جملة من ردود الفعل السياسية حول ما يجرى فى العراق الآن تتراوح بين رفض فكرة المؤتمر الدولى بخصوص العراق والتى طرحها الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان من قبل إيران أولا ورئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق عبد العزيز الحكيم بعد ذلك مباشرة، والرئيس جلال طالبانى فى نهاية المطاف، إضافة إلى ما ورد فى مذكرة مستشار شؤون الأمن القومى الأمريكى \"ستيفن هادلي\" التى شكك فيها فى قدرة المالكى على السيطرة على العنف الطائفى المستشرى فى العراق إلى الحد الذى اعتبر فيه أن الحقائق فى شوارع بغداد تشير إلى أن رئيس الحكومة إما يجهل ما يدور أو أنه يسيء تجسيد نواياه أو أن قدراته ليست كافية بعد لتحويل نواياه إلى أفعال.
وكذلك ما جاء فى تعليق المالكى على ما ورد فى مقالة مستشار الأمن القومى السعودى نواف عبيد فى صحيفة "واشنطن بوست" مؤخرا والتى قال فيها بكل وضوح أن القيادة السعودية تستعد لمراجعة سياستها بشأن العراق للتعامل مع تداعيات انسحاب أمريكى محتمل، كما أنها "وهذا هو الأهم"، تدرس خيارات محددة تتضمن إغراق سوق النفط لإحداث خفض هائل فى الأسعار، ومن ثم الحد من قدرة إيران على تمويل المليشيات "الشيعية" فى العراق..
كل هذه الأمور تتناغم فى تقديرى مع ما كتبه الأستاذ أنتونى كوردسمان الخبير الاستراتيجى فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن فى تحليل حول التحضير للانتخابات فى العراق "االجانب الآخر من الحكاية" حين اعتبر أن أحدا من القادة الحاليين والمحتملين فى العملية السياسية لا يملك حقيقة خبرة سياسية ولا أحد منهم مارس أبدا الحكم أو أدار هيئة سياسية كبيرة، لا أحد يعرف أين سيكونون غدا، أو من سيبرز كزعيم أو ماذا ستكون الإحتمالات الممكنة للإخفاق السياسي، ليس ثمة أساس تاريخى لثقة عامة، والأشهر الماضية لم تكن مطمئنة إلا فى غياب عنف سافر بين الجماعات "عام 2004".
وكان وزير الخارجية العراقى هوشيارزيبارى قد اعتبر أن فكرة المؤتمر الدولى إذا كانت ستعيد العملية السياسية فى العراق إلى درجة الصفر فهى مرفوضة جملة وتفصيلا.
ولسائل أن يسأل أين هى هذه العملية السياسية التى يتحدث عنها وهل هى موجودة أصلا فى الوقت الحاضر، أم أن التوصيف الموضوعى لواقع العراق اليوم هو ما أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان الذى اعتبر أن الأمور فى عهد الرئيس صدام حسين كانت أفضل مما يجرى فى العراق فى الوقت الحاضر، وأن البلد يشهد حربا أهلية طاحنة؟
على كل، الطريقة التى تم بها رفض فكرة المؤتمر الدولى والأطراف التى ردت على مقترح الأمين العام للأمم المتحدة، والتبريرات السياسية التى استعملت لرفض فكرة المؤتمر الدولى والتى سبق أن طرحتها أكثر من دولة فى العالم، تبين بكل وضوح أن خيوط اللعبة السياسية أو الطائفية "سمها ما شئت" هى فى يد ايران بدليل أن الرفض تم أولا من قبلها ثم انتقل الدور إلى رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية عبد العزيز الحكيم، وأخيرا علق الرئيس جلال طالبانى حول