هل تضرب الولايات المتحدة (أو اسرائيل) المنشآت النووية الايرانية؟ هل تستبق ايران الأمور بتأزيم جبهات العراق أو لبنان أو فلسطين؟ هل تتّفق ايران والولايات المتحدة علينا؟ الكل يسأل والجواب في بطن الغيب، فلا أحد يعرف، وكل الاحتمالات وارد.
ما لا خلاف عليه هو ان ايران ستمضي في برنامجها النووي الذي تقول انه سلمي وتقول بقية العالم انه عسكري أيضاً، وان الادارة الأميركية ستواصل الضغط بالوسائل المتاحة، وأهمها الآن الضغط الاقتصادي، فمن أسباب المشاكل الاقتصادية التي تواجهها حكومة محمود أحمدي نجاد ان الادارة الأميركية نجحت في حجب التكنولوجيا النفطية عنها، وأخافت المصارف الدولية لتمتنع من التعامل مع طهران، والنتيجة ان انتاج النفط الايراني يتراجع فيما يزداد الاستهلاك المحلي المدعوم بحوالى 20 بليون دولار الى 30 بليوناً في السنة.
تكاد المواجهة الأميركية – الايرانية ان تتحوّل الى لعبة عضّ أصابع، ومن يصرخ “آخ” أولاً، غير ان اللعبة لن تنتهي بتسليم الصارخ انه هُزم، فالأرجح ان يرد بمواجهة عسكرية تحول الأنظار عن هزيمته.
الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق مصيرها الفشل، غير ان جورج بوش استعدّ لهذا الاحتمال في خطابه الأخير عن العراق الذي كان في الواقع خطاباً عن ايران. فهو تعهّد بالتصدي لدعم ايران الميليشيات الشيعية، ما يعني انه سيحمّل ايران مسؤولية فشل تهدئة الوضع في بغداد، والعراق كله. وإدارته في جميع الاحوال لن تسمح لإيران بالمضي في برنامجها النووي، فهذا قرار أميركي – اسرائيلي، وعصابة الحرب في واشنطن ستختلق الاعذار، إن لم يوفرها أحمدي نجاد كعادته، لمهاجمة ايران.
الرئيس الإيراني في وضع ضعيف جداً قد يضطره الى استخدام الأسلحة المتوافرة له، وهي كثيرة، فهو يستطيع تحريك الوضع في العراق ضد القوات الأميركية الى درجة تبدو معها المشاكل الحالية تلك “النزهة” التي سمعنا عنها، وهو يستطيع اثارة مشاكل في الخليج، وعبر تحالفاته الأخرى مع "حزب الله" و"حماس".
مثل هذه المواجهات الحامية كفيل بتحويل الأنظار عن مشاكل داخلية تعاني منها الحكومة الايرانية، ولا حلّ سريعاً لها، فإيران كانت رابع منتج للنفط سنة 2005 (بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة)، وبلغ معدل إنتاجها 4.2 مليون برميل هبط الآن الى 2.6 مليون برميل، أي أقل من حصتها في أوبك. وبعد ثلاث سنوات من الأسعار العالية عاد سعر النفط ليستقرّ، ثم يهبط دون 60 دولاراً للبرميل، ما خفض الدخل الإيراني مرة أخرى. وفي حين لا تزال عند ايران مساحة من الحركة، فهي وقَّعت عقداً مع الصين بقيمة 16 بليون دولار لتطوير حقول نفطية، وتفاوض مع الصين على عقد آخر، فإن مردود هذه العقود هو في المستقبل، ومع افتراض ان الصين ستقاوم الضغط الأميركي والعقوبات الدولية وتمضي في العمل لحاجتها الى النفط الإيراني.
لا أحاول بهذا العرض ان أغلق الأبواب، فربما انفرج الوضع على المدى القصير، وهناك عناصر عدة تسير في هذا الاتجاه، فإذا كان الوجود العسكري الأميركي الجديد في بغداد طاغياً، فالمقاومون والارهابيون سيختارون الابتعاد من مواجهة خاسرة، لأنهم يعرفون ان القوات الأميركية الاضافية لن تبقى الى الأبد، وفي هذه الحال يسود جو زائف من الهدوء يمكّن جورج بوش من الزعم ان استراتيجيته الجديدة نجحت.
هذا الهدوء الموقت الزائف أفضل من ناحية أخرى، فلو ان الولايات المتحدة هاجمت إيران لحرمت السوق العالمية من 2.6 مليون برميل في اليوم فجأة، ما سيرفع سعر البرميل فوق مئة دولار، وينكب الاقتصاد العالمي. وهنا يبدو ان الضغط على ايران لخفض إنتاجها تدريجاً فيما أوبك تزيد إنتاجها في المقابل أسلوب أفضل لتجنيب المستهلكين أعباء إضافية فورية لا طاقة لهم بها.
وحديث الاحتمالات لا يكتمل من دون تسجيل ان آية الله خامنئي، مرشد الثورة، هو رئيس الرئيس الإيراني، ويبدو انه غير معجب كثيراً بأداء تلميذه، بعد تراجع الاقتصاد المحلي، وخسارة مرشحي الرئيس الانتخابات البلدية (وانتخابات مجلس المستشارين) كنتيجة مباشرة لذلك، مع تمرّد طلاب الجامعات ومشاكل أمنية في الاقاليم وغير ذلك.
هل يقرّر آية الله خامنئي إعفاء نجاد من الرئاسة؟ لا أعرف، الا انه يملك السلطة لاتخاذ هذا القرار، وهو اذا فعل يعطي ايران فرصة تتنفس فيها، فالضغط الأميركي لا بد من ان يخفّ، ولو في شكل موقت، وتمضي ايران في برنامجها النووي، الى حين المواجهة التالية. لذلك فالحديث داخل ايران عن إبعاد أحمدي نجاد عن الملف النووي يبدو كمقدمة لخطوات أخرى.
الرئيس الايراني كان وعد في احتفال الشهر المقبل “بالإنجاز النووي”. وهو قبل ذلك وعد العالم بمفاجأة قبل نهاية السنة الفارسية في 20 آذار (مارس) المقبل. غير ان المفاجأة قد تكون من نصيبه، مع العلم ان البرنامج النووي الايراني عمره 17 سنة، نصيب أحمدي نجاد منها سنة ونصف السنة، في حين ان “المعتدل” محمد خاتمي وراء عشر سنوات منها.
مرى أخرى، كل الاحتمالات وارد والشرق الأوسط كله سيتأثر، سواء انتهت المواجهة الأميركية – الإيرانية باتفاق أو بحرب، ويبقى ان نرى كيف سينتهي الحوار السعودي – الإيراني الذي بدأ برسالة من مرشد الثورة الى خادم الحرمين الشريفين في 14 من الشهر الجاري حملها علي لاريجاني، كبير المفاوضين الايرانيين في البرنامج النووي، الى الرياض، فلا بد من ان للاتصال هذا بقية حجبت عن الانظار، كعادة الديبلوماسية السعودية في البعد عن الأضواء، الا ان النتائج ستتضح في النهاية.
الحياة
المقالات المختارة لا تبر الا عن راي كاتبها فقط
لعبة عضّ أصابع-جهاد الخازن
