هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق من التقسيم إلى \"الدولة الشيعية\"- د. طارق سيف
العراق من التقسيم إلى \"الدولة الشيعية\"- د. طارق سيف العراق من التقسيم إلى \

العراق من التقسيم إلى \"الدولة الشيعية\"- د. طارق سيف

باقٍ من الزمن وقت محدود للغاية، ويجري الإعلان عن قيام \"الدولة الشيعية المحررة\" في العراق، فجميع الأحداث والتطورات التي تجري داخل العراق ومن حوله منذ بداية عام 2006، حتى الآن، تشير بوضوح كافٍ إلى أن الطريق بات مفتوحاً لرفع العلم الشيعي على العراق إيذاناً بانتهاء الدولة العراقية العربية الموحَّدة، وقيام كيان شيعي، وسط دعم شيعي إيراني يسعى بكل همَّة إلى إيجاد دولة موالية له في العراق، وفي ظل مباركة أميركية تضمن "الهروب" العسكري المشرف للقوات الأميركية التي أريق ماء وجهها على أيدي "السُّنة" من المقاومة المسلحة بكل اطيافها.
قد يعتقد البعض أن البداية كانت مع صدور الدستور العراقي الجديد الذي جرى الاستفتاء عليه في منتصف نوفمبر 2005، وقد كرَّس الطائفية، وأسهم في الانقسام، وشجع على انتشار العنف بكل أشكاله، ولكن البداية الحقيقية كانت مع انتفاضة الشيعة في العراق ضد صدام حسين ونظامه عام 1991، في ظل أمل كان يراودهم بالحصول على شكل من الحكم الذاتي مثلما كان حال الأكراد، بدعم من واشنطن، إلا أن بوش الكبير خذلهم حينها، وتركهم يواجهون مصيرهم أمام القوة العسكرية العراقية، فكان على بوش الصغير أن يصلح الغلطة ويناصرهم في دعواهم.
لذلك جاء الدستور ليدق مسمار الانفصال ويكرِّس أسس التقسيم لسبب واضح: أنه لم يحصل على الإجماع الكافي من كل العراقيين، وغابت عن المساهمة فيه فئات عدة على رأسها السُّنة، وصوتت ضده بأغلبية ساحقة محافظتان عراقيتان، هما ديالى وصلاح الدين، واقتربت محافظة نينوى من التصويت ضده أيضاً، غير أن 85 ألف صوت فقط حالت دون ذلك، ولو فعلت لانهار بأكمله، لأن إحدى مواده تنص على أنه إذا لم توافق ثلاث محافظات على الدستور يسقط ويُعاد النظر فيه.
جاء الدستور العراقي يحمل في طياته عناصر الفرقة الطائفية والعرقية، وتقطعت أوصال العراق بين الأكراد والشيعة، وضاع السُّنة، ونظراً إلى أن أوضاع الأكراد كانت مستقرة ومحصورة في الشمال، قرر الشيعة الاستيلاء على العراق، وطرحوا أنفسهم على أنهم الممثلون الوحيدون والحقيقيون للشعب العراقي. وفرض "منطق التقسيم" والحكم الذاتي نفسه على كل شيء في العراق يوماً بعد يوم، وبصورة مأساوية.
لقد بدأ قادة الشيعة تنفيذ مخططهم وفق أجندة واضحة تطرح نفسها بديلاً عن الدولة، فجرى تقسيم الأحياء داخل العاصمة بغداد بحدود طائفية فاصلة جعلت معظم هذه الأحياء في يد الشيعة، حيث قامت المليشيات الشيعية بعملية تطهير طائفي منظم، في الوقت الذي كانت حكومة نوري المالكي تتفاوض مع إدارة بوش الصغير على الصفقة الشاملة، التي تجعل للشيعة اليد العليا في العراق وتفرض سيطرتها على الجنوب والعاصمة وبعض المحافظات التي كانت يوماً ما ذات أغلبية سُنية، على أن تحمل أميركا عصاها وترحل مع بداية عام 2008، وتترك ما تريده من قوات في القواعد التي أنشأتها في العراق لتكون في حماية الشيعة، وتتم محاصرة مناطق السُّنة تمهيداً لفرض الأمر الواقع عليهم أو إجبارهم على الرحيل.
يتمسك شيعة العراق بحجة واهية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والدمار، فهم يبررون مواقفهم بأنهم رضخوا لحكم الأقلية السُّنية عقوداً من الزمن، وكان الثمن هو الديكتاتورية وخراب العراق، فلماذا لا يقبل السُّنة بحكم الأغلبية الشيعية؟ وهذا بالطبع عمل ديمقراطي، حيث يجب على الأقلية قبول قرار الأغلبية.
