هيئة علماء المسلمين في العراق

الرئيس الأمريكي يسوِّق \"تعزيز\" الحرب-الكسندر كوكبيرن
الرئيس الأمريكي يسوِّق \"تعزيز\" الحرب-الكسندر كوكبيرن الرئيس الأمريكي يسوِّق \

الرئيس الأمريكي يسوِّق \"تعزيز\" الحرب-الكسندر كوكبيرن

تحرُّك معتاد لطالما تكرر كلما اقتضت المناسبة القيام به، حتى صار، لكثرة حدوثه، بمثابة اللازمة أو الركن الأساسي في ناموس تصرفات بوش. فكلما أطبق اليأس على هذا الرئيس الأمريكي وابتأس وأحسّ بأنه حوصر فتّش في جعبته عن سهم خائب آخر يرميه، فإما “صابت” وإما “خابت”. وأصبح من المعهود عن بوش حين يَدْلَهِمّ الخطبُ ويداهمه نداء التحدّث الى الأمة ومكاشفتها أن يوعز لجلاوزته بأن يظهروا جبروت أمريكا في بقعة ما على ظهر البسيطة، علَّ العالم يرعوي وفي بيت الطاعة ينزوي هلعاً ورهبة، ولم تكن واقعة القرن الإفريقي استثناءً، حيث ذبحت طائرات “إيه سي 130” الأمريكية القاذفة، قافلة من الهاربين عند الحدود الصومالية الجنوبية الغربية وأزهقت معهم أرواح عشرات من البدو الرعاة الرحّل، وأهلكت معهم عائلاتهم ومواشيهم. والتزم بوش برؤاه ونصّه الإنجيلي المتوقع وقال إنه يخطط لتعزيز القوات الأمريكية في العراق بأربعة آلاف من جنود المارينز الى منطقة الأنبار، وخمسة ألوية مقاتلة (17500 جندي) الى بغداد، وذلك ضمن خطة جديدة لاستعادة السيطرة على المدينة. وكانت الاستراتيجيات السابقة للقيام بهذا قد أخفقت، حسبما شرح بوش، لقلة عدد الجند. وأضاف بلهجة تقطر شؤماً: “كذلك، كانت هناك محددات وعوائق كثيرة جداً اعترضت قواتنا هناك”.

وبعبارة أخرى، سيزاح الستار عن الانقضاض الوشيك على أحياء بغداد، وستشهد الأيام المقبلة المزيد من سيول الدماء المراقة في شوارع العاصمة العراقية وغيرها من مدن هذا البلد وقراه. وفي أدبيات وقاموس مقارعة المتمردين في المدن، وهي تخصص القائد الأمريكي المحنّك، الداهية المفعم بالحماسة الجنرال ديفيد بتراوس، الحديث التعيين للنهوض بهذه المهمة، فإن الرد الأمريكي غير المقيد حيال هجوم للقناصة، أو في مواجهة كمين عند ناحية شارع سيكون تسوية المبنى، أو المباني، وإذا دعت الضرورة، الحيّ كله بالأرض وإبادة كل من يدبّ عليها، في تكرار لمشهد تدمير الفلوجة، التي اكتوت بنار سياسة الأرض المحروقة مرّتين كانت ثانيتهما في نهاية عام 2004.

ولم يمض على خطاب بوش الذي استغرق نصف ساعة سوى عشر دقائق حتى نهض السيناتور الديمقراطي ديك ديربن، النائب عن الينوي وارتجل مرافعة قضائية غير مألوفة، إلا أنها مفعمة بالحماسة، وراح ينافح عن حزبه ومواقفه قائلاً “إن الاستراتيجيات العسكرية أخفقت، وإنه حان الوقت لإعادة القوات الى الوطن وإخبار العراقيين بأن عليهم إعمال التفكير والبحث عن حلول لمشكلاتهم واقتلاع شوكهم بأيديهم”. إلا أن مثل هذه الجسارة والفظاظة لن تترجم الى الطريقة الوحيدة التي يمكن للديمقراطيين بها إنهاء الحرب، ألا وهي أن يرفضوا إقرار التمويل المراد رصده لتغطية تكاليفها المتزايدة. وهو أمر في مقدور الديمقراطيين فعله، إذ هم يهيمنون اليوم على الكونجرس.

إلا أنه على الرغم من إلحاح السيناتور تيد كينيدي وحثّ النائب جاك مورثا وغيرهما، فإنهم يتهربون من الفرصة التي أتاحها الناخبون لهم في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. ومع أن ناخبيهم ومؤيديهم في الدوائر الانتخابية مارسوا ضغطاً شديداً عليهم فإن أغلبية الديمقراطيين في الكونجرس تتهيب الى حد الهلع اتهامات البيت الأبيض لها في حال اعترضت التمويل وأعاقته بأنها تترك الجنود الأمريكيين في العراق بلا حماية. لذا، فإنهم عوضاً عن ذلك سيحتالون ليعمدوا الى التصويت الرمزي احتجاجاً على تصعيد بوش، ويصادقوا من ثم على التمويل تفادياً لما يعتبرونه انتحاراً سياسياً في هذه الحالة.

ويعتقد نحو 80% من الأمريكيين أن بوش جعل العراق قاعاً صفصفاً وأشاع الفوضى في هذا البلد، ومن الصواب القول إن خطاب بوش لن يفعل أي شيء يذكر ليغير هذا التقويم لنهجه. ولربما كان تحويل مكان خطاب بوش وبثه من مكتبة البيت الأبيض هو الذي أثار كوامن الشجن عند بوش وأزعجه فظهر بائساً، ولا غرو في ذلك، فثمة عداوة متأصلة بين الرجل والكتب والمكتبات، إذ لم يعرف عن آل بوش أنهم أناس مثقفون، أو أن لهم صلة بالقراءة والمطالعة، اللهم باستثناء لورا ربما، فهي أمينة مكتبة سابقاً. وأما بوش وربعه فعدوهم اللدود الكتاب. وكان الراحل بريندان جيل قد ذكر مرة أنه عندما مكث برهة في منزل آل بوش في كينيا نكبورت في ولاية ميسن وحاصره الضجر وراح يقلب البيت رأساً على عقب مفتشاً عن كتاب يزجي به الوقت ويطرد السأم لم يعثر سوى على كتاب يتيم عن “الضراط”.

فإذا قدّر لبوش أن يقرأ كتاباً يوماً ما فالنصيحة التي ينبغي إسداؤها إليه بدل أن يقضي وقته كله متلهياً بقيادة دراجته النارية الجبلية أن يلقي نظرة على كتاب سون تزو الذي قال: “تجنّب الحرب الطويلة ولا تهاجم المدن إلا كملاذ أخير”.

* كاتب صحافي ومحلل سياسي
يشارك في تحرير “الكاونتر بانش”
- الخليج الامارتية
جميع المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق