هيئة علماء المسلمين في العراق

فهمي هويدي: المشاركة السياسية ستعلم الإسلاميين قبول تداول السلطة
فهمي هويدي: المشاركة السياسية ستعلم الإسلاميين قبول تداول السلطة فهمي هويدي: المشاركة السياسية ستعلم الإسلاميين قبول تداول السلطة

فهمي هويدي: المشاركة السياسية ستعلم الإسلاميين قبول تداول السلطة

ـ احتكار السلطة عطّل مفهوم الشورى وفتح المجال للاستبداد ـ علينا أن نعترف أن الديموقراطية حققت الاستقرار لكثير من المجتمعات البشرية ـ قطعيات الشريعة ومقاصدها ينبغي أن يمثلا سقفاً للديموقراطية في العالم الإسلامي ـ على الإسلاميين أن يعلموا أن الناس يمكن أن تعرض عن مشروعهم
ـ أي عيوب للديموقراطية هي أقل خطراً من تغييب الديموقراطية
ـ هناك قيمٌ كثيرة تُبتذل تحت عباءة الليبرالية وكثير من الليبراليين يطالبون بالحرية الدينية ويصمتون عن الاستبداد السياسي
لفهمي هويدي عدد من الدراسات أدارت في ثنايا الظاهرة الإسلامية سجالاً في داخلها، أو دفاعاً عنها، من مثل "المفترون"، و "تزييف الوعي"، و "مواطنون لا ذميون"، و "القرآن والسلطان".. وهو في نفس الوقت يُعدّ من أكثر الكتّاب العرب حضوراً في الصحافة العربية، وربما هو الوحيد الذي يلقى مقاله الأسبوعي في صحيفة الأهرام هذا الانتشار الواسع بحيث يُنشر بالتزامن مع ثمانية صحف خليجية وعربية.
المتابعون لمقالات فهمي هويدي يلحظون أن جرعة "الإسلامية" ازدادت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وباتت نزعة السجال مع الآخر "العلماني" أو "الليبرالي ذي الهوى الأمريكي" أكثر كثافة في سطوره ومقالاته.
ولكنه في نفس الوقت بذل جهداً واضحاً في محاولة ترشيد فكر وممارسة الحركات الإسلامية، خصوصاً مع طغيان ظاهرة العنف في مصر في تسعينيات القرن العشرين..
حول جدل الشورى والديموقراطية في الفكر الإسلامي دار معه هذا الحوار.

*لماذا برأيك لم ينجح التراث الإسلامي عبر تاريخه الطويل في تنظير وإيجاد آليات عمل تنظم العمل بالشورى، وتجعلها أكثر صدقية، بدل أن تكون في كثير من تطبيقاتها التاريخية وسيلة لتشريع الاستبداد وتسويغ قمع المخالفين؟
- هناك عدة عوامل أسهمت في هذا، ومنها عوامل الهيمنة القبَلية والعائلية على السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي حتى صارت الدول تُسمّى بأسمائها كالدولة الأموية والدولة العباسية وسواها. هذا الاحتكار للسلطة عطّل مفهوم الشورى، وفتح المجال لنمو الاستبداد. ولكن مفهوم الشورى ظل باقياً عبر التاريخ؛ لأنه مفهوم ورد بالنص الشرعي. ومع ذلك أنا لا أتمسك كثيراً بالمصطلح بقدر ما أتمسك بمضمونه سواء أسميناه شورى أو ديموقراطية، لا فرق عندي. أنا أعتز بمصطلح الشورى، ولكنني أعتقد أن القيمة المتضمنة للمصطلح هي التي يجب الدفاع عنها وتبنيها، قيمة المشاركة والمساءلة وحق تداول السلطة. أما الخلاف حول المصطلح فهو شيء يمكن تجاوزه.
*برأيك أين نجد مناطق التلاقي أو التضاد بين الشورى الديموقراطية.. لأن الشورى بمفهومها التاريخي هي شورى مُعلمة وليست مُلزمة بعكس النموذج الديموقراطي. إضافة إلى أن المجال التداولي للشورى محدد بكثير من قطعيات الشريعة التي لا يمكن طرحها للتداول، بينما في الديموقراطية كل شيء قابل للتداول والتصويت. إضافة إلى مفهوم الشورى النخبوي عبر التاريخ بحيث تتم بين أهل الحل والعقد أو العلماء، بينما هي في الديموقراطية لكل الجماهير.. أين يتلاقيان ويتناقضان برأيك؟
- أنا عندي تحفّظ على مقولة أن الشورى مُعلمة وليست مُلزمة؛ لأن الشورى لو لم تكن مُلزمة فما قيمتها إذن. الشورى يجب أن تكون مُلزمة، خاصة أنها تدور في إطار معين يُسمّى المسائل الظنية في الشريعة لا المسائل القطعية. نحن لا نتحدث عن شورى في قطعيات الشريعة بل في الجوانب القابلة للخلاف وللاجتهاد.