ولكن كيف تحقق ذلك على أرض الواقع؟ تحقق من خلال ثلاثية الرعب، التي تشمل "المرجعية والمليشيات والحكومة"، حيث يقع على عاتق المرجعية الدينية الشيعية إضفاء الشرعية الدينية على العمل السياسي والعسكري؛ بإصدار الفتاوى الملزمة للشيعة كافة، التي تبرر استخدام أي وسيلة بما فيها عمليات القتل والذبح والاغتيال والتشريد وإثارة الفوضى في المناطق السُّنية، على أن تتحمل المليشيات الشيعية التابعة للصدر والحكيم و"حزب الدعوة" والعناصر المسلحة الأخرى المدعومة من الحرس الثوري الإيراني مسؤولية تنفيذ الفتاوى، وتشن حرب إبادة طائفية للسُّنة في العراق، وتعمل على التهجير القسري لهم ووضعهم في "كانتونات" خارج المناطق التي يستولي عليها الشيعة، بينما تقوم الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية بقيادة المالكي بتوفير الغطاء السياسي الشرعي لهذا العمل، والتنسيق مع قوات الاحتلال بطرح المليشيات الشيعية كوسيلة مضمونة لتحقيق الأمن وفرض الاستقرار؛ وبالتالي تقلل تعرض القوات الأميركية لأي أعمال عسكرية معادية.
لقد أصبح العراق رهين الشيعة المتطرفين، وفي الوقت الذي نجد فيه السُّنة مشتتين وكل منهم يتصرف على هواه ولا تجمعهم كلمة واحدة أو موقف واحد، نرى الشيعة موحدين تحت راية المرجعية الدينية، وتعمل طهران على استمرار تماسكهم، وتشد من أزرهم حكومة تراهن على مستقبل الدولة العراقية، فتدعو إلى المصالحة الوطنية كستار لإخفاء نواياها الحقيقية، لأنها تفعل عكس ما تقول، وتنفذ عكس ما تتفق عليه، وتهدد بمراجعة علاقاتها العربية.
ويطرح ذلك كله سؤالاً محدداً: هل يوجد أي مستقبل للسُّنة في العراق خاصة بعد اقتناعهم بأنهم لن يؤثروا على توجهات الشيعة أو الأكراد لتغيير الواقع على الأرض؟ يوجد شك كبير في قدرة السُّنة على عمل أي شيء أكثر من الاستمرار في عمليات المقاومة والانتقام، الأمر الذي سيعجل بإعلان الشيعة قيام دولتهم الطائفية في العراق لقطع الطريق على السُّنة من جانب، وإضفاء الشرعية على مزيد من إجراءات التطهير الطائفي، وحصار السُّنة وتركهم من دون ثروات طبيعية من مياه ونفط.
هل هذا يعني أن الانتقام الشيعي من نظام صدام وزبانيته يدفع ثمنه السُّنة الذين عانوا بالقدر نفسه الذي عاناه الشيعة؟ للأسف الإجابة واضحة: "نعم"، ومنذ بداية الغزو العسكري الأميركي للعراق ومعادلة بوش الصغير ورفاقه هي التحالف مع الأكراد والاتفاق مع الشيعة والقضاء على أي نفوذ للسُّنة. فمصالح الولايات المتحدة من الغزو كانت زوال نظام صدام حسين المعادي لواشنطن، والذي يهدد ربيبتها إسرائيل، وفرض السيطرة على مناطق حقول النفط التي تقع في أراضي الشيعة والأكراد، وليس للسُّنة فيها "ناقة ولا جمل" بل هم عالة على العراق، وتناسوا الهوية الوطنية العراقية وتركيبته المجتمعية.
ستكون الدولة الشيعية في العراق متحالفة جهراً مع الولايات المتحدة، وموالية سراً لنظام طهران، ومنتمية للعرب، ومعادية سراً لكل العرب من السُّنة، ومهادنة لإسرائيل باعتبار ذلك طريقاً إلى قلب أميركا، وتعلن بغداد عاصمة لها، وتصبح الميليشيات الشيعية نواة جيشها، والحرس الثوري الإيراني مثلها الأعلى في إخضاع باقي الأقليات لحكم الشيعة أو تصفيتهم، وتعلن قيام الفيدرالية مع الأكراد، وتسمح لهم بحق تقرير المصير، وتفرض سطوتها على النفط العراقي في الجنوب بالتعاون مع واشنطن التي نالت من قبل حق السيطرة على النفط في مناطق الأكراد.
لا يزال كثير من العرب السُّنة يقرؤون ما يحدث في العراق بصورة خاطئة، على اعتبار أن ما يقوم به الشيعة ردود على المجاميع المسلحة السُّنية، وهو خلط يحسب عليهم، خاصة أن الحكومة شيعية الانتماء، وطائفية التوجه، وتعمل وفق مرجعية دينية تدعمها المليشيات، بينما باقي عناصر تركيبة المجتمع العراقي ليس لها أي وجود سياسي مؤثر سوى عمليات المقاومة التي في احيان كثيرة لا تفرق بين الشعب العراقي والمحتل ولا تحمل أي هدف سياسي محدد، وليس لها مرجعية يمكن أن تتحدث باسمها، وهذا نفسه ما يحدث في مناطق عربية أخرى، فعليه العوض في العراق العربي، والدور على الصومال ولبنان والبقية تأتي.

* نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية
المقالات المنشورة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق