منذ أن شعرت بالحاجة الملحّة لاجتراح الكتابة أسلوباً للتأثير في الحدث، أو على الأقل محاولة مخاطبة ضمائر صانعي الحدث أو صانعيه المحتملين، في سبعينيات القرن الماضي كنت دائماً آبى على نفسي أن أقول ما لا أفعل، والآية الكريمة حاضرة في ذهني دائماً وأبداً: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون»، وبعد أن تحوّلت مقالتي الأسبوعية إلى مقالة سياسية، بحكم الأوضاع التي تعيشها منطقتنا، وربما بحكم توجهات شخصيّة أيضاً،
وأنا أتابع ردود أفعال القرّاء الأعزاء في العالم العربي وفي المغترب إيماناً مني بأنّ الكاتب يجب أن يُرشد ويسترشد بآراء المستهدفين من كتابته. وقد لاحظت في السنوات، وخاصّة في الأسابيع الأخيرة، تصاعد وتكرار آراء تعتبر ما أكتبه عن الغرب ثاقباً وحكيماً وغالباً موضوعياً «ولكن في القضايا الداخلية تحاولين بشتّى الوسائل البحث عن تبريرات لشرعية الأنظمة الشمولية»!!، والبعض يطالبني أن أساند الغرب في بحثه عن «الديمقراطية» في العالم العربي بدلاً من «السكوت عن الأخطاء التي أودت بالعرب والمسلمين إلى أسفل سلّم الأمم»، كما أنّ البعض يعتبرون أن «الغرب يعني محاربة مظاهر الفساد والجرائم، وهو عنوان الشفافية والحرية والديمقراطية»! ولكن لنتذكر من نشر وشارك ودعم وما زال مظاهر الفساد والشمولية والتعذيب والطغاة في العالم العربي وفي غيره من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية؟! هل نسيتم أعزائي القرّاء؟ هل يعقل أن الذاكرة تنسى الأمثلة العديدة والصارخة والمتكررة والمتواترة لأشكال الدعم العديدة التي قدّمتها الديمقراطيات الغربية للنظم الشمولية وللفساد وللطغاة والديكتاتوريات العسكرية!
وقد وجدت في ردود الأفعال هذه فرصة للتوقف مع القرّاء الأعزاء والتمعّن في إشكالية الخارج والداخل وما يتوجّب على العرب فعله إزاء كلّ منهما. وبادئ ذي بدء أقول إنّ عدم التمييز بين ما يتوجّب على العرب فعله في الداخل مقارنة مع ما يتوجّب عليهم فعله في الخارج، وعدم وجود التوقيت السليم وعدم وضع الأولويات، يُعتبر عقبة أساسية في تطوّر النظام العربي وكفاءته. وأُضيف إلى ذلك أن الديمقراطيات الغربية ليست انفلاتاً من القيود والضوابط، وليست حرّة بالمعنى المطلق للكلمة، بل إن سقوفها المتعددة محددة بدقّة لا مثيل لها في بلداننا العربية. فمحاولة فهم موقف الغرب من العرب، ومحاولة توصيف الهجمة التي تطال اليوم بلداناً عربية عدّة ليست على الإطلاق بديلاً عن العمل الداخلي، سواء في كلّ قطر على حدة، أو بين الأقطار العربية مجتمعة، لمعالجة المشاكل التي تأخّرت حلولها، وتأجّلت، فتفاقمت وتأزّمت. ولكنّ الانشغال أيضاً بملفات داخلية وجعلها العنوان الأساسي للعمل العربي على حساب قضايانا الكبرى وحقوقنا الأساسية ليس بالأمر الحكيم أو المجدي على الإطلاق. فهل يُعقل أن يختلف الفلسطينيون، وجميعهم ضحايا قمع احتلال استيطاني بغيض، حول السلطة والقيادة والصلاحيات، بينما تغلق إسرائيل السماء والبحر والأرض عليهم جميعاً وتخطف من تريد وتقتل من تشاء وتصادر الأراضي متى وأينما تشاء؟ وهل يُعقل أيضاً أن يعتقد بعض الاخوة العرب أن استهداف لبنان أو سورية من قبل قوى استعمارية غاشمة معروفة بتاريخها وحاضرها العدائي الدموي تجاه العرب، يمكن أن يصبّ في صالحهم، سواء كأفراد أو كمجموعات، حتى وإن ادّعت أنها تريد نشر «الديمقراطية»؟!! وهل يمكن لأي عربي أن يصدّق أنّ إسرائيل، المتماهية اليوم مع الأحكام الأمريكية الصادرة بحقّ شعبنا العربي، تُفرّق بين عربي وآخر، إلا بمقدار الخدمات المقدّمة لمشروعها الاستيطاني؟
