هيئة علماء المسلمين في العراق

هيئة علماء المسلمين ..بين المرجعية والقيادة
هيئة علماء المسلمين ..بين المرجعية والقيادة هيئة علماء المسلمين ..بين المرجعية والقيادة

هيئة علماء المسلمين ..بين المرجعية والقيادة

طلعت رميح أصبحت هيئة علماء المسلمين فى العراق ،الاهم من بين الكيانات والتجمعات والهيئات القكرية والسياسية ،سواء على صعيد دورها او على صعيد الاحترام الاسلامى والعربى لها او على صعيد عداء سلطات الاحتلال الامريكى وحكومة العملاء لها ،كل ذلك فى ان واحد .وبمتابعة الاوضاع الراهنة فى العراق من كافة جوانبها ،فان هيئة علماء المسلمين باتت هى الجهة المؤهلة اكثر من غيرها للتحول من حالة الجماعة المرجعية ومن الجماعة صاحبة الرؤية الخاصة بها الى القيادة الاستراتيجية فى عملية التحرير والبناء للعراق القادم ما بعد اخراج الاحتلال ،بما بات يتجمع لها وحولها فى داخل العراق وخارجه .
لقد اظهرت "مذكرة الاعتقال" التى صدرت بحق الشيخ المجاهد حارث الضارى –الامين العام للهيئة –من قبل قوات الاحتلال الامريكية ممهورة بخاتم سلطات الحكم العميلة ،مدى خوف الاحتلال وحكومة المالكى من تنامى دور الهيئة على الصعيد الوطنى والعربى والاسلامى ،كما كانت الواقعة المشهورة حين قيام قوات الجيش العراقى العميل بالهجوم على منزل الشيخ ،اهم ما اظهر النوايا الحقيقية تجاه الهيئة والشيخ ،وفى نفس الوقت كان حدثا اظهر مدى قوة الهيئة ومهابتها فى العراق ،اذ انتهت العملية خوفا من التداعيات خارج وداخل العراق .
واذ ظلت الهيئة على مواقفها المدافعة عن حق المقاومة العراقية وشرعيتها –وحيدة على ساحة العمل العلنى فى العراق كله -ومع تعاظم دورها على المستوى الشعبى حتى اصبحت ملاذا للعراقيين المهجرين ولاسر الشهداء بقدر ما هى محل اجماع من قبل تيارات فكرية وسياسية عديدة ،فهى اصبحت ممثلا لقطاعات كبيرة من الشعب العراقى فى الداخل والخارج ،بما جعل دور الهيئة ورمزيتها اقوى من فكرة المرجعية وتتوفر لها معالم التقاء الاخرين حولها بشكل متصاعد .فالى اين تتجه الهيئة ،ومن قبل ماذا هى دلالات ظهورها ،ومن بعد ما دورها الاسترتيجى فى الوقت الراهن ومستقبلا؟
ظهور الهيئة
شكل ظهور هيئة علماء المسلمين فى العراق –ما بعد الغزو والاحتلال الامريكى-حالة مفاجئة لقوات الاحتلال ،وكذا كان مفاجئا للقوى السياسية "القديمة" التى كانت قائمة قبل دخول الاحتلال ،من كان منها فى السلطة او كان خارجها متعرضا للمنع من قبل السلطة ،كما هو كان امرا بعيدا عن تفكير عقول مجموعات العملاء القادمة على ظهور الدبابات الامريكية او من خلال الحدود الايرانية .كان سبب المفاجاة ان الهيئة بمسماها السابق لم تكن تتعاطى مع العمل السياسى خلال حكم حزب البعث ،وكذا لانها لم تتحرك فى بداية دخول الاحتلال وفق حالة "سياسية" فى نشاطها –لم تقد تحركات جماهيرية واكتفت بالموقف العام المؤيد للمقاومة دون تحرك سياسى بتشكيل حزب او تجمع ذي صبغة سياسية واضحة-وكذا لان التصور السائد ،كان ان هؤلاء ليسوا سوى "مشايخ تقليديين" لا قبل لهم لا بالعمل السياسى ولا بالعمل المقاوم وانهم بالكاد يمكن ان يعلنوا مواقف "سابقة التجهيز او متكلسة " ،وان جل جهدهم سيتحول باتجاه اعمال الاغاثة والعمل الخيرى.

