حان الوقت لتفعيل المساهمة الدولية في المساعدة في تشكيل الاطر والصياغات لمستقبل انظمة تحترمها شعوبها وتعبر عن ارادتها، بعيدا عن نماذج كرازاي افغانستان وكرازايات العراق.
من غير الخافي على احد من المتابعين والمحللين وفطاحلة الفكر والسياسة الغربيين، التأثيرات والتداعيات التي افرزتها سياسة الادارة الاميركية، وطبيعة نهجها الذي يمثل عقيدة رأس المال، المستعد للدوس على القيم والشرعية والقانون وحقوق الانسان، لنيل واشباع جشعه ونهمه في السيطرة والاستغلال.
أن هذه التأثيرات والتداعيات، وما اعقبها من تراكم المتغيرات المنظورة وغير المنظورة التي طرأت على الساحة الدولية خلال السنوات الاخيرة، اكدت عدم القبول بالتجاوزات والصلف، الذي اشاع اجواء من التوتر وعدم الاستقرار في مناخ العلاقات الدولية، نتيجة للانتهاكات الصارخة لقواعد الأمن والسلم العالمي، والاستهتار بكل الاعراف وحقوق الشعوب وسيادة بلدانها.
لقد أكد النهج الذي اختطتهُ ادارة البيت الابيض، السلوك العصبوي، المندفع بصبيانية منفلتة لا حدود لها، لتكريس خصائصه السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفي محاولة لفرض توجهات القطب الواحد وما تمثله ادارته السياسية، من مصالح لشركات العولمة الوحشية، في كل ميادين السياسة الدولية ومنظماتها، وعلى جميع المحاور الإقليمية وانظمتها، لتكون تابعا وخادما لأهداف سياساتها.
كان لهذا الاختلال الصارخ عالميا، لصالح نهج المحافظين الجدد، قد ترك اثره الواسع على المناخ الدولي وعلى السياسات الاقتصادية والامنية للكثير من البلدان، وخلق نوع من التبعية العمياء لبعض الدول، وادى الى ان تطأطئ بعض الدول رأسها للعاصفة، واخرى تنتظر انهاك الوحش الاميركي في مغامراته العسكرية، وغوصه اكثر في وحل الاوطان المحتلة، وشعوبا بدأت تتململ واخرى تمانع وثالثة تقاوم وتعيق وتمنع مخططات المحافظين الجدد في الاستقرار والتوسع وتفشل متغيرات تكتيكاتها المأزومة.
كان ولا يزال غزو العراق واحتلاله من قبل اميركا وحليفتها التابع بريطانيا، قبل اكثر من ثلاث سنوات ونصف، وما تبعه من تدمير وتحطيم دولة عضو في الامم المتحدة ومن المؤسسين لها، محل خلاف سياسي وقانوني دولي، وهو إذ يؤشر الى تجاوز الولايات المتحدة لكل القوانين الدولية ومنظمة الامم المتحدة ومجلس امنها، فأنه يؤكد قانون شريعة الغاب الذي فرضته هذه الدولة، وعلى ضوء مبررات كاذبة وملفقة، اعترفت نفسها واقطابها بعدم صحتها.
لقد فتحت هذه الحرب باب الاختلافات والتناقضات بين اميركا والكثير من دول العالم، وخاصة بعض الدول الاوربية وروسيا والصين، لكنها بطبيعة الحال لم تخرج عن سقف الظرف الدولي الجديد، الذي يحدد من فعالية هذه الاختلافات والتناقضات في ان تصل الى منع العدوان والغزو وصد الاندفاع الاميركي من احتلال بلد اخر.