لقد نشرت جريدة الأخبار اللبنانية، في عددها الصادر يوم الجمعة 5 كانون ثاني 2007، خبراً بعنوان: «مواقع إلكترونية أمريكية تنشر نكات: ابتسم.. فأنت عربي جاهل وغبي»، وتنتهي إحدى النكات إلى الاستنتاج أنه في عام 2032 من المفترض أن يكون العرب اختفوا عن الكرة الأرضية!! وحسب معلومات الجريدة، فإن هذه المواقع تزوّد زوارها بعدد لا يحصى من الإهانات للعرب، وللفلسطينيين حصّة خاصّة، وتتعدّد النكات التي تختصر الفلسطيني بالمهووس بالموت. وما يجري في العراق وفلسطين، ومؤخراً في الصومال، هي حرب إبادة على التعايش العربي والثقافة العربية والمكتبة واللغة والمتاحف والآثار والمساجد والكنائس، وكلّ هذا لا يقنع البعض بضرورة الوقوف وقفة واحدة، والحديث بصوت واحد ضدّ من يستهدفنا مستعيناً ببعض أبناء هذه الأرض على حقائق التاريخ والجغرافيا، وعلى مصلحة وطموحات ومستقبل أبناء هذه الأمة. ولكن هل تشكّل الوقفة الصادقة والجريئة والعربية بامتياز في وجه هذه الهجمة تجاهلاً لملفات اجتماعية واقتصادية وسياسية ملحّة على المستوى القطري والعربي؟ بل العكس هو الصحيح لأنّ هذه الوقفة هي المقدّمة الطبيعية والضرورية لتمكين كلّ المخلصين من العرب والمؤمنين بعروبتهم، للمباشرة ببناء نظام عربي حقيقي يحميه أبناؤه وبناته، لا الطامعون والمغرضون والمستعمرون والمستوطنون الذين يعتبرون هزيمتهم في منطقتنا «تشكّل بحدّ ذاتها خطراً استراتيجياً يهدّد بقاء هذه الدول [بعض الدول العربية] واستمراريتها»، كما قال الرئيس بوش في خطابه الأخير. أوَ ليست مفارقة شديدة أن يبرّر رئيس عربي الغارات الأمريكية على أبناء شعبه الأبرياء، بينما يتفهّم رئيس آخر دواعي الحرب الأثيوبية على الصومال، وتوافينا بعد ذلك نشرات الأخبار بصور النساء والأطفال الذين أشعلوا النار ليتّقوا البرد في قريتهم بانكاجيرا، فغدوا بعد لحظات ضحايا القنابل الأمريكية المتساقطة عليهم؟ أوَ ليست مفارقة كبرى أن ينشغل اللبنانيون بحلّ مسائل تتعلّق بآليات الحكم، بدلاً من قيادة حملة دولية ضدّ جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان وجريمة زرع ما يفوق على مليون قنبلة عنقودية في قرى وسهول وجبال لبنان والتي يذهب ضحيتها كلّ يوم أطفال ونساء ورجال من المدنيين الأبرياء؟
لقد افتتح بوش عامنا الجديد بإعلان التماهي المطلق بين السياسة الأمريكية والإسرائيلية حيال بلداننا العربية، وتعريفات قدّمها مثل بلدان «معتدلة» وأخرى «ديمقراطية» إنما هي مصطلحات لتقسيم حملته ضدّ العرب إلى مراحل. فبعد الانقضاض على الحركات الوطنية الديمقراطية المعلنة العداء للاحتلال الإسرائيلي واستيطانها، سوف لن تفتقر مراكز الأبحاث الأمريكية والإسرائيلية إلى إيجاد مبررات كي تستخدم الإدارة نفسها، أو من تليها، التفويض «الإلهي» الممنوح لها لمهاجمة أي بقعة وأي شخص على وجه الخليقة بحجّة الانتماء