هيئة علماء المسلمين في العراق

بريجنسكي: الجهد الأمريكي في العراق لن ينجح لأنه استعماري
بريجنسكي: الجهد الأمريكي في العراق لن ينجح لأنه استعماري بريجنسكي: الجهد الأمريكي في العراق لن ينجح لأنه استعماري

بريجنسكي: الجهد الأمريكي في العراق لن ينجح لأنه استعماري

حذر مستشار الامن القومي الاسبق زبيغنيو بريجنسكي من مغبة ان تكون الاستراتيجية الاخيرة التي طرحها الرئيس بوش بشأن العراق مقدمة لتوسيع الحرب في المنطقة وصولاً الى ايران وسورية قبل نهاية عهد بوش في نهاية العام القادم. وانتقد بريجنسكي الاستراتيجية الجديدة لبوش، مؤكداً على حقيقة ان الجهد الأمريكي في العراق لن ينجح لانه أساساً جهد استعماري يشن في حقبة ما بعد الاستعمار. واكد ان البعض في ادارة بوش، وخصوصاً جماعة المحافظين الجدد، لا زالوا يسعون لدفع بوش الى القيام بعمل عسكري ضد ايران وسورية.
وقال بريجنسكي، الذي كان يتحدث مع الخبير في شؤون الشرق الاوسط في مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك والتر راسيل ميد في برنامج تلفزيوني لمحطة التلفزيون العام (بي بي اس) الاسبوع الماضي، ان استراتيجية الرئيس بوش التي اعلنها في خطاب متلفز الى الشعب الأمريكي ليل الاربعاء الماضي وقال فيها انه قرر ارسال ما يزيد قليلاً عن 20.000جندي أمريكي الى العراق، هي استراتيجية تصعيد في الجهد العسكري الأمريكي في العراق. واضاف ان الجديد فيها ايضاً هو ان الرئيس بوش اعلن وللمرة الاولى "اننا لا نكسب" الحرب في العراق، وهو ما يقوله الخبراء بل وحتى بعض المسؤولين الأمريكيين في مجالسهم الخاصة منذ فترة طويلة.

وقال بريجنسكي، الذي اعترض على غزو العراق منذ البداية على أسس تتعلق بمصالح الولايات المتحدة القومية، ان استراتيجية بوش ليست استراتيجية عسكرية، بل هي تكتيك عسكري قصير الامد ليس إلا. وقال ان ما اعلن عنه بوش ليس سوى تصعيد هامشي لن يؤدي بحال الى تغيير المشاكل التي تواجهها في الصراع العسكري الذي نخوضه في العراق. واضاف منتقداً الاستراتيجية الجديدة لبوش، بقوله ان ما اعلن عنه الرئيس، من ناحية ثانية، لا ينطوي على اقل قدر من الاستراتيجية السياسية، انها لا تنطوي على أي جهد يهدف الى خلق الإطار السياسي التي نستطيع من خلاله التعامل مع المشاكل السياسية في العراق، هذا مع الادراك ان المشكلة التي نواجهها في العراق تصبح بصورة متزايدة مشكلة سياسية وليست عسكرية فقط.

وكان بوش قد اعلن في خطاب متلفز وجهه الى الشعب الأمريكي ليل الاربعاء الماضي انه سيقوم بارسال ما يزيد على 20الف جندي أمريكي اضافي الى العراق من اجل ما وصفه بدعم عمليات القوات العراقية داخل وحول العاصمة العراقية وفي محافظة الانبار. وفيما اعترف الرئيس بوش لأول مرة بأنه لم يرسل ما يكفي من قوات في بداية الغزو الأمريكي للعراق ووصفه الوضع في العراق بأنه "غير مقبول"، فإنه شدد على ان انهيار العراق سيكون كارثياً على الولايات المتحدة وحلفائها. وعدا عن اعلانه عن ارسال القوات الأمريكية الاضافية، وجه الرئيس الأمريكي كلمات قد تكون هي الاشد الى الحكومة العراقية، منذراً اياها بأنها اذا لم تلتزم بما التزمت بتنفيذه فإنها ستفقد دعم الولايات المتحدة.

