لم يكن احد يتوقع أن ينقلب المشروع الديمقراطي الأمريكي المعلن في العراق رأسا على عقب ليكون تجسيدنا لمقولة سابقة لجيمس بيكر: سنعيدكم الى عصور ما قبل الثورة الصناعية، أي الى عصور من التخلف والجهل وسيادة ثقافة العبودية للأشخاص والغيبية ومسح الذاكرة للإنسان العراقي وسيادة ثقافة التطرف والتعصب الديني الأعمى الذي يحرق كل متعلم وأفندي.
لقد اختفى الأفندية من بغداد-( الأفندية الرجال الذين يلبسون الزي الأوربي) هكذا علق احد الصحفيين المتابعين للشأن العراقي، وأضاف لقد كانت بغداد حتى في أحلك ظروفها مدينة للأفندية وملتقى مفتوح لكافة الثقافات الأدبية والنوادي المتخصصة التي تعج بها بغداد، وأحيانا حسب التخصص فنجد الأطباء والمهندسين وأستاذة الجامعات والأدباء والفنانين وحتى العمال يجتمعون وبشكل شبه يومي للمسامرة وتبادل الآراء والأفكار التي تخص مهنتهم بعيدا عن السياسة.
وهناك مقولة مشهورة لأستاذ جامعي عراقي: علميا أصبحت أستاذا بدون جامعة وصحفي بدون جريدة، وعراقي بدون بيت. إن هذه المقولة هي تلخيص بسيط لما تعانيه بغداد ألان،خصوصا بعد أن تورط المحتل الأمريكي وتمت مجافاته من جميع هذه الطبقات المتعلمة المثقفة التي تؤمن بحرية المرأة وسيادة النظام الاجتماعي المتحضر، وقسم منها حمل السلاح ضده أو حمل القلم أو اصدح بصوته على الفضائيات فاضحا لهذا الاحتلال الغشيم، الذي لا يكاد يختلف في تفكيره عن ممن تعاون معهم من أسياد الحرب وقادة المليشيات الهمجية التي لا تعرف سوى لغة السلاح ، وبذلك وجد المحتل له من رعاع القوم من يتعاون معه في الانتقام من هذه الطبقات المثقفة الواعية التي ليس لها هم سوى الوطن، والحفاظ على روح مدينتهم الساحرة بغداد، التي ما أن زارها زائر في السابق إلا وعاد حبا وشوقا إليها.
وهكذا اعتمد المحتل على هؤلاء من اجل تدمير كل ما هو حضاري ويمت للحضارة بصله، من بقايا الحضارة القديمة نفسها كالمتاحف ، والكتب واللوحات الفنية، والأرشيف الثقافي العراقي الزاخر من أدب وفن وموسيقى، تطور عبر أجيال لينضج ويصبح تراثا عالميا، يفتخر به العراقي أينما ذهب.
رغم كل القهر وتحدي الصعاب وشظف العيش إلا إن الطبقة المثقفة في العراق حافظت على مستوى معين من الوعي والتواصل وحتى هاجر الكثير منهم الى خارج الوطن، لكن بقيت أرواحهم مشاعرهم معلقة على جسور وشواطئ بغداد، والتي ما أن وطئتها بساطيل المحتل حتى أجهش الكثير منهم بالبكاء. كانوا في بغداد أفندية بلباس نظيف ووجوه تلمع من النظافة، واعتنائهم بأنفسهم كأنهم في عرس.
أما اليوم فماذا نجد من بغداد ومن تسيد فيها على الشوارع المظلمة أناس وجههم اظلم من عتمة ليل بغداد. لقد غاب وجه بغداد الحضاري وحل وحلت السروايل السود وكأنها غربان جائعة، تحرق كل شي حضاري ومتطور في طريقها، لم يعرف قادتهم كيف يديرون مؤسسة للدولة، غير سرقة خزائنها، وقتل مثقفيها وحتى رياضيها هؤلاء الناس الذين يملكون روحا متسامحة- حتى أصبحت مثلا شائع- تقبلها بروح رياضية. قتلوا الأطباء والفانيين ودمروا نظام التعليم، وزرعوا وجوه سوداء من نساء ورجال حتى تحول وجه العراقي الناصع الأبيض الى وجه كث متعفن تفوح منه رائحة الدم والعرق، هؤلاء الهمج دمروا كل شي بني منذ عهود غيروا القوانين وصاغوا قوانينهم الخاصة، لم يستطيعوا إصلاح ولو معمل واحد أو يبنوا منشأة واحدة تدل على العلم والتطور، بل قضوا عليها جميعا بهمجيتهم المدفوعة الثمن والتحريض من عمائم الغربان وقبعات المحتل.
يجاهد العراقيون المثقفون في خارج الوطن من اجل شرح ما يجري في بغداد التي هي في الصورة، ونحاول أن نقول للعالم اجمع، إن هذه ليست صورة العراقيين التي أظهرها الإعلام على غير حقيقتها، هؤلاء أناس طارئون أتوا مع المحتل وأسسوا فرق الضلام الأعمى، التي تريد الانتقام من كل أفندي.
واع- تقرير- كهلان القيسي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
هل معركة بغداد القادمة تهدف الى إبادة طبقة المتعلمين وجعلها مدينة يسرح فيها الجهلة والرعاع ؟
