هيئة علماء المسلمين في العراق

هستيريا الخروج من العراق!
هستيريا الخروج من العراق!   هستيريا الخروج من العراق!

هستيريا الخروج من العراق!

ما بين خطة عسكرية أعدها البنتاغون تدخل تعديلات على عمل القوات الأميركية مع استمرار الاحتلال من خلال تمركزها في القواعد العسكرية، وبين خطة أخرى تتقاطع مع مقترحات سبق أن قدمها وزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونا لد رامسفيلد، ، تتحدث عن السيطرة وزيادة تعداد القوات الأمريكية في العراق، وثالثة جاءت فى سياق تقرير بيكر - هاملتون، وأخرى شاملة تتحدث عن سلة مشكلات المنطقة بشكل كامل بما فى ذلك الملف النووي الإيراني والوضع بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولبنان وسوريا، وخامسة تدمج الجميع فى إطار واحد ، يؤجل الرئيس الامريكى  سيناريوهاته القادمة إلى ما بعد فترة الأعياد، مع عدم التخلي عن إغداق الوعود القادمة وهى تحمل الحلول الأمريكية النموذجية!

وسط كل هذه المبادرات والآراء، يغيب مصطلح الشرق الأوسط الكبير، حتى انه يمكن ان تشعر بأن الترحم على أيام الشرق الأوسط الماضي وقبل إقرار برامج الفوضى الحاصلة حاليا، وارد فى كل المشاريع.

ثمة عبث فى كل الأطروحات، من حيث أنها تتعاطى مع مشاكل المنطقة دون الولوج إلى الأسباب الرئيسية لها، بالرغم من الحديث عن ضرورة إيجاد حلول لها، وتصنيف بعضها بأنه أساسي كما الحال مع الصراع العربي الصهيوني.

هذا العبث، يتمثل في تجاهل الحقيقة الأساسية لما يجرى في المنطقة، تلك الحقيقة التي تؤكد من خلال ميدانيتها، ان سبب المشاكل، هى الولايات المتحدة الأمريكية، وربما أصبح ذلك واقعا تاريخيا حتى قبل ان تأتى هذه الإدارة الرعناء، لتنتهز فرصة التفرد، وتنفلت فى محاولة تطبيق سياساتها، وسط وهم السيطرة بالقوة، وفرض الهيمنة، وتحقيق المصالح، عبر شعارات لم تقنع أحدا بما فى ذلك الأمريكيين أنفسهم، وان كانت وضوح الرؤيا لهم، أتت متأخرة بعض الشئ.

وبالرغم من الضجيج الذي أثاره هذا التقرير لما احتوى من آراء تتعارض مع رؤية الإدارة ومخططاتها، وبالرغم من التفاؤل الذي بدا للحظة الأولى بعد تقديم التقرير، يلقى بظلاله على مواقف وتحليلات البعض، إلا أن ما تبع ذلك، يشير إلى أن الإدارة الأمريكية، ربما ستكون آخر من سيهتم بما قدمته اللجنة التى سميت بـ "مجموعة دراسة العراق"، من حيث أن الوقائع تشير إلى أنها ستلتف على تقرير اللجنة، دون أن تسمى ذلك فعليا.

آخر تحركات الرئيس بوش، والتي ربما أنهت مرحلة التكهنات الحالية لما بعد فترة الأعياد أنه، وبعد اختتامه مشاورات مع مجموعة من قادة جيشه الذين كان قد أوكل إليهم إعداد مراجعة حول السياسة في العراق، وصفها البعض بأنها التفاف على تقرير لجنة بيكر، خرج ليعلن أنه يعتد بهؤلاء القادة ويعوّل على رأيهم، بحماس وصف بأنه لم يظهره إزاء أي من لقاءاته السابقة، بما فى ذلك اجتماعه مع أعضاء مجموعة دراسة العراق المعروفة باسم لجنة بيكر.

ما رشح عن هذه المشاورات، لا يخرج عن طريقة إدارة الأزمة فى العراق من قبل قادة الجيوش، الذين يرون أنهم لا يستطيعون إلا ان ينصحوا رئيسهم بتغيير إستراتيجية الحرب فى العراق عبر التركيز على دعم القوات العراقية واصطياد ما يسمونهم الإرهابيين، مع تجنب الزيادة الكبيرة أو التقليص الكبير فى الجنود الأميركيين، خلال العام 2007.