* ومع ذلك فإن الشورى المطبقة في التاريخ الإسلامي والتي تحدث عنها الفقهاء هي شورى مُعلمة لا مُلزمة؟
- لا يمكن التسليم بهذا، ربما كان في هذا الكلام بعض التعميم. ربما أتفق معك في أن الوعي التاريخي بقضية الديموقراطية أو الشورى المُلزمة في التراث الفقهي الإسلامي كان محدوداً. وحتى في العصور الحديثة كان الوعي بقضايا الديموقراطية محدود مقارنة بقضايا مقاومة الاستعمار والاحتلال مثلاً. لم تُطرح الديموقراطية كفكرة جادة إلاّ في وقت لاحق. أما في جوانب الاجتهاد الفقهي الحديث فما أعرفه أن غالبية الآراء الفقهية المطروحة في مصر والمغرب العربي -على أقل تقدير- تقول بإلزامية الشورى، وقلة فقط من يرون أنها مُعلمة.
*البعض يرى أن الديموقراطية بما تعنيه في مشاركة كل الجماهير في اتخاذ القرار قد تجر المجتمعات إلى كوارث، كما حصل حال وصول النازية في ألمانيا أو الفاشية في إيطاليا؛ لأن الجماهير بسيطة وغير متخصصة وقابلة للتوجيه الإعلامي السريع، بعكس النُخب التي ترى أن الشورى الإسلامية حَصرت التداول بينها تحت مسمى أهل الحل والعقد أو أي مسمى آخر.. فما رأيك؟
- أنا ضد فكرة وصف الجماهير بالغوغائية والتسرع، وأن ما حصل من وصول النازية وسواها هي لحظات استثنائية في التاريخ لا يمكن تعميمها. يجب أن نعترف أن الديموقراطية حققت الاستقرار والرفاه لكثير من المجتمعات البشرية، وأرست مفهوم المشاركة الشعبية في القرار. خاصة أننا حين نتحدث عن الديموقراطية في العالم الإسلامي، فنحن نتحدث عن ديموقراطية ملتزمة بقطعيات الشريعة، أي ديموقراطية لا تُحل حراماً ولا تحرم حلالاً. أنا لا أتحدث عن ديموقراطية مُطلقة كما هي موجودة في التطبيقات الغربية.. ثم إن الخوف من مشاركة الجماهير في اتخاذ القرار هو خوف غير مسوّغ؛ لأن أي ضرر ينتج عن مشاركة الجماهير هو بلا شك أخف ضرراً من تغييبها وإقصائها عن اتخاذ القرار.. ثم إن الديموقراطية باتت اليوم متعددة الأشكال والتطبيقات. إذا كنت تتحدث عن اختيار النخب فهناك النموذج البريطاني الذي يحوي مجلسين هما مجلس العموم وهو يُختار من الشعب، ومجلس اللوردات وهو مجلس تختاره النُخب. لذا فهناك فرصة لتمكين الجماهير من إيصال صوتها وتحديد اختياراتها، وفي نفس الوقت هناك فرصة للاستعانة بالخبرات، وهم النخب ذات الوزن المعتبر في مختلف مجالات الحياة. وهذا ما يتقارب مع مفهوم أهل الحل والعقد في الفقه الإسلامي.. حتى الحديث الذي قد يتحفظ عليه بعضهم من أن الأمة هي مصدر السُلطات، فهؤلاء يجب أن يفرقوا بين مصدر السلطات ومصدر القانون. نحن كمسلمين نقول إن القرآن هو مصدر القانون، ولكن السلطة مرجعها إلى الشعب. وإلاّ فما مفهوم البيعة في التاريخ الإسلامي؟ البيعة تعني أن الشعب يختار من يمثله ويرضى عنه.