الموضوع ورفضه وهذا بالطبع يشكل أكبر مفارقة فى تاريخ السياسة الدولية، اذ كيف يتم رفض مقترح يخص العراق فى المقام الأول من قبل دولة جارة وقبل العراق المعنى بالأمر فى المقام الأول، ثم كيف يتدخل رئيس منظمة سياسية فى اختصاصات رئيس الدولة، اذ كان من المفروض لو كانت الأمور والسياسات ترسم فعلا داخل العراق أن تأخذ السلطة التنفيذية سواء كان ذلك عبر رئيس الدولة أو ورئيس الحكومة بزمام الأمور ويعبّروا عن الأشياء أو المواضيع المطروحة طارحين وجهات نظرهم ومواقفهم التى يعتبرونها تخدم المصلحة القومية لبلدهم إزاء مسألة ما مطروحة على الساحة الدولية وتخص بلادهم وأن تكون هذه المواقف أصيلة ومسؤولة ومتناغمة مع ما يراه عموم الشعب العراقى بمختلف مكوناته واتجاهاته السياسية، لا أن تكون مواقفهم مجرد "رجع صدى" وتخدم فى المقام الأول مصلحة إيرانية متناقضة تماما مع مصالح العراق وانتمائه العربي، فما هى هذه المصلحة الايرانية؟ وهل تتعارض فعلا مع فكرة المؤتمر الدولى المطروحة؟
إن من يتأمل جيدا طبيعة العلاقات الأمريكية الايرانية يرى أنه كلما تأزمت الأمور فى وجه الولايات المتحدة فيما يتعلق بأى موضوع يخص منطقة الشرق الأوسط أو الخليج إلا وتجد ظالتها فى ايران، وهى تعرف جيدا طبيعة المطالب الايرانية وكيف تدار الصفقات معها بدءا من صفقة "ايران غيت" وموضوعها تزويد ايران بصواريخ أمريكية مضادة للدروع سلمت لها عبر اسرائيل منذ العام 1985 فى مرحلة حاسمة من حربها مع العراق لتعديل كفّة موازين القوى فى منطقة الخليج ضمن الرؤية الاستراتيجية الكلاسيكية للولايات المتحدة والقائمة على مبدإ التوازن الإقليمى فى المنطقة والذى طورته فيما بعد إلى سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، ولكن الصفقة الأبرز والتى فضحها لأمين العام المساعد للأمم المتحدة فى عهد ديكويلار، جياندو مينيكوبيكو" ضمن مذكراته التى صدرت فى كتاب سنة 1999 والتى استعرض فيها تفاصيل المحادثات السرية الطويلة والمضنية التى أجراها خلال الفترة "1988-1991" مع الجانب الإيرانى والتى تتلخص فى تدخل إيرانى لإطلاق سراح رهائن أمريكان وغربيين فى لبنان لعل أشهرهم هو موفد الكنيسة الانجليكانية، "تيرى ويت" مقابل صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة ديكويلار يتعلق بالفقرة السادسة من القرار 598 الذى بموجبه تم وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، ومضمونه يخص المسؤولية القانونية عن اندلاع الحرب وعن استمرارها، ففى الصفحة 181 من كتاب السيد بيكو، يتحدث عن لقاء ديكويلار- رفسنجانى فى طهران يوم 11/09/1991 حيث بدأ رفسنجانى الحديث عن الفقرة السادسة وأهميتها وسأل عن موعد صدور التقرير فى شأنها، فأجابه ديكويلار انه يأمل إصداره فى نهاية أكتوبر "تشرين الأول" وأجاب رفسنجانى إن تقرير الفقرة السادسة مهم جدا لإيران وان ايران كانت تربط أزمة الرهائن بالافراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة فى الولايات المتحدة، أما الآن فإنها أزالت هذا الربط وتركز على الفقرة السادسة.