كما وجه بوش في خطابه ذلك تحذيراً الى كل من ايران وسورية، قائلاً ان القوات الأمريكية ستقوم بوقف تدفق الدعم من البلدين للمتمردين في العراق. واضاف بوش ان النجاح في العراق سيتطلب الدفاع عن وحدته الاقليمية وبسط الاستقرار في المنطقة في مواجهة التطرف، وهو ما يبدأ بمعالجة أمر كل من سورية وايران، دون ان يفسر ما يعنيه بذلك.

الخبير في شؤون الشرق الاوسط بمجلس العلاقات الخارجية بنيويورك ميد قال هو الآخر ان من الصعب الدفاع عن هذه حجة ان اضافة 21.000جندي اضافي ستحدث فرقاً في الوضع في العراق. لكنه قال انه يرى بعض الاستراتيجية السياسية في اعلان بوش الاخير. وقال ان الولايات المتحدة انتقلت الآن من مساعدة ما كانت اقلية شيعية مستضعفة ضد ما تمكن تسميته بحرب ثأرية سنية ضدها في السنتين الاوليتين للحرب، الى محاولة الضغط على الشيعة الآن لكي يكونوا اكثر استعداداً لمنح السنة قدراً اكبر من الشعور بالامان بحيث يكون السنة، والعناصر السنية المعتدلة على وجه الخصوص، مستعدين للعيش في العراق تحت حكومة غالبية شيعية. لكنه اردف محذراً بالقول انه فيما تتزايد عملية الاستقطاب المذهبي والعرقي في العراق، فإن مهمة الولايات المتحدة المتمثلة في محاولة التوسط بين المجتمعات العراقية المختلفة آخذة في ان تصبح اصعب واصعب.

غير ان بريجنسكي حذر من خطورة استراتيجية بوش الجديدة، وقال انها تعتمد كلياً تقريباً على ما اذا كانت حكومة نوري المالكي في العراق قادرة، او راغبة، في التعاون مع المجهود الأميركي وتنفيذ ما هو مطلوب منها لانجاح هذا الجهد وقال: هل ستنفذ حكومة المالكي ما هو مطلوب منها في استراتيجية بوش؟ وأجاب أن لا أحد يتوقع ذلك، وهكذا، فما الذي سنفعله حين لا تنفذ حكومة المالكي تعهداتها؟ وقال بريجنسكي انه يتوقع واحداً من خيارين ستجد ادارة بوش نفسها أمامهما ان تستعمل الادارة واقع إخفاق الحكومة الشيعية في العراق في تنفيذ المطلوب منها وتبرر بذلك انسحابها من العراق، أو ما أسميه خيار "وجه اللوم لغيرك وانسحب" بدلاً من خيار "أوقف نزيفك وانسحب" والخيار الثاني هو تصعيد الجهد العسكري الأميركي حتى خارج العراق، عن طريق القيام بعمليات عسكرية ضد كل من إيران وسورية.

وساق بريجنسكي حادث مداهمة القوات الأميركية لمكتب قنصلي إيراني في اربيل بشمال العراق في الأسبوع الماضي على انه ينسجم مع توجهات استراتيجية بوش الجديدة، أي توسيع الصراع ليشمل ايران وسورية. وقال بريجنسكي ان الخطاب الذي نسمعه من مسؤولي الادارة ضد ايران والإغراء بأن نلوم إيران الايرانيين والسوريين على فشلنا في العراق قد يقودنا إلى هذه النتيجة. وكذلك فإن هناك الكثير من المسؤولين الذين لازالوا في الادارة، خصوصاً من جماعة المحافظين الجدد، الذين يودون من بوش أن يستخدم القوة العسكرية ضد إيران قبل نهاية عهده.