لكن هنالك سببا آخر يضع الرئيس الامريكى فى موضع القوة من حيث انه على حق، هو نتاج ما دار فى الاجتماعات الأخيرة بين مسؤولين عراقيين مع الرئيس بوش، سواء ما جرى فى البيت الأبيض، أو ما تم بالوكالة عن طريق سفيره فى بغداد، أو حتى استنادا إلى التصريحات التى صدرت عن بعض المسؤولين العراقيين من بغداد، ومن بينهم الرئيس طالباني، والذين يجتمعون على ما يبدو عبر قاسم مشترك واحد، يقول ببقاء الاحتلال، اقله لموعد يجب ألا يحدد، باعتبار أنهم يعرفون دونما استثناء، ان ما يطرح من مسألة تولى الجيش العراقى الجديد لأمن العراق، هى مسألة نظرية، فالجيش الذى يتم الحديث عنه، ليس سوى مجاميع بنيت على أسس طائفية، تستخدم عبر مرجعياتها الحزبية أكثر مما تستخدم عبر الأجهزة الحكومية، وان كان الفرق ضئيلا ونسبيا، حيث ان المؤسسات الحكومية التى يفترض ان تكون المحرك لهذا الجيش، هى نفسها تخضع للمرجعيات الحزبية والطائفية، وبالتالي، فإن الجيش، لا يعدو كونه مجموعة من الميليشيات الكبرى تتفق وتختلف على عمل معين، وعلى صيغ معينة وفقا للتطورات السياسية والميدانية، ووفقا للمصالح الحزبية التى تتقاسم الحكم.

مراجعة الخطط، وليس الالتزام بما هو جديد، يبدو انه الغالب على رأى العسكريين، فالقائد الأعلى للقوات الأميركية فى العراق الجنرال جورج كايسى يراجع خطة لإعادة تحديد مهمة الجيش الاميركى هناك، وفى أولوياتها: سحب القوات الاميركية خارج المدن العراقية، وتحصّنها فى عدد من القواعد الأميركية، فيما يتم تحويل واجب القتال اليومى إلى الجيش العراقى الغارق فى القتل الطائفي، وحتى لو استمر القتل الطائفي، المهم ان نحمى جنودنا ونخفف الأعباء عنهم، مع استمرار بقائنا هناك، واذا كان هنالك من زيادة لقوات، فلتكن لصالح التدريبات!!.

أما الخطط التي يتحدث عنها قادة الجيش، فسبق ان طرحت مع وزير الدفاع الراحل دونا لد رامسفيلد، لكنه لم يتم الاتفاق عليها فى حين صاغ الوزير المستقيل خططا أخرى لم يتم الحديث عنها هى أيضا إلا بعد استقالته.

وتقضى خطط الجيش التى صاغها القائد الاميركى المتقاعد الجنرال بيتر شياريللي، بسحب نصف الألوية الاميركية من ميدان القتال إلى التدرب، بحلول ربيع العام 2007 ، وكان المتحدث العسكري الاميركى فى العراق الجنرال وليم كالدويل، قد تحدث عن هكذا أمر مؤخرا حين قال: أن هذا الأمر بدأ يحصل بالفعل فى شمالى وغربى العراق. وستركز الألوية الباقية على ملاحقة نشطاء ما يدعون انه تنظيم "القاعدة" وتعزيز الأمن على أطراف بغداد، وحماية طرق النقل الرئيسية لتأمين حرية تحرك القوات الاميركية فى العراق.

على كل حال، فإن هذه الخطط تبقى خططا نظرية، فهنالك همّ آخر يؤرق القيادة العسكرية، يتمثل فى أن القادة فى البنتاغون نبهوا من أن "أى قرار بتركيز الدعم الاميركى للأكثرية الشيعية قد يدفع بالحكومات السنية فى المنطقة إلى أخذ دور أكثر فاعلية فى دعم المتمردين السنة" بحسب ما ورد فى صحيفة الواشنطن بوست التى أضافت: لكنهم عبروا، فى المقابل، عن "قلق أيضاً من أن يؤدى توجيه ضربات صارمة للميليشيا الشيعية الكبرى فى العراق، كجيش المهدي، إلى انعكاسات على خطوات إيران إزاء العراق"، وان هؤلاء القادة "خططوا كى يطلعوا بوش على الأهمية المتزايدة فى التأهب فى حال وقوع طارئ جديد، بدلا من الضغط من أجل جدول زمنى لمغادرة العراق".

إذن، إذا كان هنالك خشية من توجيه ضربات كبرى للميليشيات الشيعية بحسب القادة العسكريين، فإنهم على ما يبدو سوف يلجأ ون إلى خيار آخر، معتمدين التحريض الطائفي، حيث يقال إن مفاوضات جمعت سفير واشنطن فى بغداد زلماى خليل زاد، ببعض الميليشيات السنية مؤخرا ، كانت تركز فى الحقيقة على كيفية دعمها لمواجهة الميليشيات الشيعية فى بغداد، وهنا تكمن الخطورة، وينكشف الهدف الأمريكي الذي ينفى بأنه خطط لحرب أهلية.

والواقع وكما يقال: "لا دخان بدون نار"، ان مثل هذه الخطط، كانت تدور فى ذهن وزير الدفاع المستقيل، والتي جاءت عبر مذكرة سرية رفعها رامسفيلد إلى الرئيس بوش، قبل يومين من الانتخابات النصفية الأميركية فى 7 تشرين الثاني الماضي، ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مؤخراً، وهى تتحدث حول الخيارات لحل قضية العراق.

