المذكرة التي قدمتها لجنة التخطيط بوزارة الدفاع الأمريكية للرئىس بوش تشير إلى أزمة تواجهها الإدارة الأمريكية، وفضيحة يمكن أن يشكل كشفها تكراراً لسيناريو حرب فيتنام، فتلك المذكرة تحذر بوش من أن عدد القتلى في صفوف الجيش الأمريكي يمكن أن يصل إلى عشرة آلاف جندي أو أكثر في نهاية عام 2008 نتيجة لخطته الاستراتيجية الجديدة.
اللجنة التي أرسلت تلك المذكرة السرية للرئىس بوش تضم مجموعة من الخبراء العسكريين، وقد توقعت هذه المجموعة أن يتزايد العنف في العراق ضد القوات الأمريكية نتيجة تكليف الجنود الأمريكيين بمهام خطيرة مثل تفتيش منازل العراقيين، وهذا سيؤدي إلى تزايد أخطاء الجنود وسيعرضهم للقتل.
كما توقع هؤلاء أن يصل عدد الجرحى في صفوف القوات الأمريكية إلى مائة ألف جريح في نهاية عام 2008، وسوف يشمل هذا العدد الكثير من المعوقين. والخبراء العسكريون يعتقدون أن تقدير عدد الضحايا هو جزء أساسي من أية خطة استراتيجية، وأن الخطة فاشلة إذا زاد فيها عدد الضحايا عن الحد الذي يمكن أن تتحمله القوات.
أين الحقيقة ؟!
ما يلفت النظر في تلك المذكرة هو العدد الكبير للقتلى، مقارنة بالعدد الذي تعلنه الإدارة الأمريكية لقتلاها منذ بداية غزو العراق حتى الآن، فذلك العدد المعلن يقترب من ثلاثة آلاف، فهل يمكن أن نتخيل أن يزداد العدد بالمعدل الذي أشارت له اللجنة خلال عامين فقط، أم أن الإدارة الأمريكية تخفي العدد الحقيقي للقتلى حتى لايثور الشعب الأمريكي ويتكرر سيناريو حرب فيتنام.
الكثير من المعلومات التي تنشرها مصادر المقاومة العراقية والصور والبيانات الموثقة توضح أن عدد القتلى الأمريكيين يفوق بكثير العدد المعلن خاصة في ضوء اعتراف الإدارة الأمريكية بعدد العمليات التي تتعرض لها القوات الأمريكية.
ما يؤكد أن العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين في العراق يفوق بكثير العدد المعلن هو أن كوندوليزا رايس رفضت أن تقدم تقديراً لعدد القتلى عندما ظهرت أمام لجنة الشؤون العسكرية بمجلس الشيوخ، وقالت: إن تقدير عدد القتلى غير ممكن، ولقد رد عدد من الشيوخ بأنهم لايصدقون رايس، وأن الإدارة الأمريكية قد كذبت على الكونجرس كثيراً قبل ذلك.
ويلاحظ أن الشيوخ الذين أعلنوا عدم تصديقهم لرايس وللإدارة الأمريكية ينتمون للحزب الديمقراطي وللحزب الجمهوري، وهو ما يشير إلى أن الشيوخ الجمهوريين قد يجدون أنفسهم مضطرين لأن يهربوا من سفينة بوش الغارقة.
معارضة الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب لخطة بوش تبدو طبيعية ومفهومة، لقد هددوا بعدم الموافقة على زيادة الميزانية المخصصة للحرب في العراق، كما طالب بذلك بوش، لكن ما يبدو غير طبيعي هو أن تتزايد المعارضة داخل صفوف النواب الجمهوريين في المجلسين.
هناك احتمال كبير أن يرفض الكونجرس كما قال النائب جون مورثا رئىس لجنة الشؤون العسكرية تمويل زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق.
إن هذا يعني أن أزمة الإدارة الأمريكية سوف تتصاعد خلال الشهور القادمة.. لكن من الواضح أن بوش قد بدأ يتجه لأصدقائه العرب لتمويل خطته الاستراتيجية حتى لايضطر إلى استجداء التمويل من الكونجرس.
الغضب المكتوم !
هناك الكثير من المؤشرات على أن هناك غضباً مكتوماً في صدور الأمريكيين الذين يشعرون بعمق الأزمة التي تواجهها أمريكا كلها نتيجة اندفاع الإدارة الأمريكية في الحرب ضد العراق، لكنهم لايعرفون الكثير من الحقائق، فالإدارة الأمريكية تعلمت كيف تحجب المعلومات وتمنع وصولها لوسائل الإعلام، كما أن وسائل الإعلام الأمريكية تحكمت فيها الشركات عابرة القارات وهي صاحبة مصلحة في هذه الحرب، ولذلك فقد منعتها من نشر الكثير من المعلومات التي تعرفها، كما قللت من قدرتها على البحث عن الحقائق ونشرها.
لكن الغضب الأمريكي المكتوم بدأت تعبر عنه الكثير من مواقع الإنترنت التي تحظى بقدر كبير من الاحترام، والتي بدأت تشكل مصدراً مهماً للباحثين عن الحقيقة.
وقد تردد اتهام بوش بالكذب على الرأي العام الأمريكي في مواقع الإنترنت خلال الأسبوع الماضي بشكل يلفت النظر، ومن أهم المقالات التي تتضمن هذا الاتهام ما كتبه الكاتب الأمريكي مارك سيبل الذي قال فيه إن بوش وإدارته يبرر أن زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق بتقديم معلومات ناقصة وغير حقيقية ومبسطة، من أهم ما قاله هذا الكاتب: إن القوات الأمريكية أصبحت تستهدف السنة، وهذا سيؤدي إلى زيادة قوة الشيعة.