ميد لم يختلف مع بريجنسكي في هذه النقطة، وان قال ان ما يراه هو محاولة من واشنطن "لتضييق الخناق على ايران وزيادة الضغط عليها" وضرب على ذلك أمثلة وضع ادارة بوش مؤخراً أحد البنوك الايرانية الرئيسية على اللائحة السوداء ونشر بوارج أميركية على السواحل الايرانية ونشر صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ في أراضي الدول العربية الحليفة المجاورة لايران.

وعاد بريجنسكي إلى انتقاد الغزو الأميركي للعراق من أساسه، مضيفاً ان استراتيجية بوش الجديدة ليست سوى تعبير عن حال اليأس التي تعيشها الادارة، وليست سوى التزام خيالي منعزل عن الواقع تماماً. وقال ان على المرء أن لا ينسى ان الرؤساء الأميركيين السابقين الثلاثة الأحياء، والرابع الذي توفي أخيراً، فورد الذي كشف النقاب عن انه كان يعارض هذا الغزو هو الآخر، كلهم يعارضون الغزو الأميركي للعراق. وقال ان الادارة تعيش وضعاً بائساً لأن الحرب في العراق تحظى بقدر متزايد من معارضة الشعب الأميركي لها، ومن جانب متزايد من الحزب الجمهوري نفسه على وجه التخصيص. وقال انه ومع ذلك، فإن التصريحات والمؤشرات الجديدة الصادرة عن بوش وبعض مسؤولي ادارته تشير إلى انه إذا لم يف العراقيون بالتزاماتهم لانجاح خطة بوش الأخيرة، فإن الادارة قد تلجأ إلى توسيع الصراع في المنطقة على أساس الادعاء أن الايرانيين والسوريين هم الذين يزيدون من تعقيد مهمتنا في العراق. وقال ان هذا يعني "استبعاد اي جهد عقلاني في المنطقة لبدء عملية سياسية فيها على الطريقة التي دعت إليها لجنة بيكر - هاملتون.

وكان تقرير "مجموعة دراسة العراق" الذي صدر في 5الشهر المنصرم عن لجنة ترأسها وزير الخارجية الجمهوري الأسبق جيمس بيكر ورئيس لجنة الشؤون الدولية الديمقراطي الأسبق في الكونغرس لي هاملتون قد رسم صورة قاتمة جداً للوضع في العراق، واصفاً ذلك الوضع بأنه "خطير ومتدهور بصورة مستمرة تنذر بالانزلاق إلى حال من الفوضى العارمة" التي قد تؤدي إلى قلب الحكومة العراقية الحالية والتسبب في حرب اقليمية تشمل كل جيران العراق الحاليين. وأكد رئيسا اللجنة في رسالة سلمت إلى بوش مرفقة بالتقرير الواقع في 168صفحة حينئذ أن "لا حل سحرياً لحل المشاكل الحالية في العراق، وشددا بقوة على أن "سياسة مواصلة النهج" التي يحث عليها بوش ومعاونوه منذ بدء احتلال العراق "لم تعد سياسة نافعة ويجب استبدالها بهجمة دبلوماسية قوية وتغيير دراماتيكي في دور القوات الأميركية في العراق من دور قتالي إلى دور تدريبي واستشاري مع التلميح إلى امكانية سحب كل هذه القوات من العراق بحلول نهاية العام

2008.ولعل الأهم في تقرير اللجنة، الذي يتضمن 79توصية رئيسية لادارة بوش، هو مطالبة ادارة بوش بفتح حوار استراتيجي مع جيران العراق للمساعدة في حل مشاكله الحالية، وخصوصاً ايران وسورية، وهو ما تضمن انتقاداً لسياسة الادارة الحالية المصرة على عدم التحاور مع أي من البلدين بهذا الشأن - إلا وفق شروطها الخاصة. كما ربط تقرير اللجنة جهود استعادة الاستقرار في العراق بحل قضية الشرق الأوسط، بما في ذلك على المسارين اللبناني والسوري العالقين مع إسرائيل، وإعادة احياء عملية السلام بكاملها بين العرب وإسرائيل، وخصوصاً حل المشكلة الفلسطينية عن طريق قيام الولايات المتحدة بطرح خطة سلام شاملة لحل تلك المشكلة.