ان هذه الاختلافات اخذت مداها في التنسيق بين بعض الدول المختلفة مع ادارة بوش، في كيفية ادارة الازمة، فكان التنسيق الفرنسي الالماني الروسي لمنع الحرب، ثم رفض العديد من دول الناتو المساهمة والاشتراك في هذه الحرب، وهذا ما اقلق الادارة الاميركية بامتداد الخلاف الى اروقة الحلف العسكري، فاستعانت بجيوش من دول اوربا الشرقية، وكذلك بأعداد رمزية من بعض دول اميركا اللاتينية، بعد ان تكفلت بدفع تكاليف هذه القوات، لتكتمل صورة الحشد العالمي الذي تريده للاستهلاك الداخلي، حيث لم يمضي وقت طويل حتى انسحبت اسبانيا من العراق وتبعتها ايطاليا واوكرانيا، وهكذا فان تعمق خلافات الحلف وبعض الدول الاوربية بسبب الحرب وغزو العراق، قد اخذ مداه المقلق لهذه الادارة، وهذا ما تجسد مؤخرا في قمة "ريغا" لدول حلف شمال الاطلسي.
في هذه القمة طرحت الولايات المتحدة همومها، وما يقلقها من تدهور الاوضاع في افغانستان والعراق، حيث طالبت اميركا دول الحلف بزيادة اعداد جنودها، ودعمها لأفغانستان للاستمرار في محاربة طالبان والقاعدة ولترسيخ "العملية الديمقراطية" واعادة البناء، ولم تفلح الجهود الاميركية في الحصول على التزامات كبيرة من اعضاء الحلف، رغم ان بعض الدول التي عرضت زيادة عدد قواتها، قد حددتها بطبيعة المهام غير القتالية التي سيقومون بها، وهي المهام التي تقوم بها اغلب قوات الايساف في افغانستان، عدا القوات الاميركية والبريطانية والكندية والبولونية، والتي تقوم بالمهام القتالية الرئيسية.
اليوم يقف الناتو امام مشكلة كبيرة، بعد اجتماع ريغا، خاصة وان الدول الاوربية مختلفة بسبب غزو العراق، ولا توجد ارادة سياسية للمساهمة والتأثير في العراق او في افغانستان، اضافة الى ان الضوابط والقوانين الداخلية لبعض الدول الاوربية التي تحدد استخدام قواتها العسكرية.
ورغم ان هذه القمة نجحت في تليين وتغيير بعض المواقف لجهة تجميد هذه الضوابط لتفسح المجال لمساهمة اكبر في مساعدة الحلفاء في هذه الظروف الحرجة في افغانستان، إلا ان نجاحها ليس ذو قيمة امام متطلبات التحديات التي تواجهها وتنتظرها في المدى القريب، حيث ان استعادة طالبان لقدراتها وتوسع عملياتها العسكرية وازدياد الخسائر البشرية لقوات الحلف وخاصة الكندية والاميركية والبريطانية، وسقوط اغلب المناطق من جديد بيد طالبان وحلفائهم، والذي استدعى من بعض قوى الدول المشاركة في الايساف بعقد اتفاقات محلية مع قادة طالبان ورؤساء القبائل في بعض المناطق الخاضعة لطالبان، تقضي بعدم الاعتداء، وهذا ما ينطبق على حكومة كرازاي الذي بدأ يستجدي المصالحة.
لقد برز القلق الفرنسي واضحا خلال قمة ريغا من محاولات الولايات المتحدة في السيطرة وتسيير امور الحلف بما يخدم مصالحها، وابدت فرنسا انزعاجها من التعاون العسكري الواسع مع استراليا ونيوزيلندا واليابان، ومن طموحات الناتو في شرق اسيا، كونها ستؤدي الى زيادة التوتر مع الصين، اضافة لمعارضة بعض الدول لاندفاع الولايات المتحدة تجاه بعض دول الاتحاد السوفيتي السابقة واشراكها بكافة النشاطات العسكرية، رغم حساسية روسيا ومراقبتها لمثل هذه التوجهات والتي تحفز الحذر والشكوك الروسية على امنها القومي.