*هل يمكن برأيك فصل المنتجات المعرفية – كالديموقراطية – عن إطار بيئتها التي نشأت بها .. لأن الديموقراطية في النهاية هي مُنتج نشأ وتطوّر في سياق حضاري معرفي أوروبي له ظروفه وأفكاره وقيمه، كقضايا الصراع مع الكنيسة وفكرة علمانية المجتمع وسوى ذلك. بعض المفكرين يرى أنه لا يمكن أن تُجعل هذه المنتجات مشتركات إنسانية؛ لأنها لا تستطيع الفكاك عن حمولتها الثقافية والقيمية حال تطبيقها في أي مجتمع آخر كالعالم الإسلامي؟
- هذا كلام مهم، ويندرج تحت مسمى تاريخ الأفكار. بمعنى أن الأفكار هي دائماً بنت بيئتها. لذا أنا هنا أدافع عن القيمة. أي أن ما يعنينا نحن في العالم الإسلامي هو قيمة المشاركة السياسية وحق الناس في المُساءلة وتداول السلطة ومحاسبة المخطئين تحت أي مسمى وبأي شكل كانت. وهذه القيمة موجودة في تراثنا وموجودة في القرآن الكريم ألا وهي الشورى. أنا غير معني بالهيكل والطريقة التي تُمارس فيها هذه القيمة، المهم ضمانة أن تتم ممارستها بشكل صادق وحقيقي، ويمثل الناس باتجاهاتهم وقناعاتهم. المهم هنا هو القيمة. قيمة المشاركة والرقابة وتداول السلطة دون أن تعنينا طبيعة الهياكل التنظيمية.
*في الدوائر الغربية هناك حديث متزايد عن (الديموقراطية الليبرالية) بصفتها كلاً لا يتجزأ.. حتى إن بعض الحكومات الغربية تدخّلت لإيقاف النتيجة الديموقراطية في بلد كالنمسا حين أوصلت (هايدر) على رأس حزب قومي...
- هناك مصطلحات أصبحت متسعة بشكل لا يمكن تحديد ماهيتها. مفهوم الليبرالية يتطور كثيراً من الفكر الغربي، وغدت بعض قضاياه تأخذ بعداً سلبياً في الولايات المتحدة. مثل أن تصبح الليبرالية من متبني قضايا الشذوذ الجنسي. أنا أدعو إلى التعامل بحذر مع المصطلحات، إلاّ إذا اتفقنا على تعريف لها؛ لأن هناك قيماً كثيرة تُبتذل تحت عباءة الليبرالية. لذا يجب أن نتساءل عن المقصود بالليبرالية. هل المقصود بها الحرية في الممارسات الأخلاقية أو الحرية السياسية أو الحرية الاجتماعية؟ أعتقد أن تحديد المقصود من هذا المصطلح يساعد في التقارب والتعاون بين التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي.
*لأنتقل إلى القضية التي ربما تكون أكثر تعقيداً والمتداولة كثيراً في الأوساط الإسلامية.. هل هناك سقف للممارسة الديموقراطية؟ وإذا كان هناك فما هو هذا السقف؟ ومن يحق له تحديد هذا السقف؟ وإذا كنت تتحدث عن ديموقراطية لا تتجاوز النص الشرعي وثوابت الدين يصبح السؤال هنا: من يُحدد هذه الثوابت؟
- قبل أن أتحدث عن سقف الممارسة الديموقراطية يجب أن أقول إن الديموقراطية يجب أن تقوم في مجتمع قوي ومؤسسي حتى لا يستطيع أحد أن يَعصف بالتجربة الديموقراطية .. نحن كمسلمين لابد أن يكون لممارستنا الديموقراطية سقف. السقف هنا يتمثل في أمرين يصعب الخلاف حولهما هما مقاصد الشريعة والنصوص القطعية في الشريعة.
*كلا هذين الأمرين قابلان للخلاف والتأويل وتباين الرؤى والاجتهادات والفهم!!
- أعتقد أنه يمكن لنا أن نحدد ما هي مقاصد الشريعة.. يمكن في رأيي الاتفاق على ذلك. وهي محددة فقهياً في كثير من الكتب. أما في مسألة تحديد القطعي والظني من النصوص الشرعية فهذا يمكن أن يتم في إطار العمل المؤسسي ودوائر أهل العلم؛ لأننا لا نستطيع ترك مسألة الاجتهاد في هذه المسائل لفردٍ أياً كان.