لكن الهيئة من بعد تحولت الى تجمع اسلامى اعلى من اطار المرجعية الفكرية واعلى من فكرة الحزب السياسى الناشط على صعد العمل السياسى والجماهيرية ،كما تحول موقفها المؤيد لفكرة وحق المقاومة الى نشاط فاعل وكبير.
والمهم هنا ،هو ان الهيئة فى حد ذاتها ومع تحولها الى حالة متكاملة من النشاط ،مثلت تطورا فى الفهم والتعاطى مع القضايا السياسية بنفس القدر الذى اظهرت فيه عدم قدرة التيارات السابق وجودها قبل الاحتلال على امتلاك القدرة والرؤية الصحيحة فى التعامل مع تحدى الاحتلال ،كما هى طرحت بوجودها قضايا عامة هامة على صعيد حالة التجدد فى الاستجابة العقدية والفكرية والسياسية لتحدى دخول قوات الاحتلال الى البلاد الاسلامية ،ونمط استجابة القوى السياسية لها .
لقد اظهر بروز هيئة علماء المسلمين فى العراق ،مدى الضعف والتردى الذى اصاب القوى السياسية المعارضة (القديمة) للحكم فى العراق كما هو الحال فى حالة الحزب الإسلامي ،وللقوى الحاكمة ايضا كما هو الحال بالنسبة لحزب البعث ،كما على صعيد القوى العرقية والطائفية ،اذ ان ظهور الهيئة كطرف عراقى علنى وحيد ،يدافع عن المقاومة ويؤيد عملياتها ضد الاحتلال ،ويرفض الانخراط فى العملية السياسية التى اقامها الاحتلال للحصول منها على غطاء شرعى من عراقيين لوجوده واستمرار وجوده ،قد مثل تحديا للقوى القديمة ،سواء تلك التى لعبت دورا خيانيا ضد اهل العراق او تلك التى قبلت التعاون مع قوات الاحتلال ،كما كشف دورها ومدى اصالة فكرها .كما ان تطور موقفها وتصاعد دورها رغم كل الضغط الواقع عليها من كل تلك الاطراف ومن الاحتلال بطبيعة الحال ،كان عاملا كاشفا للقوى التى جاءت مع الاحتلال وعلى دباباته وللقوى التى ظهرت وتحركت على اسسس عرقية ..الخ .

وفى ذلك فان الملاحظة الجديرة بالاهتمام هى ان مواقف الهيئة "الصامدة والصحيحة" بدا يعود اليه معظم الذين قبلوا الانخراط فى العملية السياسية تحت الاحتلال ،اذ كل من شارك فيها متراوح فى مواقفه الان بين الاعلان عن فشل العملية السياسية والاعلان عن وفاتها ،كما اللافت ان ما طرحه تشكيل وصلابة وتطور هيئة علماء المسلمين فى العراق –وحالة التراجع من قبل من سار عكس توجهاتها –غدا يطرح فى كل الدول العربية والاسلامية ،تساؤلات جدية حول "اهمية" ودور وصحة وجهات نظر القوى السياسية الحالية ،وحول مدى اهمية كل هذا الضجيج السياسى والصحفى والاعلامى الدائر بين القوى والتيارات السياسية فى مختلف البلدان العربية ،باعتبار ان نظيراتها فشلت فى مواجهة التحديات الحقيقية فى الصراع مع الغرب فى حالة العراق ،وكذا ان دور الهيئة وتلك الحالة الجديدة التى سجلتها باتت تطرح امكانيات ظهور "تيار اسلامى "جديد فى الساحة اكثر وضوحا فى اطره المرجعية واشد قدرة على الصمود ..بل والتطور،كبديل لتيارات اسلامية تبدو فاعلة على الساحة الفكرية وااسياسية الاسلامية .

مثلت الهيئة تطورا هاما على اساسه ينبغى اعادة النظر فى تقييم الاوضاع فى مختلف الدول العربية والاسلامية على اساس ما قدمه من دروس وعبر.
الهيئة والوضع الراهن
لم يكن ظهور الهيئة عملا مخططا من الزاوية السياسية المباشرة ولا من الزاوية التخطيطية العامة قبل وقوع الغزو والاحتلال،اذ جاء التحول فى عمل ونشاط الهيئة على خلفيات عديدة فرضتها الاحداث ،اهمها ،ان حالة المسلمين فى وسط العراق وحين جرى تفكيك سلطات الدولة العراقية والحزب الوحيد الذى كان مسموحا له بالحركة والنشاط والحكم –حزب البعث- قد صاروا فى مواجهة حالة من الفراغ السياسى والتظيمى –خاصة مع تفكيك جهاز الدولة او مختلف اجهزة الدولة ومؤسساتها- بما تطلب ظهور شكل للتعبير عن مصالحهم ورؤاهم وافكارهم ،خاصة وان المناطق الاخرى فى العراق كانت لا تعيش هذه الحالة من الفراغ حيث معظم المشاركين فى التمهيد للاحتلال من العراقيين كانوا من مناطق اخرى فى العراق.وكذا جاء ميلاد الهيئة او لنقل تغير موقفها ودورها –كحالة تعبير عن المسلمين فى العراق-بعد ما دخل الحزب الاسلامى (الاخوان العراقيون) فى لعبة العملية السياسية وبعدما دخلت عناصر من حزب البعث تلك اللعبة ،بما وفر ضرورة وجود معبر اخر عن من يرفضون الدخول فى لعبة الاحتلال او كمعبر عن الموقف الاصيل للشعب العراقى الرافض للاحتلال ،او بالدقة للموقف الاسلامى الصحيح فى رفض الاحتلال .وهنا مثل وجود المقاومة ونشاطها ودورها ،عاملا مهما من عوامل تشكل الهيئة وفكرها سواء باعتبار ان المقاومة لم تتمكن فى بدايتها ولفترة طويلة من اعلان اجنحة سياسية لها ،بسبب الوجود الامريكى العسكرى الكثيف فى تلك المنطقة ،وبالنظر لتلك الحالة العدوانية الاجرامية والوحشية التى اعتمدت مع المسلمين فى تلك المنطقة .لقد وفرت المقاومة ظرفا حقيقيا يمكن الهيئة من نيل مصداقية حقيقية لمواقفها باعتبار انها تدافع عن فعل حقيقى متطور تدعمه ويوفر لها صدقية وسمعة عالية فى داخل العراق وخارجه.