أن تعاظم المشكلة التي تواجه الناتو في افغانستان، حيث حكومة كرازاي الضعيفة واقتصاد يتراجع ويعتمد اكثر فاكثر على تجارة المخدرات، اضافة الى ازدياد قوة وفعالية طالبان، الذي اصبح يشكل مع حلفائه المحليين تهديدا جديا هناك لقوات الناتو، وامسى من الصعب على حلف الناتو خلق الاستقرار المطلوب، هي ليست مشكلة عسكرية فقط، بل هي مشكلة سياسية تتعلق بغياب الارادة والقرار لأعضاء الحلف الاوربيين، الذين يرون في مسببات وجودهم العسكري هناك مرتبط بسياسة خاطئة فرضتها ادارة البيت الابيض هناك، والتي تبعتها بخطوة غزو العراق واحتلاله، وما استهلكه هذا البلد من المجهود الحربي الاميركي ومن الاموال الطائلة التي صرفت ومن الخسائر العسكرية الكبيرة التي اصابت المحتلين.
والاهم هوان تداعيات هذا الغزو ونتائجه اضعفت فرص الانجرار الاوربي وراء المطالب الاميركية، وخلقت رأيا عاما يضغط على حكوماتها باتجاه مضاد للحرب، ودعوات متواصلة لسحب قوات بلدانهم من العراق وافغانستان.
لقد كتب البرفسور جوزيف ناي الاستاذ بجامعة هارفارد في مقال نشر في جريدة داكنز نيهتر السويدية "اصبح العراق يستنفذ كل الاوكسجين الضروري في التفكير السياسي للادارة الاميركية في واشنطن... "، واضاف "ان على الدول الاوربية ان تنتهج نهجا مغايرا عن السياسة الاميركية، يسمح باستعادة الشرعية الدولية لدورها الحقيقي بانهاء الازمات الدولية وينقذ الناتو من فشل كبير في افغانستان".
ان تلمس الحكومات الاوربية لنتائج الفوضى التي خلقتها السياسة الاميركية وانجرار بعضهم الاعمى ورائها، بدأ يعكس نفسه في التصريحات وبعض المواقف التي لا زالت لم ترتقي بعد لحجم الانخراط الاوربي المستقل في تكريس شرعية دولية حقيقة، بمعزل عن اميركا ودورها الدولي في افغانستان والعراق وفلسطين.
فعندما يصرح رئيس الوزراء الاسباني السابق اثنار في لقاءه مع صحيفة "استبريا ديختال"، وهو من المتشددين في دعم بوش في حربه على العراق، حيث يقول "اننا انسقنا الى حرب العراق، وان المعلومات حول اسلحة الدمار الشامل كاذبة ومزيفة..." واضاف "ان قرار رئيس الوزراء الحالي بسحب القوات الاسبانية كان متوازنا..."، فهو بذلك يعكس التغير والتبدل في طبيعة النظرة لبعض القادة الاوربيين حول ما يجري في الساحة الدولية، وهذا ما يتطابق مع مواقف الايطاليين والفرنسيين والسويديين في المواقف المغايرة للولايات المتحدة في قضية الغزو الاثيوبي للصومال وقضية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واهمالهم لدعوة عباس في الانتخابات المبكرة التي تحمست لها كل من اميركا وبريطانيا وإسرائيل.
ان عمق المأزق الاميركي في العراق يلقي بظلاله على المشهد الافغاني، ويدفع بهذا الشكل وذاك لفشل محدق بنشاط الناتو في افغانستان الى جانب القوات الاميركية والبريطانية، يمكن تداركه على اساس من تجاوز سياسة ادارة بوش الحالية في الحرب والاحتلال، وان تأخذ الدول الاوربية الفاعلة في حلف الناتو دورها ومسؤوليتها الاممية الى جانب الامم المتحدة في انهاء الاحتلال والقتل والتدمير، وتفعيل المساهمة الدولية في المساعدة في تشكيل الاطر والصياغات لمستقبل انظمة تحترمها شعوبها وتعبر عن ارادتها، بعيدا عن نماذج كرازاي افغانستان وكرازايات العراق.
ميدل ايست اونلاين
المقالات لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
أفغانستان في ظلال العراق- كاظم محمد