*أهل العلم من أي مذهب؟ ومن يقوم بتحديدهم؟ وبالنسبة للمؤسسات فمن الضامن من عدم تسييس هذه المؤسسات والمجامع وتوظيفها لأغراض سياسية كما نرى في العالم العربي اليوم؟
- هل نتحدث نحن عن ممارسة ديموقراطية في مجتمع غير ديمقراطي أم نتحدث عن ممارسة ديموقراطية في مجتمع ديمقراطي.. هنا يبرز الإشكال. أنا لا أتحدث عن تطبيق الديموقراطية في مجتمعات هي أيضاً غير ديموقراطية مما يتيح المجال فيها للتسييس وتوظيف المؤسسات والدوائر.. يجب أن تقوم الديموقراطية في مجتمع قوي تتوفر فيه مؤسساته المدنية التي تتيح لقطاعات المجتمع أن تتحرك وتشارك. وأن تكون هناك انتخابات حرة وحرية في التعبير.. أنا أدعو دائماً إلى أنه حتى المناداة بتعميم الرؤية الإسلامية على المجتمع يحب أن يسبقها سيادة الحريات وتطبيق الديموقراطية النزيهة لإتاحة الفرصة للمجتمع ليرفع صوته، ويشارك في اتخاذ القرار ويكون له حق المساءلة والرقابة وتداول السلطة.. هذا كله مدخل مهم يسبق الحديث عن تطبيق الشريعة؛ لأن المجتمع الضعيف يمكن أن تُوظّف فيه الديموقراطية والمؤسسات والمجامع إلى غير مقصدها.
*وأعتقد أنك تتفق معي في أن هذا هو واقع المجتمع العربي!! أقصد مجتمعاً ضعيفاً وفق تصنيفك!!
- نعم .. ولهذا أنا لا أريد أن نصل إلى عملية أن هذا الواقع الضعيف يفرض علينا أن نؤجل التطور الديموقراطي في المجتمع العربي؛ لأن هذا اختيار للأسوأ، إضافة إلى أننا لا يمكن أن نقول إن المجتمع العربي غير صالح لتطبيق الديموقراطية. يعني في مصر نسبياً هناك تجربة ديموقراطية معقولة قديماً قبل الثورة والآن، وفي دول عربية عديدة لا تزال هناك درجات من المشاركة التي يمكن أن تنضج، وتشكل ممارسة ديموقراطية حقيقية. لهذا لا يمكن الحديث عن أننا نبدأ من الصفر.
*طيب .. أنت تحدثت في عدة مواضع من كتابك (الإسلام والديموقراطية) عن أن الديموقراطية التي تدعو لها لا تُحل حراماً ولا تحرم حلالاً. وعن أنها ليست ديموقراطية مُطلقة، وأنها محدودة بسقف الشرعية .. وفي صفحات أخرى تتحدث عن أحقية الأحزاب العلمانية في الوجود والعمل والمشاركة السياسية، وحقها في الوصول للسلطة متى ما حصلت على أغلبية.. في النهاية إذا وصلت هذه الأحزاب للسلطة فستطبق مشروعها غير الإسلامي وغير الملتزم بسقف الشريعة؟
- لا . هناك قضيتان مختلفتان فيما ذكرت. من حق الأحزاب العلمانية والماركسية في المشاركة السياسية. هذه الأحزاب لابد أن يُكفل لها حق المشاركة السياسية، وألاّ تكون المشاركة منقوصة في الحياة السياسية. ولتطرح كل الأحزاب أفكارها ومشروعاتها، ويكون الاحتكام حين إذن إلى المجتمع. فإذا اختار المجتمع أحزاباً علمانية كي تصل إلى السلطة فهذا حقه، ويجب علينا أن نسلم بهذا.
* إذن قد تأتي الديموقراطية بأحزاب علمانية في السلطة تُحل حراماً وتحرم حلالاً!!
- الموضوع أنه لا تستطيع أن تصادر اختيار الناس.. والقرآن الكريم فيه كثير من النصوص التي تقول إن الناس إذا أعرضوا عن الحق (إن عليك إلا البلاغ) . القرآن يُعلمنا ألاّ نفرض على الناس اختياراتهم. وإذا وصلت أحزاب علمانية إلى السلطة عن طريق الانتخاب الحر النزيه فهذا نوع من الإعراض عن الموقف الإسلامي، أو إعراض عن التيار الإسلامي، وليس بالضرورة إعراضاً عن الدين. فلا يجب علينا حينئذ أكثر من البلاغ واحترام خيار الناس. يجب علينا أن نحترم النتيجة التي تفرزها الديموقراطية. وعلى الإسلاميين أن يتعلموا أن الناس يمكن أن يعرضوا عن مشروعهم، وهو ما يستدعي المراجعة وإعادة التفكير فيه ودراسته.
