التساؤل لا يزال قائما: هل تنحسب قوات الحملة العسكرية الامريكية من العراق?!
والجواب قد يكون: ان هناك رغبة ملحة بالفعل للهروب من المستنقع العراقي, او ان هناك مثلا حالة من اعادة الحسابات, او اعادة تقييم الموقف, او حساب اخطاء اللعبة, او قل ما شئت من هذه التعبيرات التي تقف على الحد الفاصل بين الاعتراف بالفشل, وبين الاعتراف بعدم التسليم او الاستسلام للواقع كما هو حادث على ارض العراق:
والمشاهد الحية على الارض العراقية, اشد مدعاة للانقباض والكآبة, من اي مشهد خطر على خيال اي كاتب لروايات الرعب والكوابيس المفزعة, وقد تجلت المأساة على بشاعتها, مع شلالات دم مهدور, وأكوام اشلاء آدمية ممزقة ومطحونة, وسيول حمم ملتهبة تغذيها مليشيات حرب طائفية, ونوازع شيطانية لتصفية حسابات, وهي تجرف في طريقها كيان دولة كانت يوما ما هي العراق الاكثر اعتزازا بقوتها وعروبتها, والآن راح كل شيء يتغير, وينقلب رأسا على عقب.
والمشاهد الحية على الارض العراقية, تقول ان الامبراطورية الامريكية اصبحت مرهقة, وقد استنزفتها اعباء المواجهة, او اعباء الارهاق الناشىء عن الاستنزاف, وان تكاليف الفشل كانت فادحة, وهي تكاليف يكون حسابها بالدم والاعصاب والاموال والوقت, والارقام, قبل اي شيء آخر, حكم وحيد, وقبل كل ذلك وبعده هناك حسابات »الهيبة« الامريكية, وليس اصعب على القوة الاعظم من اهتزاز مهابتها, وباعتبار ان المهابة هي رمز قوتها السياسية.
ولذلك, يصبح التساؤل وفي صيغته الصحيحة: هل يمكن ان تنسحب الولايات المتحدة الامريكية من العراق, وفقا لتوصيات او خيارات او رؤية لجنة بيكر - هاملتون?! ام ان مطالب الانسحاب تنكسر حدتها امام مطالب الامبراطورية الامريكية.
والجواب: ان تقرير »مجموعة دراسة العراق« مجرد محاولة لانقاذ الغريق من دون النزول في الماء, او مجرد محاولة لتعديل مسار الاتجاه الخطأ الذي تسير فيه الولايات المتحدة, ومن دون اغفال اوهام القوة والنصر للامبراطورية الامريكية!! والتقرير في مجمله يخلط بين النوايا الطيبة والظنون والهواجس على هامش الارادة السياسية.. والامر اكبر من النوايا الطيبة, واعقد مما تهفو اليه الظنون والهواجس, خاصة وان الغزو الامريكي للعراق يدخل في قلب الحركة والصراع على المنطقة, وفي مثل هذه القضايا, لا تتعلق الامور بالنوايا ولكن بالارادات.
واذا كانت كلمات التقرير مضللة احيانا ولا تؤدي الى المقصود منها, ولكنها كشفت عن مأزق امريكي حرج, تتصادم فيه الرغبة بالهروب من المستنقع العراقي, مع هواجس ومخاوف النتائج المترتبة على الانسحاب والتي تهدد بتقييد حركة الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة!!
وهكذا, تبقى الاجواء مشحونة بالتوتر, ومزدحمة بالشك, ومعرضة طول الوقت للمفاجآت, وان كان هناك في العالم العربي - وسط هذا كله - من يحاول التنبؤ بما سيحدث, وهناك من يترقب وينتظر النتائج, وهناك ايضا من يريح نفسه, ويكتفي بتكرار السؤال: هل تنسحب قوات الاحتلال الامريكي من العراق?! او هل تتم جدولة الخروج من الازمة والورطة? واذا كانت الخطط توضع على الامر الواقع وحده, فكيف تتعامل واشنطن مع مطالب الانسحاب من العراق, وهي تخشى عواقب الانسحاب او جدولة الانسحاب باعلان فشل حرب من اجل الامبراطورية الامريكية, حرب جرت احداثها منذ البداية في ظل ترتيبات امريكية جديدة للمنطقة.
