من الواضح أن إستراتيجية بوش الجديدة هي محاولة أخرى- وربما أخيرة بالنسبة إليه- من أجل حل معضلة المستنقع العراقي، مما يشير إلى أن هناك من يقنع الرجل بأن ثمة إمكانية لذلك بالفعل، لاسيما وهو يدرك تماماً كما يدرك كثيرون، بأن الفشل أو الهزيمة لن تكون سهلة على حاضر الولايات المتحدة ومستقبلها.
لعل الجانب الأهم في الإستراتيجية الجديدة هو ما تعلق بزيادة عدد القوات الأمريكية، مما يذكّرنا بجدل طويل مع عدد من الأصدقاء العراقيين وغير العراقيين خلال العامين الماضيين بشأن هذا الملف، حين اقتنعوا بأن الأمريكان في طور الانسحاب، مما يحتم ضرورة محاورتهم، حتى من قبل المقاومة، فيما أكدنا مراراً أن ذلك لن يحدث، إذا لم يُصرْ إلى زيادة القوات.
في واشنطن مجموعة من السياسيين اليمينيين الذين يؤمنون بمنطق القوة المتغطرسة، وأن ما لا يُعالج بالقوة سيعالج بالمزيد منها، فيما يؤمن بعضهم بسياسة الفوضى الخلاقة، وهذا ما ترجمه بوش في خطته الجديدة، ولا يستبعد أن تُطبّق ذات السياسة في معالجة الملف النووي الإيراني، سواء أكان مباشرة أم من خلال الذراع الإسرائيلية.
والحال أن نشر المزيد من القوات الأمريكية في بغداد والأنبار لن يحل معضلة المقاومة، لسبب بسيط هو أنها ليست جيشاً يُواجه بجيش، أما الأهم فهو أن القوات الجديدة ستوفر أهدافاً أخرى للمقاومة.
نتذكر هنا أن الإستراتيجية الأمريكية منذ الأشهر الأولى كانت تتمثل في تأسيس وتدريب الأجهزة الأمنية العراقية والجيش من أجل استلام الملف الأمني بما يتيح للقوات الأمريكية الانتقال إلى قواعد عسكرية تتحكم بالبلاد من خلالها، ومعها الوجود السياسي الذي يلعب على تناقضات العراقيين.
لم تنجح هذه الخطة، فقد شكلت المقاومة عنصر استنزاف لم يتوقف على الرغم من الضربات الهائلة التي تعرضت لها، فيما ساهمت القوى التي تضرب الأجهزة الأمنية في الحيلولة دون قدرتها على ضبط الأمن، لاسيما حين بدأت الأجهزة في القيام بأدوار المليشيات التي تخل بالأمن بدل المساهمة في إقراره، وذلك رداً على عمليات القاعدة ومن حولها، مع العلم أن هذه الأخيرة كانت تقول إن الطرف الآخر هو الذي بدأ القتال باستهدافه للمقاومة ولرموز المجتمع العربي السني.
الآن يُراد لهذه الخطة أن تعمل من جديد عبر حل المعضلة الأمنية في بغداد والأنبار من خلال القوات الجديدة، ومعها الكثير من التفصيلات المتعلقة بآليات العمل، وليس مساره العام، فضلاً عن السعي إلى تغيير القائمين على التطبيق، على أمل أن يكونوا أكثر قدرة على النجاح، وصولاً إلى تحويل ملف الأمن إلى القوات العراقية في نوفمبر القادم. مع العلم أن تغيير الحكومة سيكون متوقعاً بسبب تحالفها مع التيار الصدري، صاحب اليد الطولى في القتل الطائفي.
هناك بالطبع مساعدات وحوافز وحديث عن الإعمار، وكل ذلك من أجل إقناع العراقيين بأن في الإمكان الخروج من دائرة الموت المجاني نحو أفق الحياة الأفضل، وهو ما يبدو صعب المنال، ليس فقط بسبب صعوبة، وربما استحالة النجاح في تطبيق الخطة الأمنية، بل أيضاً لأن الحشد الطائفي، بل الاقتتال، قد بلغ مداه، ولم يعد بالإمكان الحديث عن أي شكل من أشكال الثقة بين العراقيين أنفسهم.
نأتي هنا إلى التوصية المتعلقة بتحسين شروط المشاركة السياسية للعرب السنّة في العملية السياسية، مع تحسين التعامل مع البعثيين السابقين، وكل ذلك من البضاعة القديمة التي سعت إلى إقناع العرب السنّة بأن من الأفضل لهم التعاون مع الولايات المتحدة ضد إيران وحلفائها، بدل البقاء بعيداً خارج العملية السياسية.
وكل ذلك -كما يعلم الجميع- على أمل التوقف عن المقاومة والكف عن المراهنة عليها.
من الواضح أن الإستراتيجية الجديدة لن تنجح، ليس فقط لأن الاقتتال الأهلي قد بلغ مداه، ومعه الجراح والثارات، بل أيضاً لأن المقاومة لن تلقي سلاحها بناء على وعود بائسة لا تغير كثيراً في جوهر اللعبة التي تحتكرها القوى الطائفية، فضلاً عن إبقائها على جوهر الاحتلال، بل تكريسه أكثر بزيادة عدد قواته.
الاسلام اليوم
لا جديد لدى بوش في العراق - ياسر الزعاترة