*ألا تعتقد أن الخيار الديموقراطي الكامل لايزال محل جدل حقيقي وصميم داخل أروقة الجماعات والحركات الإسلامية، وهناك حديث دائم عن لزومية سقف الشريعة للعمل السياسي وإقصاء الأحزاب غير الإسلامية. وهو ما يجعل الديموقراطية المتضمنة أحقية العلمانيين في العمل السياسي والوصول للسلطة ليست خياراً محسوماً عند الإسلاميين؟
- دعنا نقول بداية إن الجدل ليس أمراً مكروهاً، بل هو دليل على أن الناس لاتزال تتفاعل وتفكر. ثم إنني لا يمكن أن أتصور أن الحركات الإسلامية وهي تطالب بحقها في المشاركة السياسية تريد أن تحجب حق الآخرين في المشاركة السياسية. هذا موقف أعتقد أنه غير أخلاقي وغير نزيه.
*ولكنه حاضر وموجود في الأدبيات الإسلامية .. وهو ليس جدلاً ثقافياً محضاً بقدر ما يمكن أن ينتج عنه قرار وموقف سياسي لهذه الحركات؟
- أنا أعتقد أنه ليس سليماً من الناحية الفكرية والسياسية، ولا من الناحية الأخلاقية أن يطالب الإسلاميون بحقهم في المشاركة، وحين يصلون إلى السلطة بالأغلبية يحجبون حق غيرهم من المشاركة السياسية. هذا لا يجوز إطلاقاً. الأمر الآخر أننا نتحدث عن دول لها دساتير. مثلاً حين يكون هناك نص في الدستور المصري أو الكويتي أو سواهما ينص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وأن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع. فإن إعمال هذا النص واحترام الدستور يعني احترام هذه المادة التي تنص على احترام الشريعة الإسلامية.
*لكن في الديموقراطية هناك آليات لتغيير الدساتير!!
- على الأقل أنا أتكلم عن دساتير قائمة. أما إذا تغير الدستور فهذا أمر آخر.
*ولكنك تعرف أن كثيراً من هذه الدساتير التي تطالب باحترامها والالتزام بها لم توضع بشكل ديموقراطي .. هذا يعني أن الدائرة الديموقراطية لم تكتمل!!
- أصبحنا الآن وكأننا ندور في حلقة مفرغة. أنا أقول إنه إذا تقرر هذا النص في الدستور بغض النظر عن خلفيات وشرعية هذا الدستور فعلى الجميع احترامه.
*وإذا كان الدستور ينص على استبعاد بعض التيارات السياسية.. هل تطالب أيضاً باحترامه؟
- لا طبعاً. هذا موقف غير ديموقراطي.. أي ديموقراطية هذه التي تطالب أناساً بعدم المشاركة!! أحد أركان العملية الديموقراطية أنها تفتح المجال لمشاركة الجميع. فإذا تقرر إقصاء بعض التيارات أو الأحزاب فنحن هنا نتحدث عن ديموقراطية منقوصة. وهذا يعيدنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى. يجب على الديموقراطية أن تتيح المجال للجميع من أجل المشاركة؛ وأن يكون الاحتكام فقط إلى صندوق الاقتراع.
*ولكن الدساتير في الدول الغربية تحظر عمل بعض الأحزاب كالحزب الشيوعي في أمريكا والأحزاب النازية في ألمانيا على سبيل المثال.. هذا يعني أن الحظر موجود في التجارب الديموقراطية في الغرب!!
- هذه تنظيمات تتعارض مع الدستور. لهذا أعود إلى النقطة التي ذكرتها سابقاً وهي أننا حين نتحدث عن دولة دينها الرسمي الإسلام، والشريعة هي مصدر أساسي للتشريع فعلى الجميع احترام هذا النص الوارد في الدستور، خاصة عند أولئك الذين ليست الشريعة معتبرة عندهم. نحن نقول إنه إذا توافق المجتمع على هذا الدستور يغدو احترام بنوده ضرورياً. وأنا أظن أن ذلك ضروري من باب احترام الرأي الآخر أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن تأتي أحزاب لتنكر ثوابت الإسلام في مجتمع غالبيته الساحقة من المسلمين؛ لأن هذه الأحزاب لن يؤيدها أحد.
