علّق الكاتب الأمريكي بوب هربرت على وفاة الرئيس الأمريكي جيرالد فورد والمغني الأمريكي الأسود جيمس براون الذي حثّ أبناء جلدته أن يرددوا بصوت عال «أنا أسود، وأنا فخور بذلك» بالقول: «إننا لم نتعلم من التاريخ أبداً... فقد كان بوسعنا أن نتراجع عن الحرب في العراق.. وأن نتعلّم شيئاً عندما كان جيمس براون في قائمة أفضل المبيعات الموسيقية، وكان جيرالد فورد في البيت الأبيض، ولكن ربما نفعل ذلك في المرة المقبلة» والسبب الأساسي لعدم التعلم من التاريخ كما يجب، وعدم الاستفادة من دروس التاريخ لتجنّب تكرار الكوارث، هو ضعف الجرأة لدى البعض وتكاد تكون معدومة أحياناً عندما يكونون في موقع اتخاذ القرار.
فقد هالني أن ينتظر رئيس أمريكي إلى ما بعد وفاته للسماح بنشر مقابلة معه يعبّر فيها عن رأيه الحقيقي بأنّ «حرب العراق غير مبرّرة، وأنّ تشيني ورامسفيلد ارتكبا خطأً فادحاً»، وعن ندمه على إقصاء نائب الرئيس نيلسون روكفلر وشطب اسمه من البطاقة الانتخابية التي تضمّ اسمي الرئيس ونائبه، حيث قال إنه ندم على موقفه، «وكان موقفاً جباناً من جانبي».
وبعد تحرير سايغون عام 1975، واندحار الجيش الأمريكي مهزوماً من فييتنام، ظلّ الرئيس فورد يُنعت بأنّه «الرئيس الأمريكي الوحيد الذي خسر حرباً». ومعايير الربح والخسارة ومعايير القيادة تختلف من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن منظور إلى آخر، ولكنّ حقيقة الأمر هي أنّ عوامل تبدو بسيطة وغير ذات قيمة قد تلعب أحياناً دوراً مهماً في التحرّك مع أو ضدّ أخطر الخيارات وأصعب القرارات. ولذلك ينتظر قادة ومؤرّخون ومفكرون الزمن كي يُفصحوا عمّا اعترضوا عليه وعمّا كان يجب أن يفعلوه؟ وتبدو أزمة القيادة بصفتيها الأساسيتين: الشجاعة والصدق، هي الأزمة الأساس التي تدخل العالم، وخاصّة منطقة الشرق الأوسع الممتد من أفغانستان إلى المغرب والصومال، في دوّامة قد تتجلّى أبعادها الخطيرة في الأعوام أو حتى الحقب القادمة. ويبدو أن الجميع في الغرب، وفي كلّ ما يكتب من أبحاث ودراسات ومقالات اليوم، يحاول معالجة الخطأ الذي ارتكبته إدارة بوش في شنّ الحرب على العراق وكيفية الخروج من هذا المأزق بهدف ضمان المصالح القومية الأمريكية، وضمان عدم وصول آثار الهجرة والحروب والدمار إلى أوروبا والولايات المتحدة كي لا تنغّص أحداث هذا الشرق الأوسع عليهم جميعاً حياتهم المنتعشة بمظاهر الازدهار واحتفالات البحبوحة. وحتى مع أحسن النوايا وأنبل الأهداف، فإنّ الاعتبارات الأساسية للجميع طبعاً هي حياة الأمريكيين ومصالحهم وازدهار اقتصادهم. وآخر من كتب عن دور الولايات المتحدة في هذا الشرق الأوسع هو مايك تيريز، الذي عُرف بكتاباته التي تعتبر حرب الولايات المتحدة على العراق كارثة، حيث نشر في مجلة النيوزويك بأنّ «الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تجنب لعب دور عسكري في صراع أوسع في منطقة الشرق الأوسط»، والكلمة الجوهرية هي «أوسع»، وكم واسعاً وعميقاً ومتشعباً سيكون هذا الصراع.
لقد كشف الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية أنّ الولايات المتحدة «تعلن عن أهدافها وتكلّف المفكرين والباحثين بوضع السيناريوهات، ولا تنكر تبنّيها للبعض الذين تستخدمهم لتنفيذ مخططاتها». وإلى حدّ الآن فالأمر مفهوم، قوّة عسكرية أمريكية تبحث عن موارد نفطية وأسواق ضرورية لاقتصادها وازدهار شعبها، وسياسة أمريكية مُعلنة لدعم إسرائيل الطامحة أن تكون قوة عظمى، وخارطة هذا الطريق هي تفتيت البلدان العربية والسيطرة على ثرواتهم المادية والفكرية والروحية، وإحاطتها ببلدان كبيرة وقوية قادرة على التدخّل وقمع طموح العرب بالنهوض والوحدة. وبذلك فإنّ التكامل العربي في أيّ مجال يصبح خطراً استراتيجياً على طموح إسرائيل بالتوسع، وعلى الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة، وبذلك فإنّ المستهدفين هم العرب جميعاً، القوميون وجلادو الذات المتبرّئون من قوميتهم على حدّ سواء، وأنّ هذا العقد قد يوجّه تاريخهم إلى نهاية مأساوية لا تُحمد عقباها إذا ما استمرّوا على هذا النهج في التفكك السياسي والمناحرة القطرية واللامبالاة تجاه ما يجري للأشقاء.