وعموما, فإن قصة اي ازمة (ازمة الامبراطورية الامريكية في العراق) او حدث (بحجم الانسحاب الامريكي من العراق) يصعب فهمه ما لم يوضع داخل اطاره الصحيح, ولا يمكن فهم اي حدث في عزله عن المناخ الذي جرى تحته, ثم بعد ذلك يحق لنا ان نتساءل: هل تنسحب امريكا من العراق!
وصورة المناخ الذي جرى تحته الاعداد للغزو المسلح - قد رسمها الجنرال ويسلي كلارك في كتابه (كسب الحروب الحديثة: العراق, والارهاب, والامبراطورية الامريكية) والجنرال كلارك واحد من رجال المؤسسة العسكرية الامريكية وعلى صلة وثيقة بوزارة الدفاع الامريكية »البنتاجون« ونافذ الى ما وراء اسوارها, والصورة التي يرسمها الجنرال كلارك في كتابه مستندا الى معلومات من مصادرها العليمة, توضح ان السياسة الامريكية الحالية لتغيير الشرق الاوسط, والتي بدأت بالحرب ضد العراق, وتحت مسمى الحرب على الارهاب في العالم, هي سياسة كانت مجهزة من قبل ان يقع الهجوم الارهابي في الحادي عشر من ايلول .2001
والاهداف قديمة لا تخص الولايات المتحدة كدولة, لكنها تعبر عن فكر ايديولوجي لجماعة المحافظين الجدد الذين يقودون السياسة الخارجية والعسكرية في حكومة بوش, وهو الفكر الذي يتضمن اولا هيمنة امريكية على العالم تسيطر على موارد الثروة (البترول) ومواقع النفوذ جغرافيا وسياسيا, تبدأ من السيطرة الاقليمية على الشرق الاوسط من خلال حرب على دولة تكون هي الحلقة الاضعف في المنطقة ممثلة في حكم يواجه معارضة من شعبه والعالم, ويتضمن ثانيا ارتباطا تنظيميا باسرائيل والتمكين لها من هيمنة بالوكالة على المنطقة, بعد ان تكون صدمة الحرب في العراق قد اثمرت في خلق حالة من الخوف على اقل تقدير, او الانكسار النفسي والسياسي على اكثر تقدير, مما يسهل اعادة رسم خريطة المنطقة ليكون لاسرائيل فيها وضع محوري في علاقاتها المتغيرة!
ويقول الجنرال كلارك ان التخطيط للحرب على العراق كان مختلفا عما اعتاده العسكريون بالنسبة لأي حرب يدخلونها, فالخطط الرئيسية العامة لهذه كانت قد وضعت على العراق قبل عشر سنوات, ثم تم التخطيط التفصيلي لها في كانون ثاني ,2002 في واحد من سلسلة اجتماعات رأسها وزير الدفاع »السابق« رامسفيلد وحضرها الجنرال تومي فرانكس الذي تولى قيادة مسرح العمليات, وسبق ذلك بداية عملية التخطيط منذ تشرين ثاني 2001 مع توجيه سياسي جاء من اعلى المستويات في الحكومة, وبعد ان القى الرئيس بوش خطابه »حالة الاتحاد« امام الكونجرس في كانون ثاني عام ,2002 كانت السياسة الخاصة الحرب قد تحددت, واصبحنا على مسار الحرب ضد العراق, وعندما كنت البنتاجون في شهر تشرين ثاني ,2001 قال لي واحد من هيئة كبار الضباط اننا ما زلنا على الطريق نحو ضرب العراق, لكن هناك المزيد, وهو ما جرت مناقشته كجزء من خطة لحملة تنفذ على مدى خمس سنوات, وتشمل سبع دول, تبدأ بالعراق, ثم سورية, ثم لبنان, وليبيا وايران والصومال والسودان! وفي موجة الانفعال باسقاط صدام حسين كانت الاحاديث في واشنطن في نيسان 2003 تتحدث عن الامبراطورية الامريكية, والفكرة ذاتها مضللة, وان صورة القوات الامريكية باعتبارها قلب الامبراطورية الجديدة, قوة التحرير التي تجتاح الشرق الاوسط وتزيح انظمة الحكم المناصر للارهاب, وتقيم ديمقراطيات على النمط الغربي, انما هي رؤية مضمحلة.