*بعيداً عن موضوع الحضور الشعبي. أنا أتحدث عن جانب حقوقي.. مرة أخرى، هل يحق للأحزاب التي تعمل خارج إطار الشريعة أو الرافضة لسيادة الدين العمل والمشاركة في المجتمع المسلم؟
- وهل يحق لشخص كانت له مشاعر معادية لطرف آخر أن يمارس حريته في قتله مثلاً!!
*أنا لا أتحدث عن ممارسات .. حديثي في إطار الأفكار والمشاريع السياسية؟
-انظر .. أنت تحدثت قبل قليل عن أنه في التجربة الغربية لا يجوز إقامة أحزاب نازية وما إلى ذلك.. من هذا المنطلق نحن نقول إنه في مجتمعات أغلبيتها الساحقة مسلمة لا يجوز أن تكون هناك أحزاب تدعو إلى الإلحاد.
*إذاً أنتَ مع حظر قيام أحزاب علمانية لكونها تدعو صراحة إلى إقصاء الشريعة!!
- لا، لا.. كلمة العلمانية كلمة واسعة وفضفاضة جداً. لهذا يجب أن نتفق على ما هي العلمانية أولاً؛ لأن هناك علمانية منكرة للدين، وهناك علمانية تُضعف وتهمش الدين .. الذين يجهرون بالعداء للدين فهؤلاء ليس لهم مكان في النشاط السياسي في الدولة الإسلامية. ولكن الذين لهم تحفظات على الشريعة، والذين يقولون نطالب بفصل الدين عن الدولة. فهؤلاء لا ينكرون الدين، ولكنهم يتصورون أن سيادة الشريعة يمكن أن تؤثر سلباً على الحريات وما إلى ذلك. أنا لا أرى غضاضة في مشاركة من يحترم الدين ولو رفع راية العلمانية، ويجب علينا أن نحترمه أيضاً. أنا تحدثت في مقالات وكتب سابقة عن وجود اعتدال علماني وتطرف علماني. وأظن أن العلمانيين المعتدلين الذي يتحدثون عن فصل الدين عن الدولة هؤلاء لابد أن يكون لهم حق المشاركة في الحياة السياسية في الدولة الإسلامية. وإلاّ فنحن نفرض حظراً على تيار سياسي بذاته عن الوصول إلى الناس. وهذا ليس من العدل وليس من الديموقراطية.
*طيب .. ألا تعتقد أن الجدل الجاد والحاد داخل الأروقة الإسلامية عن جدية ومدى وسقف الممارسة الديموقراطية يسوّغ تخوّف التيارات الأخرى من مدى التزام الإسلاميين بالديموقراطية، وقلقهم من أن تكون الديموقراطية عند الإسلاميين مجرّد تكتيك للوصول إلى السلطة، ومن ثم احتكارها وإقصاء الآخرين؟
- بالمناسبة فإن من يحكم غالب الدول العربية هي أنظمة علمانية.. والحريات -كما تعرف- في العالم العربي في حالة من التدهور الشديد. ولهذا لا يستطيع أحد أن يزايد على أحد في هذا الموضوع.
*أنا أتحدث في إطار الفكرة. وفي المقابل لا يمكن أن تسحب وتعمم ما تفعله الحكومات العلمانية على بقية الأحزاب العلمانية، خاصة وأن كثيراً منها في خانة المعارضة؟
إذن ليكن هذا موضوعاً للمناقشة.. نحن نتحدث وكأن السلطة ستتغير غداً .. بل أنا أظن أن أكثر العاملين في الحقل السياسي في العالم العربي ربما لا يخطر ببالهم في ظل الأوضاع الراهنة أنهم سيكونون جزءاً من السلطة في المدى المنظور. ولهذا فإن الناس عندما يشاركون في السلطة بشكل حقيقي يكون لهم في كثير من الأحيان اختيارات مختلفة.. وأنا أُذكِّر أننا إذا تحدثنا عن مجتمع قوي، وهذا ما أتمنى أن يكون، فإن قوة المجتمع هي العاصم الذي يمكن أن يحول دون الانزلاق نحو الديكتاتورية سواء في ظل حكم إسلامي أو علماني.