لكم حزّ في نفسي أن ينتهي عام 2006 في وقت تعاني فيه مئات الآلاف من أمهات وأطفال العرب أسوأ أيام حياتهنّ، وليصبح عدد اللاجئين العرب على أرضهم وفي ديارهم وخارجها رقماً قياسياً لم يصل إليه في تاريخهم الحديث، وليستحكم الاحتلال الأجنبي بعدّة بلدان منهم، آخرها الصومال، مع وضوح الخطط المُعدّة للآخرين. وبينما نرى كيف يتضامن الغربيون مع بلغاريا، فتصدر النداءات من كلّ حدب وصوب لحماية الممرضات البلغاريات المتّهمات بقتل مئات الأطفال الليبيين بالإيدز، نرى الصمت الرسمي الذي يلفّ نكبة الطفولة العربية في فلسطين والعراق وغيرهما، ونرى اللامبالاة المذلّة تجاه حالة أحد عشر ألف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وحالة عشرات الآلاف غيرهم في سجون الاحتلال الأمريكي، بينما اكتفى الجيش الأثيوبي بقتل الآلاف وهو في طريقه لاحتلال عاصمة دولة عضو في الجامعة العربية. وفي الوقت الذي تتمّ فيه لقاءات هنا وأخرى هناك، مع حرارة مصطنعة ومتكلفة، تصدر في اليوم التالي قرارات بناء وحدات استيطانية جديدة ومشاريع لنقل فلسطينيي غزّة إلى غور الأردن. ولن أقول المزيد عن انهزام الشهامة العربية أمام تدمير القرى، وتهديم المنازل، وقصف المدن، وإحراق المكتبات، وتدمير الكنائس، وتدنيس المساجد، ونهب الأماكن الأثرية والمتاحف، وتزوير حتى أسماء الخضرة والمأكولات وسحبها من القاموس العربي لتوضع في قاموس من يحتلّ الأرض ويعمل على احتلال الأوطان والضمائر والذاكرة الواحد بعد الآخر. وكما قال الشاعر الأردني جريس سماوي، فإنّ تراث هذه المنطقة القديم والحديث قد شكّل «أرواحنا وعقولنا وقلوبنا نحن أبناء الحضارة العربية».
بهذا المفهوم تحاول الموجة الاستعمارية الجديدة إلغاء هذا الانتماء وإدخال الاستعمار من جديد بديلاً عن هذا الإرث الحضاري، وأداة لتمزيق الممزق وفرض الهيمنة الأجنبية على العرب. ويتناغم مع هذا الجهد من يعتقد بالحلول الدولية بعد أن شهدنا أنّ الدولي مصمّم ضدّ حقوق العرب في أيّ بلد من بلدانهم ولم تعد هناك قوى لمجلس الأمن إلا حين يتعلّق الأمر بإخضاع العرب، بحيث يستخدم بعضهم أدوات ضدّ البعض الآخر.
يكاد المسرح العربي يقارب مسرح اللامعقول، إذ يُظهر كيف يقود المرء نفسه وأهله إلى حتفه وحتفهم جميعاً، ويُظهر كيف أنّ العرب لم يتحرروا فعلاً من الاستعمار القديم، ولم يُؤسسوا لاستقلال حقيقي يجمع كلمتهم ويحقّق التكامل بينهم والذي هو السبيل الوحيد لعزّتهم ومنعتهم ومكانتهم، الإقليمية والدولية. لا شكّ أن العروبة حضارة وثقافة وانتماء، والصراع اليوم، حتّى وإن كانت قوى عظمى تقوده، فهو في حقيقته بين المؤمنين بعروبتهم وهويتهم ودينهم، وبين الذين تخلّوا عن إيمانهم خوفاً من الشّبهة وتكسّباً على أبواب اللئام. وقد يطول أمد هذا الصراع، ولكنّ حسم هذا الأمر لصالح العرب يعتمد عليهم وحدهم. فمراكز الأبحاث والسياسات الغربية تعمل على كيفية تمزيقهم، واحتلال أرضهم، ونهب ثرواتهم، فمن يعمل بالمقابل من العرب لإحباط هذه السياسات؟ لم يشعر أطفال فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان هذا العام ولا أمهاتهم، ولم يشعر سجناء الرأي العرب بقوّة الشكيمة العربية، بل وصلت إليهم جميعاً رياح الفرقة والتشرذم والاستسلام للآخر. فهل الأزمة أزمة قيادات؟ أم أزمة رُؤى؟ أم أزمة انتماء؟ وما بال الجميع لا يتعلم من تاريخنا العربي حين وحّدتنا الرسالة المحمّدية، وحين فرقتنا دول الطوائف، وما بال الجميع لا يتعلم من الغير أن الاختلاف يكون فقط على مدى خدمة المصالح القومية، وليس على الوقوف مع الأعداء ضدّ الشقيق! متى نتعلم من تاريخنا كي نحقّق حريتنا، ونحافظ على الاستقلال الحقيقي لبلداننا، ونبني أوطاننا كما يليق بها أن تُبنى؟ لقد برهنت قوى الاستعمار مرةً تلوَ الأخرى أنها تستخدم من تستطيع لخدمة أهدافها ومصالحها، ولا تأبه بمصير من يتعاون معها بعد ذلك، فهل حان الوقت أن يتعلم البعض وضع المصير العام قبل الخاص لأن التاريخ أثبت أن مصير العرب واحد، فهم البعض ذلك أم أساؤوا فهمه.
- الشرق الاوسط
المقالات لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
التاريخ والحاضر: ما بال الجميع لا يتعلمون ؟-د. بثينة شعبان