وهنا فمن الاهمية الايضاح ،ان الهيئة باتت تيارا مشهود له بالمرجعية على الساحة العراقية–كما هو الحال عندما طلب مقتدى من الشيخ حارث الضارى اصدار فتوى بحرمة قتل الشيعة –كما الهيئة أمست الان ذات سمعة معنوية تحظى باجماع كل القوى المقاومة فى العراق بل وحتى هى باتت تحظى باجماع بين كثير من التيارات السياسية التى دخلت فى العملية السياسية تحت الاحتلال وثبت لها خطأ هذه المشاركة وصحة مواقف الهيئة ،وهو ما تجلى من خلال حالة الرفض الواسعة من جهات ومناطق العراق المختلفة لجريمة اصدار مذكرة اعتقال بحق الشيخ المجاهد حارث الضارى ،بما جعل من اصدروا تلك المذكرة يتهمون بعضهم البعض بالمسئولية عن اصدارها ..الخ.
الدور الاستراتيجى والمستقبلى
يبدو السؤال الجوهرى هنا ،هو إلى اين تسير هيئة علماء المسلمين فى العراق ،او بالدقة ان السؤال الجوهرى هو كيف تتحول هيئة علماء المسلمين الى قيادة استراتيجية للصراع ضد الاحتلال وضد محاولة تفكيك العراق ،باعتبارها هيئة ذات طابع عقدى وذات علاقات وثيقة مع مختلف القوى العراقية (المختلفة مع بعضها البعض ) ،وباعتبارها القوة الوحيدة التى اتخذت مواقفا مؤيدا للمقاومة ورافضة للعملية السياسية ،دون الدخول فى صراعات هامشية او حزبية مع احد.

كما يزيد من اهمية السؤال ،ان الهيئة قد تهيأ لها وضع افضل حتى وهى تتعرض الى مواقف واجراءات عدائية ،اذ الهيئة تمكنت بعد عمليات التهديد لقادتها او اصدار مذكرات باعتقالهم ،من توسيع رقعة تمثيلها السياسى الاسلامى والعربى بوجود قادتها فى بلدان عديدة ،ما هيأ لها ظرف افضل للتعبير عن مواقفها وصلاتها مع المقاومة فى العراق ومن توثيق علاقاتها مع القوى المقاومة على الصعيد العربى والاسلامى ،بما وسع مصداقيتها فى داخل العراق وخارجه ،وسمح لها بافق اوسع للحركة .
والبادى ان الهيئة باتت تدرك طبيعة دورها الجديد ،كما هو يظهر من خلال "تصريحات الشيخ الضارى " التى يظهر رصدها حرصا من الرجل على فتح المجال لتجميع القوى العراقية المختلفة تحت عباءة التعبير الفكرى والسياسى للهيئة ،كما هو يظهر من خلال رؤية ان الهيئة قد تصدت لكل الاعتداءات التى وقعت فى مختلف انحاء العراق من قبل قوات الاحتلال -وهو ما انعكس فى حالات التأييد والتواصل مع الهيئة فى جنوب البلاد وفى شماله ،وليس فقط فى الوسط-كما هو يظهر من ان الهيئة وقفت بصلابة وبجهد حثيث ضد كل محاولات الاقتتال الطائفى ،بما جعلها القوة العراقية الاكثر قدرة على جمع العراقيين .

كما البادي ان الهيئة ،أصبحت تدرك طبيعة دورها الاستراتيجى فى خوض معركة تحرير وبناء العراق،من خلال ما يلاحظ من تطويرها لاوضاعها الداخلية التنظيمية ،بما انعكس فى توسع ظهور العديد من قياداتها على المستوى السياسى والاعلامى ،ومن خلال ما يلاحظه المتابع من تعميق وتوسيع الهيئة لانتاجها الفكرى وعلى صعيد الدراسات السياسية والاستراتيجية ،ومن خلال توسيع مشاركتها فى النشاط السياسى والفكرى والجماهيرى والاعلامى على مستوى الهيئات الشعبية العربية الاسلامية ،وهو ما ظهر من خلال مشاركة قيادات الهيئة وعدد من القيادات فى المؤتمرات التى تضم النخب الفكرية والسياسية كما هو الحال فى مؤتمر الحملة العالمية لمقاومة العدوان المنعقد فى اسطنبول وفى المؤتمر القومى الاسلامى المنعقد فى قطر .

موقع المسلم




http://www.iraq-amsi.org/images/2006-12-21.jpg

أضف تعليق