أضاف هذا الكاتب ايضا أن التفاؤل الذي حاول بوش أن يشحن به خطابه هو خداع للشعب الأمريكي، كما أنه قدم معلومات غير دقيقة للكونجرس وللشعب الأمريكي، وأن الإدارة الأمريكية تكذب حتى على نفسها.
وهذا أيضا ما عبر عنه السيناتور بيل نيلسون في رده على كوندوليزا رايس بقوله: إن الشعب الأمريكي لم يتم إبلاغه يوماً بحقيقة ما يحدث في العراق وأن البيانات التي تنشرها الإدارة الأمريكية مضللة، ولذلك فإنني أعلن أنني لم أعد أؤيد الإدارة الأمريكية في استمرار الحرب على العراق.
موقف الشعب الأمريكي
ما قاله بيل نيلسون تعبير عن موقف الشعب الأمريكي الذي فقد ثقته في البيانات التي تقدمها له إدارته، وأصبح يدرك أن الإدارة الأمريكية تكذب عليه، ولذلك فإن تأييده لهذه الإدارة بدأ يتناقص بشكل حاد.
كما أن التفاؤل الذي يعبر عنه مستر بوش قد يؤدي إلى زيادة الإحباط وخيبة الأمل والشعور بالسخط والغضب على تلك الإدارة التي ورطته في العراق.. ولاتستطيع الآن أن تهرب من هذه الأزمة.
لم يعد هناك شيء يدعو لتفاؤل الأمريكيين.. وربما يكون الموقف الذي كان في فيتنام أفضل بكثير، فلقد كان بإمكان الإدارة الأمريكية أن تسحب قواتها، لكن هل تستطيع الآن أمريكا أن تنسحب كما فعلت في فيتنام؟!
لقد أصبح بقاء القوات الأمريكية في العراق مصيبة، حيث تتعرض القوات الأمريكية لحرب استنزاف طويلة ومعقدة، حيث تقدر مصادر المقاومة العراقية عدد العمليات التي نفذتها ضد القوات الأمريكية منذ بداية الاحتلال حتى الآن بأكثر من 50 ألف عملية، والقوات الأمريكية تعترف بأنها تتعرض إلى أكثر من 80 عملية في اليوم الواحد.
ولذلك فإن هناك الكثير من المؤشرات على أن العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين يفوق بكثير ما يعلنه البنتاجون، وقد يكون هذا العدد قاصراً على الجنود الأمريكيين الذين يتبعون وزارة الدفاع ولا يشمل أعداد القتلى من المرتزقة وطالبي الجنسية والمقاولين والعملاء التابعين للمخابرات المركزية الأمريكية.
يضاف إلى ذلك أن عدد الجرحى المعلن يشكل مصيبة للمجتمع الأمريكي مع أن هناك الكثير من المعلومات عن أن عدد الجرحى يزيد كثيراً على الرقم الذي يعلنه البنتاجون.
هناك حقيقة أخرى تحاول الإدارة الأمريكية أن تخفيها، لكن صحيفة ألمانية هي «هاندلزبلات» نشرتها، وهي أن خبراء اقتصاد أمريكيين منهم ليندا بيلمز من جامعة هارفارد قدروا تكاليف الحرب على العراق منذ بداية الغزو حتى الآن بثلاثة آلاف مليار دولار.
ولقد عرفت هذا الرقم منذ فترة طويلة لكنني ترددت في الإشارة إليه لأنني اعتقدت أنه مبالغ فيه، ولكن هذا ما نشرته الجريدة الألمانية نقلاً عن خبراء اقتصاد أمريكيين.
إن هذا يعني أن معرفة الرقم الحقيقي لتكلفة الحرب سوف تشكل صدمة خطيرة للمجتمع الأمريكي الذي يشعر بتناقص الخدمات المقدمة له، وتناقص الإنفاق الأمريكي على التعليم والصحة والبنية الأساسية.
كما أن الشعب الأمريكي يرى بوضوح كيف عجزت أمريكا عن إعادة تعمير نيو أورلينز التي دمرها الإعصار.
والشعب الأمريكي لن يصبر طويلاً على تحمل أعباء هذه الحرب.. إنها مصيبة بكل المقاييس، والهزيمة التي بدأت تتضح أبعادها ستشل قدرة أمريكا على الحياة، إنها هزيمة شاملة يضاعف قسوتها كل يوم جديد تقضيه القوات الأمريكية في العراق.
لكن انسحاب القوات الأمريكية من العراق سيكون مصيبة أكبر وأخطر حيث سيقلب المنطقة كلها رأساً على عقب، ويؤدي إلى تغيير جيو-سياسي شامل.
كما أنه سيفتح مجالات جديدة للصراع، وسيفجر حروباً جديدة، وستتوجه كل طاقات المقاومين الذين تدربوا على فنون المقاومة وحققوا النصر في العراق ضد إسرائىل.
كما أن تغيير النظم العربية الاستبدادية سيؤدي إلى زيادة ضعف إسرائىل في مواجهة الأمة الإسلامية التي ستمتلك الثقة في قدرتها على تحقيق النصر.
الإدارة الأمريكية جرت أمريكا والعالم كله إلى كارثة بعدوانها على العراق، لكنها لاتملك إلا أن تواجه تلك الكارثة بالمزيد من القرارات البائسة التي ستجلب عليها مصائب جديدة مثل زيادة القوات الأمريكية في العراق.
الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
إدارة بوش تكذب على الشعب الأمريكي ووسائل الإعلام أيضا!!-أ. د. سليمان صالح