وبعد لقاء ديكويلار- رفسنجانى التقى بيكو المفاوضين الايرانيين من جديد الذين أمطروه بالأسئلة محاولين معرفة طبيعة وموعد صدور تقرير الفقرة السادسة، ويضيف الأمين العام المساعد للأمم المتحدة جياندو مينيكو بيكو: "كان التقرير وسيلة الضغط الوحيدة لدينا على الايرانيين لذلك لم أقبل أن أقترح على الأمين العام أن يطلق التقرير قبل إطلاق آخر رهينة أمريكى {الصفحة 184 من كتاب بيكو المشار إليه}، وفعلا أطلق جميع الرهائن الأمريكان ثم صدر التقرير، أى رسالة الأمين العام إلى مجلس الأمن بموجب الفقرة السادسة من القرار 598 بتاريخ 09/12/1991" ويقول بيكو: "بعد اطلاق جميع الرهائن الأمريكان استقبلنا الرئيس بوش "الأب" أنا وديكويلار فى البيت الأبيض وقلّدنا أوسمة، وكان خمس من الرهائن الأمريكان المحررين حاضرين فى الحفل وكان هذا اليوم تاريخيا لسبب آخر وهو نشر رسالة الأمين العام إلى مجلس الأمن حول الفقرة السادسة الخاصة بالمسؤولية عن الحرب بين العراق وإيران، ولقد تطّلب الأمر منا شجاعة واصرارا، فصحيح أن هنالك قليل من الشك حول مسؤولية العراق عن الحرب ولكن من الممكن أن يثار موضوع أن التقرير كان ثمرة صفقة سهّلت فيها إيران عملية إطلاق الرهائن مقابل وثيقة تصف العراق بالمعتدى "صفحة 267 من الكتاب".
على كل الكتاب مليئ بالحقائق حول فضيحة صفقة إطلاق الرهائن مقابل صدور تقرير الفقرة السادسة، والخروقات القانونية الكثيرة التى رافقت عملية إصدار مثل هذا التقرير الذى كان تجسيدا مثاليا لسياسة قلب الحقائق وجعل الباطل حقا، وبالإمكان الرجوع إلى الدراسة الوافية حول هذا الكتاب الهام والتى أنجزها الباحث عبد الواحد الجصانى فى دراسته حول التعويضات فى الحرب العراقية الايرانية والتى نشرتها مجلة المستقبل العربى ضمن عددها لشهر نوفمبر "تشرين الثاني" 2006 والأدهى والأمر أن ايران استعملت هذا التقرير الذى أدانه الأمين العام المساعد بيكو ذاته ضمن ملف سلمته إيران إلى المحكمة العراقية العليا التى تحاكم الرئيس الأسير صدام حسين رفقة معاونيه بهدف تجريمهم وتحميل العراق مسؤولية إندلاع الحرب، ومن خلال ذلك تسعى ايران لمطالبته بتعويضات كبيرة أو الاستيلاء على حقول نفطية فى جنوب العراق متكئة على ما جاء فى رسالة دوكويلار ومنها هذه الفقرة التى تقول: "إن الهجوم على ايران يوم 22/09/1980 لا يمكن تبريره فى إطار ميثاق الأمم المتحدة أو أية قواعد أو مبادئ معترف بها فى القانون الدولى أو أية مبادئ أخلاقية، وهو ينطوى على المسؤولية عن الصراع "وثيقة الأمم المتحدة s/23273" فى حين أن العراق يقول أن الأعمال العدائية الإيرانية ذات الطابع الحربى تجاه العراق بدأت يوم 04/09/1980 ويدعم كلامه ذلك بالدليل الواقعى والمادى المتمثل فى أسره للطيّار الإيرانى "لشكزي" الذى أسقطت طائرته العسكرية ضمن غارات واسعة النطاق على العراق قبل يوم 22/09/1980..