المذكرة كانت تتضمن أمورا تفصيلية طويلة، لكن أهم ما جاء فيها، يتقاطع مع المخططات الطائفية ومنها تقسيم العراق.

يدعى رامسفيلد أن الوضع فى العراق فى حالة تحول، وان القوات الأميركية قد تكيفت، بمرور الوقت، من العمليات القتالية الكبيرة إلى ما يسميه مكافحة الإرهاب، والتمرد، والتعامل مع فرق الموت والعنف الطائفي، وقد حان الوقت لإجراء تعديلات كبرى.

من التعديلات المقترحة: زيادة كبيرة فى عدد المدربين الأميركيين والمرفقين بالوحدات، ونقل المزيد من المعدات الأميركية إلى قوات الأمن العراقية، لزيادة قدراتها، بإعادة تركيز مهمات قسم كبير من القوات الأميركية العاملة حالياً فى العراق،

الشروع فى برنامج معكوس للوحدات الملحقة، مثلما هو الحال مع "الكاتوساز" الكورية، بوضع واحد أو أكثر من الجنود العراقيين مع كل فصيل أميركي أو من قوات التحالف، لتطوير قدرات وحداتنا اللغوية والمدركات الثقافية ولإعطاء العراقيين فرصة لاكتساب الخبرة، تسريع عملية تخفيض القواعد الأميركية. فقد قمنا بالفعل بتخفيضها من 110 إلى 55 قاعدة. وضع خطة لخفضها إلى 10 أو 15 قاعدة بحلول نيسان 2007، وإلى 5 قواعد بحلول نهاية 2007، الاحتفاظ بقدرات تقنية عالية، الكفّ عن مكافأة السلوك السيئ، كما حدث فى الفلوجة عندما خصصت لها أموال لإعادة البناء، والشروع فى مكافأة السلوك الجيد، وضع قوات أميركية كبيرة بالقرب من الحدود الإيرانية والسورية للتقليل من عمليات التسلل، والأكثر أهمية، الحد من النفوذ الإيرانى على الحكومة العراقية.

وتضيف المذكرة: سحب القوات الأميركية من المواقع الواهنة مدن، دوريات، الخ... وتحويل القوات الأميركية إلى قوات تدخل سريع، تعمل من داخل العراق والكويت، تقديم النقود إلى القادة السياسيين والدينيين الرئيسيين "على الطريقة الأفغانية"، كى يساعدوا فى تجاوز هذه المرحلة الصعبة.

هذه الخيارات التى اقترحها الوزير المستقيل، تنتهى بخيار من نوع آخر يقول، تحريك قسم كبير من القوات الأميركية إلى بغداد لمحاولة السيطرة عليها، زيادة الألوية القتالية والقوات الاميركية فى العراق بشكل كبير، تحديد جدول زمنى ثابت للانسحاب، الإعلان بأن صدام قد ذهب، وأن العراق قد أصبح دولة ذات سيادة، الشعب العراقى قادر على حكم نفسه،الطلب من إيران وسوريا أن يبقيا بعيداً، المساعدة فى التسريع بخطة الفيدرالية، التحرك باتجاه خلق ثلاث دول منفصلة؛ سنية، شيعية، وكردية، محاولة القيام بعملية مماثلة لدايتون "اتفاق السلام البوسني".

خيارات رامسفيلد الأولى يبدو أنها مفروضة من الوقائع على الأرض، لكن الخيار الأخير، يبدو انه لا يزال يمثل خيار آخر الجمهوريون الذين لا يزالون يدعمون بوش، ويتبنون اطروحة "لا بد من الانتصار"، فقد دعا السيناتور الجمهورى جون ماكين الذى يتوقع أن يكون مرشح الجمهوريين لانتخابات العام 2008 الرئاسية، إلى زيادة كبيرة لعديد القوات للسيطرة على الأوضاع فى العراق بنسبة تتراوح بين خمسة وعشرة ألوية إضافية، أى ما يوازى زيادة بين 15 إلى 30 ألف جندي، مضيفا: ليس لدينا خيارات جيدة ونحتاج إلى إعادة السيطرة على الأوضاع المتردية حاليا.

لكن وأيا كانت الخطط القادمة لإدارة بوش، فإنها لن تفلح فيما لم تستطع ان تفعله قواته، وسط ازدياد المقاومة، وتخبط قادة الجيش الأمريكي، وزيادة عدد النعوش التى تصل إلى الولايات المتحدة، والتى تلقى بتأثيراتها على الأمريكيين الذين توسعت لديهم دائرة الرفض للحرب إلى درجة تنذر برحيل الإدارة كما حدث مع الانتخابات النصفية للكونغرس، وربما أكثر، فى الوقت الذى يقول فيه وزير الدفاع الأمريكى الجديد، لن يكون هنالك انتصارا عسكريا لامريكيا فى العراق.

زكريا شاهين
العرب أون لاين

أضف تعليق