أعلن البنتاغون في تقرير سلّمه إلى الكونغرس، أمس الاول، أن مستوى العنف في العراق بلغ درجة قياسية خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة من العام ,2006 وبرغم ذلك، فإن القوات العراقية ستتسلم كامل الملف الامني خلال العام ,2007 مقابل انسحاب قوات الاحتلال خارج المدن وتقليص دورها القتالي المباشر، متهما في الوقت ذاته «جيش المهدي» التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر بأنه أصبح يشكل الخطر الاكبر في العراق.
والتقرير الذي حمل عنوان «قياس الاستقرار والامن في العراق»، هو السادس ضمن سلسلة من التقارير الفصلية حول العراق، صدر آخرها في آب الماضي. وهو «يكمّل التقارير والمعلومات الاخرى المقدمة إلى الكونغرس حول العراق»، غير أنه ليس معدّا «كمصدر واحد لجميع المعلومات» المستخدمة في وضع «الاستراتيجية المستقبلية للولايات المتحدة»، وفق ما جاء في مقدمته. وقد أعد هذا التقرير بناء على قانون مخصصات الدفاع ,2007 ويتناول أداء ومعايير التقدم السياسي، الاقتصادي والامني في العراق، و«التحديات» الموجودة هناك.
وأشار التقرير إلى مرحلة انتقالية سيشهدها العراق، مؤكداً أنه «برغم أن هدف الولايات المتحدة (في العراق) يبقى ثابتاً، إلا أن الطرق والوسائل المستخدمة لتحقيق هذا الهدف قد تغيرت، وستستمر في التغيّر للتأقلم مع مرحلة انتقالية»، مضيفاً أنه «في النهاية، يبقى نجاح هذه الجهود معلّقاً على الشعب العراقي».
أمنياً
تناول التقرير الفترة الممتدة بين 12 آب الماضي والعاشر من تشرين الثاني الماضي، مظهراً ارتفاعاً قياسياً في الهجمات التي ينفذها «المتمردون» في العراق، بنسبة 22 في المئة عن الاشهر الثلاثة السابقة، وخاصة في بغداد والأنبار اللتين حصدتا أكثر من نصف مجموع الهجمات، بنسبة 54 في المئة. وشكلت قوات الاحتلال الهدف الرئيسي لهذه الهجمات بنسبة 68 في المئة.
ورصد التقرير ما معدله 960 هجوماً في الاسبوع الواحد، وهي النسبة الاعلى منذ بدأ البنتاغون إعداد تقاريره الفصلية هذه، في العام .2005 واعتبر التقرير أن ذلك «ناجم بالدرجة الاولى عن زيادة أعمال العنف في شهر رمضان» الماضي.
وإلى جانب الصورة المظلمة التي يعكسها عن المشهد العراقي، أشار التقرير إلى عناصر «إيجابية» في عملية «التقدم» في العراق، لجهة الدور الكبير الذي أصبحت القوات العراقية تؤديه من حيث اتساع رقعة مسؤوليتها. وأوضح أن هذه القوات أصبحت جاهزة لتسلم الامن في جميع المحافظات خلال العام ,2007 فيما ستتسلم السلطات الكردستانية الملف الامني في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية التابع لإدارة إقليم كردستان، بنهاية الشهر الحالي.
أضاف التقرير أنه «بالتشاور مع القادة العسكريين في العراق، ومع الحكومة العراقية، وأركان التحالف، تواصل وزارة الدفاع تقديم النصح للرئيس (الاميركي جورج بـــوش) حول المستوى المناسب لـ(عدد) القــوات الاميركية في الـــعراق». وتابع أنه «بما ان الظروف الامنية تتطور، والقــوات العراقية أصبحت أكثر قدرة على تحقيق الامن في بلادها، فسوف تنتقل قوات التحالف إلى خارج المدن، وتــقلص عدد القــواعد التي تعمل منها، وتقود عدداً أقل من المهمات المباشرة» القتالية.
وقال التقرير إنه «خارج المثلث السني، أعرب 90 في المئة من العراقيين عن شعورهم بالامان. وبرغم ذلك فإن الخشية من اندلاع حرب أهلية قد ارتفعت بين العراقيين عامة». أضاف أن «الكونغرس الاميركي قدم تمويلات إضافية تخطط وزارتا الخارجية والدفاع لاستخدامها من أجل تطوير البنى التحتية الامنية».
وأوضح التقرير ان أكثر من 45 ألف جندي وشرطي عراقي إضافي قد أكملوا دوراتهم التدريبية الاساسية منذ آب الماضي، ما يرفع إجمالي عدد القوات العراقية المدربة والمجهزة إلى 322 ألفا و600 عنصر. وهذه القوات تزداد تحملا للدور القيادي في العمليات العسكرية. غير ان التقرير لفت إلى أن «عدد الجنود وأفراد الشرطة المتأهبين للخدمة هو أقل من ذلك بكثير»، نظراً لكثرة حالات الغياب، وبعضها من دون إذن، بالاضافة إلى حالات الانهاك في صفوف الجنود العراقيين. واعتبر التقرير أن «أحد أهم التحديات المتبقية يكمن في إعادة تشكيل وزارة الداخلية وقوات الشرطة، وتطوير تجهيزات القوات العراقية وقدرات المساندة».