*في مؤلفك الأخير تفريق واضح بين النص (القرآن والسنة) وبين التراث بما يحويه من آراء واجتهادات فقهية وسياسية.. ومع ذلك دخلت في معترك توظيف التراث بهدف ترجيح قيمة الشورى والديموقراطية.. ألا تعتقد أنك أدخلت نفسك في فضاء تداولي ـ وأقصد التراث السياسي الإسلامي ـ لا يخدم فكرتك ويصب في غالب تنظيره ضد فكرة المشاركة والمحاسبة وتداول السلطة لحساب مفاهيم الولاء والطاعة وتكريس والاستبداد؟
- هذا الكلام ليس دقيقاً.. أنا لست مع هذه الأحكام المطلقة والقاسية في دراسة التاريخ. أنا أفرِّق بين النص والفقه والتاريخ. وأنا لا أريد أن ألغي أياً من هذه الجوانب. والتاريخ نتعلم منه، ونستفيد من تجاربه، ونسترجع إيجابياته، ونستنهض صفحاته المشرقة، ولكنه في نفس الوقت ليس حاكماً على تصرفاتنا وخياراتنا الفكرية اليوم. والفقه كذلك نأخذ منه ونرد. ليس يلزمنا شيء سوى النص الشرعي قطعي الثبوت والدلالة، والنص الظني يحتمل الاختلاف وفق الآراء المعتبرة.. أعتقد أن إيضاح هذه الدوائر مهم للغاية، حتى لا يحتج أحد علينا بممارسة تاريخية حصلت في الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية، كمن يأتي ويتحدث عن أنكم كمسلمين كان عندكم نظام الملل في الدولة العثمانية، فنقول له هذا نظامٌ نشأ وفق ظروفه التاريخية، ولا يلزم أحداً، وليس حجة في معاملة غير المسلمين. نحن نحتج في معاملة غير المسلمين بالنصوص الشرعية.
*برأيك كيف يمكن التعامل مع مواطن النقص في النظام الديموقراطي، مثل أنه لا يمكن لأحد واقعياً الترشح لانتخابات دون أن يملك قدرات مالية عالية. إضافة إلى التأثير المفرط لوسائل الإعلام في توجّه الرأي العام. وطفوّ المصالح الانتخابية للمرشحين لصالح دوائرهم الانتخابية بهدف إعادة انتخابهم في دورات انتخابية قادمة، ولو كانت على حساب مصالح الوطن الكبرى.. حتى قضايا هامشية مثل الشكل والوسامة وخفة الظل عند المرشح تكون أحياناً بالغة التأثير في العملية الانتخابية؟
- أغلب هذه القضايا تنطبق بالدرجة الأولى على الانتخابات الأمريكية.. ما أريد قوله إن للديموقراطية عيوباً كثيرة .. ولكن أي عيوب للديموقراطية هي أقل خطراً من تغييب الديموقراطية. أنا أخشى أن الناس ترى النصف الفارغ من الكأس الديموقراطي.. وما ذكرته من ملاحظات ربما لا تتجاوز العشرين بالمائة من قيمة النظام الديموقراطي في حين تبقى الثمانون بالمائة هي في خانة الإيجابيات التي علينا أن نتمسك بها ونسلط الضوء عليها.
*ما تقييمك لمدى تطور الفكر السياسي للحركات الإسلامية في العالم العربي؟ هل ترى أن هناك تطوّراً في الخطاب السياسي لبعضها وجدية في التزامها الديموقراطي، وأنها ابتعدت عن التسييس المفرط للدين؟
- أنا أتعامل بحذر مع فكرة تسييس الدين؛ لأن الدين كما نفهمه هو نظام حياة، ولا يمكن أن نقبل كلام من يقول: ما علاقة الدين بالسياسة؟ أو ما علاقة الدين بالفن؟ الدين مجموعة من القيم تحكم حياتي أنا كمسلم أتدخل في السياسة والتجارة والاقتصاد والفن وسواه.
*المقصود هو أنه لا تستخدم الدين كأحد أدوات المعركة حين أختلف معك في مشروعات ورؤى سياسية أو اقتصادية محضة، ولا ترفع في وجهي المصحف، وكأنني أقف على النقيض منه حين أختلف معك في قضية حياتية اجتهادية!!
- هذا ليس تسييساً .. هذا تعصب وغلوّ. وأظن أن فكرة التربية الديموقراطية التي تسمح بالحوار وقبول الاختلاف، وأنه ليس دائماً يجب أن يكون هناك خطأ وصواب، بل قد يكون هناك صواب وصواب. هذه كلها تكون مع ترسيخ التربية الديموقراطية.
