هيئة علماء المسلمين في العراق

ابتزاز أمريكي لثلاث دول عربية - ياسر الزعاترة
ابتزاز أمريكي لثلاث دول عربية - ياسر الزعاترة ابتزاز أمريكي لثلاث دول عربية - ياسر الزعاترة

ابتزاز أمريكي لثلاث دول عربية - ياسر الزعاترة

ضمن إستراتيجيته الجديدة في العراق مارس الرئيس الأمريكي جورج بوش نوعاً من الابتزاز الرخيص لثلاث دول عربية هي مصر، والمملكة العربية السعودية، والأردن محذراً إياها من أن الهزيمة الأمريكية في العراق ستشكل خطراً داهماً عليها، لأن العراق سيتحول إلى بؤرة للمتطرفين. والحال أن الدول المذكورة لا تحتاج إلى من يحذرها من الإسلاميين المعتدلين، فضلاً المتطرفين، وقد رأينا الرئيس المصري حسني مبارك يحذر في مقابلة نشرت بعد يوم واحد من إعلان بوش لخطته من خطر جماعة الإخوان المسلمين، مع أننا ندرك أن المنطق الأمريكي لم يعد يفرق كثيراً بين الألوان الإسلامية، بقدر ما يجمعها جميعاً في سلة التطرف، وإن بدا أن التحذير هنا يعني تنظيم القاعدة على وجه الخصوص، ربما لأن بوش ومن حوله، تماماً كما هو حال قوى الائتلاف الشيعي الحاكم، لا يريدون الاعتراف بوجود قوىً إسلامية واعية تقاوم الاحتلال، وهي تقدم تبعاً لذلك خطاباً معتدلاً لا يتحدث عن الخلافة التي ستبدأ من العراق، بقدر ما يتحدث عن عراق محرر كامل السيادة، وذي هوية عربية إسلامية، يعيش فيه أبناؤه بعيداً عن الإقصاء والمحاصصة الطائفية والعرقية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بناء على تحذيرات بوش، هو هل يعتقد الرجل فعلاً أن الدول المذكورة من السذاجة بمكان كي تصدق نظرية أن الهزيمة الأمريكية في العراق ستشكل خطراً عليها، وأن النجاح، بمفهوم المفارقة، سيكون خيراً وبركة على حاضرها ومستقبلها؟
هل ينسى السيد بوش أن الهجوم العسكري على العراق قد شفع بخطابات لا تحصى عن إعادة تشكيل المنطقة ونشر الإصلاح والديمقراطية فيها، وهي الخطابات التي أصابت الأنظمة بالذعر وليس الشعوب ولا المتطرفين، على اعتبار أن الإصلاح برأيها هو تغيير الأوضاع القائمة، لأن الشعوب قد ملتها، وإذا لم يكن كذلك، فهو سيعني وضع الدول تحت الوصاية، كما لو كانت تحت استعمار مباشر، وربما أسوأ من ذلك؟!
ألم يقل له مستشاروه إن الدول العربية، ومن ضمنها الثلاث المذكورة قد تنفست الصعداء عندما اندلعت المقاومة في العراق ولاحت معالم الفشل الأمريكي هناك، الأمر الذي لم يكن حكراً على سوريا وإيران، وإن بدتا أكثر اهتماماً بالأمر تبعاً لكونهما الأقرب في مسلسل الاستهداف الأمريكي التالي بعد العراق؟
صحيح أن أكثر الدول العربية، تماماً كما هو حال دول الاتحاد الأوروبي، وربما دول أخرى أيضاً لا تريد للسقوط الأمريكي أن يكون مدوياً على يد مجموعات راديكالية تصعب السيطرة عليها، لكن ذلك لا يخفي حقيقة أنها جميعاً لا ترغب في انتصار أمريكي في العراق تدرك تداعياته على المنطقة والعالم عموماً في ظل برنامج يميني متطرف يتحدث عن السيطرة على العالم بالقوة العسكرية.
سيقال هنا إن جورج بوش لا يعني فقط المتطرفين السنّة الذين يملكون امتدادات داخل الدول العربية بهذا القدر أو ذاك، ويمكن أن يساهموا في تعكير الأمن وتهديد الأنظمة، بل يعني أيضاً المتطرفين الشيعة الذين ستعني سيطرتهم على الوضع في العراق تصعيداً لأحلام المشروع الإيراني في المنطقة، وهو قول يملك بعض المنطق، لكن الأكيد أن مخاطر النجاح الأمريكي لا تزال أكبر بكثير من ذلك كله.
عندما ينجح الأمريكيون فعلى العرب جميعاً أن يتحسسوا رؤوسهم، لأن التمدد الإسرائيلي سيغدو حقيقة واقعة، ومعه الابتزاز الأمريكي بكل أشكاله، والنتيجة هي شرق أوسط مختلف لا تتسيّده الدولة العبرية فقط، بل شرق أوسط مقسّم على أسس عرقية ومذهبية وطائفية أيضاً، خلافاً للوضع الآخر، حتى لو شكل فرصة لإيران، مع العلم أن ذلك لن يحدث إذا وعت الدول المذكورة أدوارها في محاربة المشروع الطائفي في العراق، وفي الحوار مع إيران على أسس للتعايش. ويبقى أن فشل الحوار لن يعني بالضرورة تمدداً إيرانياً ولا نجاحاً في فرض معطيات خطيرة على الوضع العربي، ومرة أخرى إذا وعت الأنظمة أدوراها، مع العلم أن الشعوب مستنفرة وجاهزة إذا أحست بخطر تمدد خارجي له أهداف معادية، أياً تكن هويته.
هكذا يمكن القول إن الانتصار الأمريكي في العراق هو الخطر الحقيقي، ليس على الدول الثلاث المذكورة، وإنما على مجمل الوضع العربي، سياسة واقتصاداً، بل وجغرافيا وهوية أيضاً، وإذا لم تبذل الدول المذكورة الجهد المطلوب، فإن الموقف سيكون صعباً.
صحيح أن الانتصار الأمريكي لم يعد وارداً بحال، ولكن استمرار النزيف العراقي على هذا النحو، ومعه الاقتتال الطائفي الذي يهدد عموم المنطقة لن يكون في مصلحة أحد؛ لا الإيرانيين، ولا العرب، وتبقى القوى المتطرفة التي يتحدث عنها بوش (ما هو التطرف برأيه؟)، وهذه ليست في وارد السيطرة على العراق، ومجالها الوحيد هو تصعيد الفوضي والاقتتال، أما السلم فيصنعه المعتدلون، حتى لو كانوا إسلاميين من قوى المقاومة، ومثل هؤلاء لن يشكلوا خطراً على أحد، اللهم سوى من يتنكرون لهوية الأمة، الأمر الذي سيختلف كثيراً في المدى المتوسط، وربما القريب، لأن المسار السياسي في المنطقة لن يعود إلى الوراء، وحين تتراجع السطوة الأمريكية على العالم سيكون بوسع الأمة أن تستعيد قرارها وتحافظ على هويتها ومصالحها من خلال مساومات داخلية بعيداً عن العنف والعنف المضاد.
بقي أن نأسف لإعلان الدول الثلاث دعمها لإستراتيجية بوش، لكننا نعول على سياسة أخرى على الأرض، لاسيما أن الاشتراطات التي وضعت لن تؤخذ بعين الاعتبار، مع العلم أن الفشل هو المصير المحتوم للأمريكان في العراق.


الاسلام اليوم

http://www.iraq-amsi.org/images/2006-12-21.jpg

أضف تعليق