سياسياً
اعتبر التقرير أن العملية السياسية لاجراء مصالحة وطنية «لم تحقق الكثير من التقدم»، مشيراً إلى أن «العنف الطائفي زاد بشكل واضح برغم الاجتماعات بين المسؤولين الدينيين والعشائريين».
وحمّل التقرير ميليشا «جيش المهدي» التابعة للزعيم الشيعي المعارض للاحتلال مقتدى الصدر، الكثير من الوزر في تردي الاوضاع الامنية والسياسية، معتبراً أن «المجموعة التي لها التأثير الاكثر سلبية على الوضع الامني في العراق هي جيش المهدي، الذي حلّ محلّ القاعدة في العراق للتحريض الاكثر خطورة على عنف طائفي مستمر في العراق».
واعتبر التقرير ان «الاهم من أجل استقرار سياسي طويل الامد، هو نجاح مشروع رئيس الوزراء نوري المالكي في المصالحة الوطنية والحوار». وهو مشروع لم يظهر بعد سوى «القليل من التقدم»، حيث إن أعمال العنف الطائفية ازدادت باستمرار برغم الاجتماعات الكثيرة التي عقدت بين الزعماء الدينيين والقبليين. وشدد التقرير على وجوب أن تواصل الادارة الاميركية الضغط على حكومة المالكي، لتلبية أجندة سياسية وتشريعية تؤثر مباشرة على جهود المصالحة. أضاف أن على حكومة بغداد التمسك بدراسة مواضيع محلية حساسة، كقانون الهيدروكاربون، مسألة اجتثاث البعث، الانتخابات الاقليمية وتفكيك الميليشيات. واعتبر التقرير أن فشل الحكومة في القيام بخطوات صلبة في هذه القضايا أدى إلى تفاقم انعدام الثقة بحكومة المالكي.
وفي هذا السياق، ذكر التقرير أن «مجلس النواب العراقي مرر تشريعاً مهماً للبدء بعملية مراجعة الدستور، من أجل تسهيل الاستثمار الاجنبي، ولرسم مسار لتشكيل الاقاليم».
إيران وسوريا
وتناول التقرير التدخل السوري والإيراني في العراق، معتبرا أنهما يكبحان تقدم العملية السياسية في العراق، عبر دعمهما «السلبي والإيجابي» للقوات المعادية للحكومة العراقية وللاحتلال. أضاف ان حكومة بغداد تمكنت من «احتواء» هذا التدخل بالطرق الدبلوماسية، وبتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود مع هذين البلدين.
وأشار البنتاغون الى «استمرار النظام السوري بتأمين الملاذ الآمن، وحرية الانتقال عبر الحدود، والدعم اللوجستي المحدود للمتمردين العراقيين، وخاصة العناصر المرتبطة بحزب البعث العراقي السابق». كما اعتبر أن سوريا تسهل تجارة المخدرات المصنفة كأحد أهم مصادر تمويل الميليشيات «الإرهابية» في العراق، عبر سائقي الشاحنات السورية الذين يهربون هذه البضائع الى الخليج.
ولفت التقرير الى أن طهران ترى في العراق «فرصة غير مسبوقة» لمنع انبعاث دولة مهددة لها، كما كانت حال العراق سابقا. أضاف ان إيران تسعى لإلحاق الخسائر السياسية والبشرية والاقتصادية بالاحتلال، للحؤول دون قيام أي تدخل أميركي مستقبلي في المنطقة. وتمارس طهران ذلك عبر دعم مزدوج لحكومة العراق والميليشيات الشيعية، لضمان نفوذها في حالتي الحكم المركزي أو الفيدرالية، بالإضافة الى مدها روابط مع جنوب العراق وشماله الكردي، لحماية مصالحها في حال تفكك العراق.
اقتصادياً
شدد التقرير على وجود «تحديات خطيرة» تواجه الاقتصاد العراقي كنسبة البطالة المرتفعة، التي «تستمر في تغذية العنف» بكل أشكاله. ودعا إلى ضرورة وضع استراتيجية لمكافحة البطالة، بالتعاون بين «قوات التحالف» والمجتمع الدولي والحكومة العراقية. ولحظ التقرير تحسناً في إطار إنتاج النفط والكهرباء، منذ آب الماضي، رغم الاثر السلبي للاوضاع الامنية والادارية على عملية توزيع وإيصال هذه الخدمات الاساسية. وقد بلغ إنتاج النفط بتاريخ إصدار التقرير 2.3 مليون برميل نفط خام في اليوم، بزيادة نسبتها 7.5 في المئة عن الانتاج في آب الماضي، لكنه أقل من النسبة المطلوبة المقدرة بـ5,2 مليون برميل.
وفيما أظهر التقرير انحساراً في الهجمات على البنى التحتية، لفت إلى أن «التأثير التراكمي لهذه الهجمات مضافاً إليه عدم فعالية تصليحات وصيانة» هذه البنى التحتية، أرخى بظلاله على تأمين الخدمات الاساسية للعراقيين.
(«السفير»)
تقرير للبنتاغون: تسليم الأمن في 2007 «عنف» قياسي و960 هجوماً أسبوعيا