ولكن ما يجرى الآن من ترتيبات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى وسط غبار كثيف متناثر مبعثه الخلاف حول البرنامج النووى الايراني، يبدو أنه لمجر التعمية والتمويه لإخفاء أسرار وتفاصيل "صفقة القرن" لاقتسام النفوذ فى العراق فى اطار "شراكة احتلال" وسيطرة على مقدرات هذا البلد العربى المهم، وهو ما يذهب إليه الأستاذ فتحى العفيفى متخصص فى العلاقات الخليجية الدولية بجامعة الزقازيق بالقاهرة فى دراسته المهمة حول الاستقطاب الاقليمى والتحولات الجيو-استراتيجية، الخليج العربى فى العام 2006، معتبرا أن الولايات المتحدة وصلت مع بداية العام 2006 إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن ترك العراق بعد كل ما بذل فيه من جهد "إمبريالي" وإلا فستبدو الدولة العظمى أن مشروعاتها الاستراتيجية لا تنتهى إلى نتائج محسومة، كما أنه من الصعب البقاء فيه استنادا إلى الميديولوجيا "أغنية لكل مستمع" التى لم تعد تقنع أحدا وهي: "تخليص العراق من الديكتاتورية" وكان الحل الأمثل هو الإبقاء على مجموعات طوائفية تحكم العراق لضمان أمرين:
1- عدم الاستقرار وإبقاء المشهد الخلافى الداخلى فى العراق وتجميده لعقود طويلة.
2- حاجة هذا الخلاف المزمن إلى قوة دولية عظمى راعية له ومتحكمة فى ضبط ايقاع حركته، ومن ثم فان الانسحاب الشكلى لبعض القوى الأمريكية والبريطانية من الأعمال الميدانية التى تغذى المقاومة باطراد، والابقاء على قواعد عسكرية معزولة عن واقع المواطنين العراقيين سوف يظل الحل الأمثل لمقولة عراق نصف محتل "وهى تقريبا نفس الأطروحة التى قبلت بها لجنة بيكر- لى هاملتون وستقترح تفاصيلها على الرئيس بوش يوم السادس من شهر ديسمبر الحالي.." لينشغل العراقيون بالمعركة الأصعب والجهاد الأكبر لتغيير ما أفرزته سلطات الاحتلال المتعاقبة من دستور مفخخ بالحرب الأهلية إلى واقع يكرّس الإنفصال أكثر مما يؤسس للمواطنة، إلى مشكلة الثروات وتوزيعها بشكل عادل لا يثير الأحقاد إلى غير ذلك من الموضوعات المعقدة التى تحتاج إلى دورة تاريخية كاملة تقدر بربع قرن على الأقل لتجاوز سلبياتها.." ويبدو أن ايران هى المستفيدة الأبرز من أزمة الاحتلال الأمريكى للعراق والذى لم يعد يقدر لوحده أن يضبط ويتحكم فى هذا البلد المحتل دون مساعدة إقليمية تخفف عليه كثيرا من الأعباء ولذلك شرع الاحتلال الأمريكى فى إعادة هيكلة تحالفاته داخل العراق بما يخدم هذه الشراكة الأمريكية الإيرانية التى فرضتها عدة عوامل منها الأخطاء الاستراتيجية الأمريكية فى العراق واستغلال ايران بشكل لافت مثلما ذكر الأستاذ فتحى العفيفى موضوع الملف النووى لصرف الإنتباه بعيدا عن ممارساتها فى العراق والحصول على المزيد من المزايا الاستراتيجية والاقتصادية فى مفاوضاتها مع الترويكا الأوروبية وروسيا والصين، بمعنى أن ايران قد نجحت عمليا فى درء تهمة "محور الشر" عن نفسها من دون أن تجد نفسها مضطرة للدفاع عن ذلك كما اعترفت الولايات المتحدة عنوة بالنظام الذى راوغت طويلا فى اعتباره شريكا محتملا فى الترتيبات الاستراتيجية الاقليمية.
وكالات
جميع المقالات تعبر عن راي كاتبها فقط
من المستفيد من رفض فكرة المؤتمر الدولى حول العراق؟-شكرى القصورى