ما هي الاحتمالات القائمة?
اغلب الظن ان الرئيس الامريكي - وهو لا يريد الاذعان لحقائق الفشل والهزيمة - يبحث عن مخرج من المأزق بالاعتماد على خيارين: الأول (من الداخل) وباعادة النظر في تصنيف رجالهم داخل السلطة العراقية الراهنة, ومحاولة تأسيس نظام حاكم اكثر تناسقا بين التيارات السياسية والمذهبية والعرقية, قائم على المصالحة الوطنية الشاملة - قدر الامكان - ومع الاحتفاظ بحقوق (الصداقة والتبعية) بأن تكون لرجالهم الكلمة الاعلى, والخيار الثاني - وبالتوازي - من الخارج, بدعم دول الجوار للمؤسسة الحاكمة الجديدة وعلى المستويين الامني والسياسي!!
ومن المفارقات التي تستحق التأمل, ان هذه التصورات والتحركات تقع خارج اهتمام المقاومة العراقية.
(وهي الحسنة الوحيدة بين السيئات على الساحة العراقية) وهي تواصل هجماتها ضد قوات الاحتلال, شديدة البأس, بعيدة النظر, تحدد لنفسها ما يناسب التعامل مع كل حدث, ومن الواضح انها تملك تصورا استراتيجيا واسعا, وتواصل عملية ترتيبه على مراحل تتفاعل مع متغيرات الظروف.
ومن هنا ولعدة شهور متصلة سوف تظل عيون امريكا واذانها مركزة على المقاومة العراقية تحاول استكشاف الغازها واسرارها, واظن ان الاشارات الصادرة تؤكد لهم ان هناك مقاومة اكثر تنظيما واكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ, وان هناك تنظيمات اخرى موازية تقاوم ايضا وبعد ان وجدت الساحة مهيأة بدوافع التصدي للاحتلال وتحرير الوطن, وهذه التنظيمات تلعب دورها وفقا لما تراه مناسبا لعقيدتها ومبرراتها, وبمعنى ان كل الوسائل مشروعة لمواجهة الاحتلال الامريكي واعوانه.
وهذه الحقائق لم تكن بعيدة عن فكر الادارة الامريكية, وفجرت هواجس القلق لدى الرئيس الامريكي »بوش« وقد اثار هذه القضية وللمرة الاولى بهذا الوضوح وهذه الصراحة, خلال لقاء مغلق عقده مع عدد من زعماء الكونغرس من اعضاء الحزب الجمهوري, وعدد آخر من كبار المقربين من اركان ادارته, وكانت كلماته تحمل تحذيرا من ان تستطيع القوى الاخرى (المقاومة العراقية) ان تعلن التعادل مع امريكا, او تضطرها الى سحب قواتا من العراق, ولو حدث هذا فإن الدور الامريكي سوف يضعف في الشرق الاوسط, بل في الساحة الدولية, وسوف تواجه المصالح الامريكية الحيوية والاستراتيجية ضررا بالغا, وستتعرض منطقة الخليج العربي والدول المجاورة لها لهزات كبيرة تهدد بقلب موازين القوى في المنطقة.
وستظل ازمة الامبراطورية الامريكية في العراق معلقة بين: رئيس امريكي يرفض الاذعان للواقع والاعتراف بالفشل والهزيمة, وبين مقاومة وطنية ترفض الاحتلال الامريكي, وترفض الاذعان لأوهام الامبراطورية الامريكية.
العرب اليوم
المقالات المختارة تعبر عن راي كاتبها فقط
ازمة الامبراطورية الامريكية في العراق!!- فتحي خطاب