ومن بين توصيات التقرير المهمة "تغيير طبيعة المهمة الأساسية للقوات الأميركية في العراق من دور قتالي إلى استشاري بحيث يسمح ذلك للولايات المتحدة بالبدء بسحب قواتها من العراق بطريقة مسؤولة، ضرورة قيام الحكومة العراقية بعمل فوري لتحقيق معالم بارزة على الطريق وأهمها المصالحة الوطنية في البلاد، ومطالبة ادارة بوش القيام بمبادرات دبلوماسية جريئة في العراق وفي المنطقة. ويقول التقرير، واضعاً بعض الجدول الزمني المشروط لسحب القوات الأميركية من العراق انه "بحلول الربع الأول من العام 2008، وبشرط عدم حصول تطورات غير متوقعة في الوضع الأمني في العراق، فإنه يجب سحب جميع القوات القتالية من العراق عدا عن تلك التي تقوم بعمل حماية أمن القوات. ويقول التقرير انه بحلول ذلك الوقت، ينبغي ان يتم نشر القوات الأميركية في العراق فقط على هيئة وحدات مندمجة في وحدات الجيش العراقي، وفي عمليات الرد السريع والعمليات الخاصة الأخرى وفي عمليات التدريب والتسليح وعمليات حماية القوات والبحث والانقاذ ليس إلا.

وفي المقابلة التلفزيونية، لم يستبعد ميد ما أشار إليه بريجنسكي لناحية امكانية اقدام ادارة بوش على القيام بعمليات عسكرية ضد ايران وسورية، في محاولة للهرب إلى أمام من الفشل الذي يعني به العمل العسكري والسياسي الأمريكي في العراق. وقال ميد، مؤكداً إشارة بريجنسكي إلى مواصلة جماعة المحافظين الجديد التحريض ضد ايران وسورية لدفع الادارة إلى القيام بعمل عسكري ضدهما، ان هناك "البعض في الادارة وفي مراكز الأبحاث ممن يرون الأمور بهذه الطريقة التي أشار إليها بريجنسكي. لكنه أشار إلى "اشارة واحدة" وصفها بأنها قد تكون مساعدة للجهد الأميركي هذه المرة، وهي الاعلان الذي صدرعن المرجعية الشيعية الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني مؤخراً والتي دعا فيها حسب مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي إلى ان تكون "الدولة العراقية هي الجهة الوحيدة المخولة بأن تحمل قواتها الأسلحة" وهي دعوة غير مباشرة إلى نزع أسلحة المليشيات الأخرى في العراق خصوصاً الشيعية منها. لكن بريجنسكي شكك في هذه الخطة مجدداً، حتى بالرغم مما نقل عن السيستاني قائلاً ان اضافة 21.000جندي أميركي جديد لن تحل الأمر، مضيفاً ان مليشيا الصدر لوحدها تضم 60.000مسلح، وحتى لو نجحنا في تطهير حي أو شارع في بغداد من المسلحين، فما أن نغادره حتى يعود هؤلاء إليه لأن هناك 5ملايين منهم مشيراً إلى عدد الشيعة في بغداد فقط.

وفيما قال ميد ان قدرة بوش على الحصول على تأييد الكونغرس الأميركي له في استراتيجية الجديدة، لناحية موافقته على تمويلها، يعتمد على ما ستحققه هذه الخطة خلال الثلاثة أو ستة أشهر القادمة، فإن بريجنسكي شدد على حقيقة أكثر فلسفية وتاريخية. فقد قال ان الجهد الأميركي في العراق مقدر له الفشل لأنه أساساً جهد استعماري مع اننا الآن نعيش في عصر ما بعد الاستعمارية. ولا يمكننا أن نكسب هذا الصراع لأنه ليس متناغماً مع الحقبة الزمنية والوقائع التاريخية.

الرياض السعودية
نيويورك - أحمد حسين اليامي:

أضف تعليق