إلى «القاعدة»، بمن فيهم هؤلاء الذين قدّموا خدماتهم الجليلة لها في مرحلة سابقة، فيتم تصفيتهم شنقاً أو بالسمّ الزعاف! لقد أصبحت «القاعدة» أثمن ما حظيت به الولايات المتحدة لمتابعة مشروعها الإمبريالي، وتوسيع هيمنتها العسكرية على العرب، وإحكام سيطرتها المباشرة على الثروات النفطية والطبيعية في الشرق الأوسط، ومن أجل تحقيق هدفها هذا، تسجن الأبرياء، مثلاً في غوانتانامو وغيرها من السجون السريّة، سنوات وتعذّبهم وتلحق بهم أشدّ أنواع الإهانة والإذلال، وتحرق المكتبات، وتغتال العلماء والمفكرين، وتثير الفتن الطائفية والمذهبية، وتعتدي على الحرمات وتحوّل حياة الملايين من الناس إلى تشرّد وهوان، وما زال البعض من القرّاء العرب يعتقد أن الهدف من ارتكاب كلّ هذه الجرائم هو إحلال «الديمقراطية» في الشرق الأوسط!! كم عدد البلدان العربية التي يجب أن تسقط في قبضة الاحتلال الأمريكي ـ الإسرائيلي حتى يقتنع العرب «جميعاً» أنهم جميعاً مستهدفون، وأنّ التركيز الذي بدأ منذ خمسة أعوام بإدعاء نشر «الديمقراطية» كان يهدف إلى إنهاء الحديث عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وإطلاق يد إسرائيل والولايات المتحدة في ملاحقة كلّ من يقول «لا» للاحتلال و«لا» للهيمنة الإسرائيلية الأمريكية. فها هو نائب رايس، جون نيغروبونتي، يقول أمام مجلس الشيوخ إنه يجد وضع حزب الله مقلقاً بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان الصيف الماضي: «نتيجة للعمل العدائي الصيف الماضي، فإن ثقة حزب الله المتزايدة بنفسه وعداوته للولايات المتحدة كداعمة لإسرائيل، قد تدفع الجماعة إلى زيادة تخطيطها ضدّ المصالح الأمريكية»، ولا فرق لدى رايس ونيغروبونتي بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية. أوَ ليس مستغرباً إذاً أن يتأبّط بعض العرب ملفاتٍ ضدّ من يقف شوكةً في عين مخططات إسرائيل والولايات المتحدة في توسيع الهيمنة؟. وهذا لا يعني على الإطلاق أن المهمة تتوقف هنا، بل يجب أن تمتدّ إلى أصغر التفاصيل في كلّ بلداننا، بحيث تكون مصلحة الوطن وحرية المواطن وكرامة وحقوق الإنسان المعيار الأوحد للعمل السياسي.
ولكن لكلّ مقام مقال، ولكلّ حديث موقفه وظرفه وأهدافه وأسباب نجاحه. ولهذا فإنّ من يدّعي التّوق إلى الشفافية والديمقراطية والحرية، عليه أن يبدأ ببلورة رؤية عربية توحّد المواقف والقوى ولا تفرّق في المعارك الوهمية التي اختلقها لنا أعداؤنا كي «لا يختفي العرب عن الكرة الأرضية»، كما يحلم بعض المغرضين في نكاتهم المنشورة على الشبكة، مع ثقتي الكاملة أنهم لن يختفوا أبداً. لديّ في جعبتي ما يثبت لكم، أعزّائي القرّاء، أن اللغة العربية والمكتبة العربية والفكر العربي والوعي العربي والهوية العربية، هي هدف كلّ ما جرى وما يجري في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان، وما سيجري لغيرها من البلدان العربية لاحقاً من دمار وتخريب، فهل يمكن أن تنقذوا عروبتكم الحقيقية أولاً والتي هي شرط أساسي للحرية والديمقراطية والازدهار.
الشرق الاوسط
المقالات لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
القراء الأعزاء: من نشر الفساد ودعم الطغاة في بلداننا إذاً؟!- د. بثينة شعبان
