إقرار الرئيس الأميركي جورج بوش للمرة الأولى بأن الولايات المتحدة لا تكسب الحرب في العراق ، يجيء بعد تقرير بيكر - هاملتون الذي أكد أن الوضع في العراق سيّىء جداً ، وأنه مرشح للازدياد سوءاً إذا استمرت السياسات الأميركية الحالية على ما هي عليه ، وأن الخروج من المأزق يتطلب حتماً تغييراً جذرياً في السياسات المتبعة.
من هنا ، فقد كان من الصعب على الرئيس بوش أن يتحدى هذه الاستنتاجات ، أو التشكيك في صحتها ومصداقيتها ، وبخاصة أن هذا التقرير اعتمد على دراسات أكاديمية ذات دوافع أميركية تهدف إلى بناء توافق دولي للخروج بالعراق من ورطته الحالية بعد أكثر من ثلاث سنوات على بداية حرب غير مبررة ، مع عدم وجود أسلحة دمار شامل ، أو علاقة للعراق مع القاعدة ، وبعد أن وصلت خسائر هذه الحرب إلى ما لا يمكن احتماله: إذ بلغت نفقاتها حتى الآن 400 بليون دولار ، بينما الخسائر حسب الإحصاءات الأميركية الرسمية في عدد القتلى الأميركيين تزيد عن ألفي جندي ، وأن إجمالي الجرحى يبلغ واحداً وعشرين ألفاً مع ارتفاع نسبة المعاقين والمصابين بجوح خطيرة.
لذلك ، لم يكن غريباً أن يأتي رد فعل الرئيس الأميركي على التوصيات المقترحة إقراراً منه بعدم كسب الحرب ، وبأن عام 2006 كان عاماً صعباً للقوات الأميركية ، يعيد إلى الأذهان حرب فيتنام ، وأن الوضع يتطلب خيارات صعبة ، وتضحيات إضافية.
ولكن ، وبقدر ما كان إقراره هذا مبنياً على الواقع الذي اعتمده تقرير بيكر - هاملتون ، إلا أنه وهو يختار المزيد من القوات للمساعدة في قمع العنف من أجل ما يدعي أنه انتصار فكر الحرية على فكر الكراهية ، فهو من نوع صب الزيت على النار ، وما يتصف بالمكابرة وعدم الاعتراف بالأمر الواقع ، بدلاً من التمتع بالقدر الكافي من المرونة والبراغماتية تقوم على بناء توافق دولي جديد ، وتشكيل آلية دولية جديدة لدعم العراق ، والخروج به من مأزقه الحالي ، وهو ما يتطلب تحديد برنامج للانسحاب من العراق ، لإقناع العالم بأن الولايات المتحدة ليست طامعة في نفط العراق ، وليس في نيتها إقامة قواعد عسكرية دائمة ضد رغبة الشعب العراقي ، وهو ما يعتبر شرطاً لا بد منه للاقتناع بحسن النوايا الأميركية ، بدلاً من النظرة الأحادية حيث كانت إدارة بوش بإديولوجية المحافظين الجدد ترى منطقة الشرق الأوسط خاضعة لحماية المصالح الأميركية ، وأن القوة العسكرية هي السبيل لتغيير الأوضاع بما يفق مع المصالح الأميركية ، وفي إطار هذه السياسة ، فقد كانت الدول مصنفة إلى أعداء وأصدقاء ، فمن ليس معنا فهو ضدنا ، وبينما يلقى الأولون الضغوط بأنواعها المختلفة حتى تصل إلى الاكتساح العسكري ، فإن الآخرين لهم الدعم والمعونات.
كان الأجدر بالرئيس بوش بعد إقراره بالخسارة في العراق وعدم كسب الحرب الاستباقية التي بدأها ، أن يقدم الحل أو البدائل للخروج من المأزق ، ولكنه يصر على الاستقرار بارتكاب الأخطاء ، وعدم الإنصات إلى نصائح الآخرين سواء في المنطقة أم خارجها ، أم من القادة العسكريين ، أم من التقرير الذي أعدته لجنة بيكر هاملتون ، وهذا مدعاة للقلق إزاء نوايا بوش لمستقبل العراق ، فالأشهر الأخيرة أثبتت أن كل مشاكل العراق سببها الاحتلال وأن أي حل أو بديل لا يأخذ في الحسبان تحديد جدول زمني لإنهاء هذا الاحتلال هو من قبيل زيادة جراح العراقيين وإطالة أمد معاناتهم.
الدستور الاردنية
المقالات لا تعبر الاعن راي كاتبيها
انهاء الاحتلال هو الحل-د. مصطفى محمد الفار
