوّ. أما حين تحتلّ إيران و «الارهاب» المنسوب الى فصائل شيعية موقع العداوة، تتحكّم حسابات أخرى، مغايرة تماماً، بالقوى المذكورة.
وأغلب الظنّ ان يكون الاكتشاف الأميركيّ المقبل مدى اعتدال الصدر و «جيش المهدي»، ومدى نقص إيرانيّتهما، قياساً بالحكيم و «فيلق بدر» الذي ولد ونشأ ودرب في طهران، ولا يزال يغرف من معين الدعم الإيرانيّ على تعدّد أشكاله.
ووراء هذا المسار الانحداريّ للنفوذ الأميركيّ، المصحوب بمسار تصاعديّ للنفوذ الإيرانيّ، عوامل عدّة منها ما لم تصنعه السياسة الأميركيّة ومنها ما صنعته بعجزها عن الانجاز الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وبتلكّؤها في مطاردة المدّ الإيرانيّ، فضلاً عن القرارات الخاطئة الكبيرة الأخرى وفي مقدّمها حلّ الجيش. وكان للحكومات العربيّة المعنيّة ان آزرت طويلاً هذا الجهد الأميركيّ بأن تركت طهران تبني مرتكزاتها، فيما هي مستنكفة عن التدخّل، لا تريد النجاح لعراق ما بعد صدام ولا تريد الفشل.
وكما ان الحرب نفسها أتت هديّة كبرى تُمنح لإيران، جاء البناء السياسيّ الذي أعقبها هديّةً أخرى. وبدل أن يظهر الاعتدال الشيعيّ ويقوى فيقوّي الاعتدال السنيّ ويعزّز رصيد «العراق الجديد»، تلاحقت متواليةٌ يمكن إيجازها بالتالي: أطلقت القرارات الكبرى، كحلّ الجيش و «اجتثاث البعث»، عمليات «الارهاب» على يد تنظيمات مسلحة غريبة وطارئة ومعها النفوذ الإيرانيّ، وهما، بدورهما، أطلقا «ارهاب» التنظيمات الشيعيّة بحيث لم يجد الوضع «الجديد» ما يحاور به السنّة الا جثّة صدّام حسين. هكذا بات على واشنطن أن تدفع من رصيدها ثمن ما يرتكبه حلفاء إيران المظنون أنّهم حلفاؤها. وعلى النحو هذا، تربّعت أميركا فوق راديكاليّتين أصوليّتين وإرهابيّتين، أو شبه إرهابيّتين، اختُصر اليهما العراق.
وهي، في مجملها، نظرة خرقاء بدأ العمل بها قبل الحرب حين تولّى الحصار المديد والجائر تدمير الطبقة الوسطى العراقيّة تمهيداً لبناء الديموقراطيّة! ثم تولّت الحرب نفسها، عبر حلّ الجيش و «اجتثاث البعث وما تبعه من دمار الاسرالمثقفة والمعتدلة في سلوكياتها بعد تدمير معيلها البعثي ! »،
إيقاف الدولة العراقيّة على قدميها!
ولا يستطيع أن يرتكب هذه الأخطاء جميعاً الاّ عقل يجمع بين الايديولوجيّة القصوى والبرّانيّة الكاملة، عقلٌ لا يعرف أصحابه أن البلد مشكّل من طوائف واثنيّات، وأن أهله يتأثّرون، مثلهم مثل كلّ شعوب الأرض، باقتصادهم ومعاشهم. بيد أنهم «يعرفون» ان العراقيّين شعب واحد موحّد يعشق الديموقراطيّة! والبرانيّة تلك من سمات المهاجرين والمنفيّين الذين نابوا في واشنطن عن ملايين العراقيّين، فيما واشنطن، في ظلّ «المحافظين الجدد» والبَلَه المستولي على البيت الأبيض، مصابة بصدّ الواقع والاذعان للتخيّلات والأوهمة، الزمنيّ منها والدينيّ.
هؤلاء جميعاً لا يمكن تبرئتهم من دم العراق، مثلهم مثل صدّام وإيران وسورية والزرقاوي وباقي المساهمين.
الحياة
المقالات المتارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
العراق في أعناقهم جميعاً-حازم صاغيّة
