منذ أن كلف الرئيس الأمريكي جورج بوش وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر وزميله السناتور لي هاملتون برئاسة لجنة مؤلفة من أعضاء الحزبين لدراسة ما آلت إليه الأوضاع في العراق، وتقديم التوصيات التي تراها ضرورية لمصالح وامن الولايات المتحدة، والرئيس بوش على إدراك تام أن توصيات هذه اللجنة ستكون قاسية وكاشفة لكثير من ألاعيب التضليل التي مارستها الإدارة الأمريكية لخداع الرأي العام الأمريكي.
وبعد أن كشفت اللجنة عن تقديراتها وتصوراتها والتي أخذت منها أحد عشر شهراً من البحث والوجود في مركز الأحداث مع إجراء آلاف اللقاءات مع مختلف أصحاب الشأن، جاء التقرير وكأنه صفعة في وجه الرئيس بوش وأركان حكمه ممن دأبوا على الزعيق الدائم بتحقيق “الانتصار” الذي توهموا تحقيقه، فقد أكد التقرير غياب الخيار الاستراتيجي أمام الولايات المتحدة بسبب الأخطاء المتعاقبة في إدارة الأزمة في العراق.
ولا بد من التأكيد أن تقرير بيكر هاملتون غير معني إلا بمصالح وأمن الولايات المتحدة، أما شؤون ومتاعب الآخرين كما وردت في التقرير فهي لا تزيد على رفقة طريق ليس إلا، فالتقرير توجه بالإخلاص نحو البحث عن مخرج للأزمة التي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيها بعد أن تورطت في شن الحرب على العراق بسبب أن هذه الأزمة كان لها انعكاسات عميقة في الشأن الدولي وغير قاصرة على الساحة العراقية، وهذا ما يخيف الأمريكان مسؤولين أو غير مسؤولين لارتباط ذلك بأمن ومصالح الدولة العظمى إضافة إلى هيبتها التي تمرغت بالوحل إزاء ما تواجهه على المسرح العراقي.
لذلك فقد أدركت لجنة بيكر هاملتون أن أسوأ المخارج للحل والمتمثل بالخروج من العراق لم يعد أمراً سهلاً أو هيناً رغم رغبة الولايات المتحدة بذلك، لان تكاليفه لا يمكن تخيلها حيث تنطوي عواقب عراق غير مستقر وفوضوي ويقع في قلب منطقة حرجة من العالم على نتائج مأساوية، هذا غير أن رصيد مستقبل العالم من ثروة النفط يقع فيه وما حوله مما يهدد كامل روح العصر التي تقود بها الولايات المتحدة العالم من حولها وهو أمر يتعلق لا بالنفوذ والهيمنة وحدهما بل بالحياة ذاتها.
إن تقرير بيكر هاملتون يهتم بهموم الولايات المتحدة وخطها السياسي وبما يديم نمو وتقدم وثبات التوجه الأمريكي في قيادة العالم، رغم كل الشكوك المثارة حول هذا الأمر. كما انه لايهتم أو يتوجه لحلحلة مشاكل الآخرين على حساب مصالح وأمن الولايات المتحدة، وهذا ما كان على كل من تحالف مع الأمريكان أن يفهموه. ولذلك فإن رفض بعض الأوساط الرسمية العراقية بعض ما ورد في هذا التقرير وما جاء فيه من توصيات أشبه بمن أفاق من حلم ليلة صيف وكأنه أدرك للتو أن ليس هناك من مقدس في السياسة الأمريكية، فالنكوص والاستدارة الكاملة على كل شيء في السياسة والمزاج الأمريكي يأتي أحياناً بما يمكن أن نسميه باللامعقول، وما نماذج الشاه وماركوس وغيرهما ببعيدة.
لذلك يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة صادقة في وعودها خاصة في تطوير الوضع الديمقراطي في المنطقة، لذلك فمن يعوّل عليها في تحسين الأوضاع إلى الأفضل يتجاهلون وبغباء التاريخ الأمريكي الغني بالأمثلة الكثيرة من التخلي عن الحلفاء والأصدقاء ناهيك عن رفاق الطريق الذين ترتبط معهم أمريكا بزواج متعة عابر.
فمن دون الإخلاص للوطن والشعب ومن دون أن يكون الخيار الوطني هو المعيار في العمل فإن أمريكا لن تحمي أحداً ومن يعاند عليه أن يجرب.
* كاتب وأكاديمي عراقي
المقالات المختارة تعبر عن راي كاتبيها فقط
توصيات بيكر - هاملتون والرهانات- د. حميد السعدون