وعودة على سؤالك عن تطور الحركات الإسلامية فأولاً يصعب التعميم؛ لأننا كنا نحاكَم كإسلاميين لسنوات على نماذج طالبان في أفغانستان والجماعات المسلحة في الجزائر، وكأن هذين النموذجين هما المقتصران على تمثيل الحركات الإسلامية.
*مؤكد أنني لا أقصد هذه الحركات.. أنا أتحدث عن نماذج من مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر أو النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب أو ما يحصل في إيران ومن على شاكلتهم!!
- نعم، لذا أنا أقول دائماً إنه بجانب وجود تيارات إسلامية متطرفة ومتعصبة، وقل ما شئت في أوصافها، فإن هناك تيارات أخرى معتدلة، وتبحث عن طريق للمشاركة السياسية السلمية.. والمشاركة بدورها تعلمها، وتدربها، وتنمي فيها احترام الآخر والقبول بفكرة تداول السلطة. أنا أعتقد أن غياب الديموقراطية هي التي ساهمت في إيجاد وتنمية الحركات المتطرفة في العالم الإسلامي؛ لأن هذه الحركات لم تنشأ في وسط يقبل بفكرة التعددية واحترام الآخرين. التطرف لا ينشأ إلا في الدوائر المغلقة التي يتم فيها تغذية عقول الشباب بأفكار متشددة غير واقعية. واستغلال حالات البطالة، وقلّة ذات اليد والكبت السياسي لتُستخدم في تدمير المجتمع بدل إعماره وتطويره.
*لأسألك عن نموذج محدد.. ما تقييمك للتجربة الديموقراطية في إيران، خصوصاً مع وجود ما يُسمّى (مصلحة تشخيص النظام) التي باتت إحدى أدوات المحافظين في إقصاء خصومهم السياسيين؟
- التجربة الإيرانية وثيقة الصلة بخصوصية المذهب الشيعي. إذاً نحن نتكلم عن عشرة بالمائة من المسلمين فقط. هم مرتبطون بمفهوم ولاية الفقيه، وهذا ما لا يعرفه أهل السنة .. في تجربة إيران الديموقراطية أنا أرى أنها لم تحقق النجاح الذي تمنيناه لها، نعم هناك انتخابات نزيهة تجري في إيران. ولكنها تجري في حلقاتها الأخيرة وليس في حلقاتها الأولى؛ لأنها تحجب حق كثير من الناس ممن يختلفون مع السلطة دينياً وفكرياً من حق الترشح، بل للأسف الشديد هذه التجربة تشهد تراجعاً ملموساً، وأن الأمل الذي كان معقوداً على إقامة نظام ديموقراطي في إيران يمثل التصالح بين الإسلام والديموقراطية لم يتحقق بكل أسف.
*لكون مفهوم الديموقراطية وثيق الصلة بمفهوم الحرية يتردّد عند الإسلاميين تخوّف من كون السعي إلى الحريات عن طريق الديموقراطية لا يهدف أساساً إلى زيادة جرعة الحرية السياسية بقدر ما يهدف إلى فتح الباب على مصراعيه لحرية ازدراء المقدسات وتجاوز الأديان وترويج الانحطاط الأخلاقي.. ما رأيك بهذه الفكرة؟
- هذا تخوّف مشروع.. أنا ألاحظ للأسف الشديد أن هناك من أصبح يقيس درجة الحرية في المجتمع بدرجة الجرأة على العقائد والأديان. وهذا مفهوم مغلوط، ولكنه للأسف موجود بشكل واسع بين المثقفين، وأنا أعرف كثيراً منهم ممن يعبرون عن مطالبتهم بالحريات يسكتون عن مصادرة الحرية السياسية. لهذا هم يتجرؤون على الدين، لكنهم لا يريدون الاحتكاك مع النظام السياسي. مثلما يحصل في تركيا التي تستطيع فيها أن تتهجم على الذات الإلهية، ولكنك لا تستطيع أن تنتقد كمال أتاتورك. هذه مشكلة كبيرة؛ لأنه في الوقت الذي نطالب فيه بالحريات، نطالب أيضاً باحترام قيم المجتمع. وأنا أذكر حكماً قضائياً مشهوراً صدر من المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية يقول إن الحريات التي يجب احترامها هي التي تعبر عن احترام القيم الأساسية للمجتمع، لذا فحينما تقوم بتجريح القيم الأساسية للمجتمع فهذه ليست ممارسة للحرية، بل هي انتهاك وتجاوز للحرية.

حوار / نواف القديمي     
الاسلام اليوم

أضف تعليق